![]()
اجتمعنا في بورت سودان مايو 2025 بدعوة من وزارة الثقافة والإعلام والسياحة لحضور ورشة تعديل قانون الصحافة. كان إسهامي تقديم ورقة عن الصحافة الالكترونية. وكنت استطلعت آراء مجموعة كبيرة من الصحفيين وسألتهم: هل تعود الصحافة الورقية في السودان؟
وهو سؤال مطروق بشدة في الوسط الإعلامي، وقد رأيت صحيفة أخبار البلد في عددها الصادر اليوم الأحد 6 يوليو تتساءل بدورها في استطلاع جديد: الصحافة الورقية هل من عودة هل؟
وقبل الإجابة أرجو عرض ما لمست من واقع الصحافة الورقية في بعض البلاد… قبل سنوات زرت العاصمة الماليزية، وقصدت مكتبة في الجوار ألتمس صحيفة نيو ستريتس تايمز (New Straits Times) أقدم صحيفة يومية ناطقة باللغة الإنجليزية ولا تزال تصدر في نسخة ورقية. أعتذر لي البائع أنه يتسلم منها ثلاث نسخ فقط لمشتركين.
وفي الرباط العاصمة المغربية عثرت دون جهد كبير على أماكن تبيع الصحف الورقية، لكنها نادرة. وحدثني أحد الأصدقاء من الجزائر أن الصحافة الورقية هنالك ما تزال (حية ترزق). ويبدو هناك خصوصية للدول الفرانكفونية حيث تبقى فيها الصحافة الورقية وإن قلت أعداد التوزيع، وهذا ما رأيته في مطار شارل ديجول بفرنسا قبل سنوات.
في السعودية توقفت الصحافة الورقية تماما، ومن يرد نسخة ورقية، فعليه الذهاب إلى مقر المؤسسة الصحفية ليأخذ نسخته المجانية.
وكنت كتبت عن ملاحظاتي في مصر، حيث توجد أكثر من عشرين صحيفة ورقية ما بين أسبوعية ويومية، تصل إلى الأكشاك قبل صلاة الفجر، لكن تناقصت الكميات الموزعة منها، وكذلك قلت أماكن بيعها التي تكون عادة في محطات المترو وأماكن تجمع خطوط المواصلات العامة.
عندنا في السودان اختفت الصحافة الورقية من أيام جائحة كورونا، وجاءت الحرب لتزيد ضغثًا على إبالة، فتوقفت تماما.
وأعود إلى نتيجة الاستطلاع الذي أجريناه بمناسبة ورشة بورت سودان، فقد كان مفاجئًا لي أن الغالبية من المبحوثين قالوا إن الصحافة الورقية ستعود إلى الصدور بتوزيع محدود ولكنها ستبقى سنوات قليلة قبل أن تنقرض. وترى نسبة ليست كبيرة أن الصحافة الورقية توقفت في السودان بسبب جائحة كورونا والحرب وستعود بقوة بعد انتفاء الظروف التي أدت لتوقفها.
أما النسبة الأقل فترى أن الصحافة الورقية لن تعود للساحة السودانية عقب الحرب وستخلو الساحة للصحافة الالكترونية.
وعلى كلٍ؛ فإن الإجابة النهائية على هذا السؤال ليس سهلا، فالمستقبل رهين باتجاهات التطور في وسائل الاتصال، فمن الممكن تصور إيجاد منافذ توزيع غير تقليدية لإعادة ابتكار توزيع الصحف والمطبوعات الورقية حسب الطلب.
سوف يستمر الطلب على النسخ المطبوعة، ولا نستبعد أن يعود البعض إلى القراءة من سطح مطبوع، لأن لها ميزة اتصالية ولها طعم مختلف. ما يزال بعض الناس يذهبون إلى دور العرض السينمائي رغم انتشار الشاشات على نطاق واسع.
أما إخراج الصحف بصيغة بي دي أف ووضعها على الشاشات، كما يعتاد أصحاب الصحافة السودانية الحالية، فهذا توجه مكتوب عليه الإخفاق، ذلك أنهم أنتجوا صحافة ورقية وأرادوا توزيعها عبر الشاشات. ومن يفعل هذا لم يستوعب طبيعة الانتقال الذي صرنا إليه.
قلت في ورقتي المقدمة إلى ورشة بورت سودان: ” إن التغير الذي حدث في البيئة الاتصالية من حيث السرعة والتنوع يتجاوز كل محاولات التنظير والتنظيم والتشريع، بحيث إن الإعلام الرقمي هو من يفرض شروطه على القطاع الصحفي وعلى المجتمع.
ومن ينظر في المشهد الإعلامي الالكتروني من واقع كثرة أسماء الأنشطة؛ يجد الإعلام السوداني فاقدًا صفة (الشمول) Inclusion وربما يشبه في ذلك واقع بائعات الشاي “ستات الشاي” هذا القطاع التجاري والاقتصادي العريض الموجود خارج الاقتصاد السوداني.
نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الصحافة، حتى لا نكون مثل تلك المرأة التي قرأنا عنها في قصة قصيرة بعنوان: (زوج من أجل أجاك الطويلة). يحكي الروائي عبد العزيز بركة ساكن عن فتاة من النوير تأهلت في كلية الطب بالخرطوم وعادت إلى قريتها أبيرو. كان همُّ أمها الوحيد أن تتزوج أجاك قبل كل شيء.
أجاك همست لأمها أنها سوف تتزوج رجلا من الخرطوم، ليس من الدينكا، بل هي إلى الآن لا تعرف قبيلته، وأنه يعمل في الصحافة. طبعًا سألتها أمها: ما هي الصحافة؟ فلم تستطع أجاك أن تجد لغة مناسبة لشرح الكلمة.
لم تمانع الأم لكنها أكدت على عدد البقرات، لأن أباها سوف يموت من الغبن إذا نقصت بقرة واحدة من الألف المتفق عليها كحد أدنى مهرًا لبنت في طولها ولها ذراعان بهذا الجمال.