![]()

أرى أنه من حق المواطن في أي محلية في السودان أن يجد قيادة تنفيذية قريبة منه، تستمع إليه، وتقدر ظروفه، وتحترم الإدارة والمسؤولين والمواطنين على حد سواء، ومن حق المواطن أيضا أن يرفع صوته بالرأي والنقد البناء عندما يشعر أن الأداء في محليته لا يلبي طموحاته، وأن يطالب السيد الوالي بإعادة النظر والتقييم، فهذا هو جوهر الحكم المحلي الصحيح، وهذا هو دور الصحافة الحرة المسؤولة التي تنقل هموم الناس بصدق وأمانة بلا تجريح وبلا إساءة وبلا تشهير.
ومحلية بارا هي واحدة من المحليات العريقة والمهمة في ولاية شمال كردفان، محلية لها تاريخها ولها ثقلها الاجتماعي والاقتصادي والزراعي، محلية فيها قيادات أهلية وإدارات أهلية وعلماء ومزارعون وتجار وشباب ونساء، محلية فيها أرض خصبة ومياه جوفية ومشاريع زراعية ومراعي واسعة وأسواق عامرة، محلية قدمت للسودان الكثير من الكفاءات والقيادات في السياسة والإدارة والتعليم والطب والجيش والشرطة، محلية تستحق أن تكون في مقدمة المحليات في التنمية والخدمات والاستقرار، لا أن تكون في ذيل القائمة بسبب ضعف التواصل أو ضعف الأداء أو غياب روح الفريق والتشاور.
وفي الفترة الأخيرة وصلتنا شكاوى وملاحظات متكررة من مواطنين وقيادات في محلية بارا، شكاوى تتحدث عن وجود فجوة بين الإدارة التنفيذية للمحلية وبين المواطنين وبين بعض الإدارات والمسؤولين، شكاوى تتحدث عن صعوبة التواصل، وعن عدم تقدير الجهود، وعن غياب روح التشاور، وعن قرارات تتخذ بلا مشاركة مجتمعية حقيقية، وعن شعور لدى بعض المواطنين بأن صوتهم لا يصل، وأن همومهم لا تجد من يستمع إليها باهتمام. ونحن هنا لا نريد أن نطلق أحكاما نهائية على شخص، ولا نريد أن نسيء لأحد، بل نريد أن ننقل هذه الشكاوى بأمانة إلى السيد الوالي، ونطالبه بإعادة النظر والتقييم، لأن التقييم الدوري للقيادات هو أمر طبيعي وصحي في أي دولة تحترم نفسها، وهو سنة إدارية معمول بها في كل العالم.
إن المدير التنفيذي لأي محلية ليس حاكما مطلقا، بل هو خادم للمواطن، هو موظف عام مهمته الأولى هي خدمة الناس، هو مسؤول عن المياه والصحة والتعليم والطرق والنظافة والأسواق والأمن المجتمعي والتنمية، هو مسؤول عن أن يفتح مكتبه للجميع بلا فرز ولا تمييز، وأن يجلس مع القيادات الأهلية ومع الشباب ومع المرأة ومع المزارعين ومع التجار، وأن يسمع منهم، وأن يتحرك معهم في القرى والأحياء، وأن يكون أول الحاضرين في الأزمات وآخر المغادرين. فإذا غابت هذه الصفات عن أي مدير تنفيذي، فإن المحلية كلها ستتأثر، وستتعطل التنمية، وسيشعر المواطن بالغربة في محليته، وسيشعر بأن المحلية ليست محليته، وأن الإدارة ليست إدارته.
إن الكبرياء والتعالي لا يليقان بأي مسؤول، فالمسؤول المتكبر لا يستطيع أن ينجح مهما كان ذكيا ومهما كانت خبرته، لأن العمل في المحليات عمل جماعي يعتمد على احترام الآخرين وتقدير جهودهم، يعتمد على احترام الإدارة الأهلية واحترام المعلم واحترام الطبيب واحترام المزارع واحترام العامل البسيط، فكل هؤلاء شركاء في التنمية، وأي مسؤول لا يقدر شركاءه فإنه يخسرهم ويخسر معهم التنمية نفسها. ولذلك فإننا نطالب بأن تكون معايير اختيار المدير التنفيذي واضحة، وأن يكون التواضع والاحترام والقدرة على التواصل والاستماع من أهم هذه المعايير، قبل الشهادات والخبرات الورقية، فالشهادة وحدها لا تصنع قائدا، بل التواضع والصدق والإخلاص هي التي تصنع القائد الحقيقي الذي يحبه الناس ويتبعونه.
إن عدم تقدير الإدارة والمسؤولين هو واحد من أخطر العيوب التي يمكن أن تصيب أي إدارة، فالإدارة في المحلية ليست شخصا واحدا، بل هي منظومة متكاملة من مديري الإدارات ورؤساء الأقسام والموظفين والعاملين، وكل واحد منهم له دوره وله كرامته وله خبرته، والمدير الناجح هو الذي يقدر موظفيه، ويحفزهم، ويشجعهم، ويقف معهم في الشدة، ويحتفل بنجاحهم، ولا يبخسهم حقهم، ولا يتعالى عليهم، ولا يقلل من شأنهم أمام الآخرين، فالموظف الذي يشعر بالتقدير يعمل بضعف طاقته، والموظف الذي يشعر بالإهانة وعدم التقدير يفقد الحماس ويفقد الرغبة في العمل، وينعكس ذلك سلبا على المواطن الذي يأتي للمحلية ليجد موظفا محبطا وإدارة متعطلة ومعاملة سيئة.
وكذلك عدم تقدير المسؤولين في الولاية والمركز وفي المؤسسات الأخرى هو خطأ إداري كبير، فالمدير التنفيذي لا يعمل وحده في جزيرة معزولة، بل يعمل في منظومة متكاملة مع الوالي ومع وزراء الولاية ومع الأجهزة الأمنية ومع منظمات المجتمع المدني ومع الإدارة الأهلية، والاحترام المتبادل بين هذه الجهات هو أساس النجاح، فإذا انقطع الاحترام انقطع التنسيق، وإذا انقطع التنسيق تعطلت المشروعات، وإذا تعطلت المشروعات تضرر المواطن البسيط الذي لا ذنب له في كل هذه الخلافات الإدارية.
ورسالتي إلى السيد والي ولاية شمال كردفان هي رسالة محبة واحترام وتقدير، رسالة مواطن حريص على محليته وعلى ولايته، رسالة تقول: سيدي الوالي، نرجو منك إعادة النظر في أمر محلية بارا، ونرجو منك أن ترسل لجنة تقييم محايدة ونزيهة للوقوف على حقيقة الأوضاع في المحلية، لجنة تستمع للمواطنين وللقيادات الأهلية وللموظفين وللإدارات المختلفة، لجنة تقيم الأداء في الخدمات والتنمية والتواصل، لجنة تقيم مستوى الرضا الشعبي عن الأداء التنفيذي، لجنة ترفع لك تقريرا صادقا وشفافا، وبناء على هذا التقرير اتخذ القرار الذي تراه مناسبا لمصلحة المحلية والمواطن، سواء كان القرار هو التوجيه والإصلاح، أو التغيير والتبديل، فالمهم هو مصلحة بارا وليست مصلحة شخص.
إن إعادة النظر لا تعني الإدانة، ولا تعني الإساءة، بل تعني المراجعة والتصحيح، فكل مسؤول قابل للتقييم، وكل أداء قابل للمراجعة، وكل محلية تحتاج بين فترة وأخرى إلى وقفة تقييم لتصحيح المسار، وإذا كان الأداء جيدا فإن التقييم سيكون إنصافا للمدير التنفيذي وسيعزز ثقة المواطنين فيه، وسيخرس ألسنة المنتقدين، وإذا كان الأداء ضعيفا فإن التقييم سيكون فرصة للإصلاح أو التغيير، وفي الحالتين المستفيد الأول هو المواطن في بارا، والمستفيد الثاني هو الولاية كلها، لأن نجاح بارا هو نجاح لشمال كردفان كلها، وفشل بارا هو فشل للولاية كلها.
محلية بارا تحتاج اليوم إلى تدخل عاجل من السيد الوالي والمركز، تحتاج إلى دعم في المياه والكهرباء والطرق والصحة والتعليم، تحتاج إلى مشروعات تنموية حقيقية، تحتاج إلى تفعيل دور الشباب والمرأة في التنمية، تحتاج إلى مصالحة مجتمعية شاملة، تحتاج إلى قيادة تجمع ولا تفرق، قيادة تحترم الجميع وتقدر الجميع وتعمل مع الجميع بروح الفريق الواحد، قيادة تعرف أن بارا أكبر من أي شخص، وأن تاريخ بارا أكبر من أي مدير، وأن مواطن بارا هو سيد الموقف وصاحب الحق الأول في التنمية والخدمات.
إن بارا تعاني اليوم من أوضاع اقتصادية صعبة تتطلب تدخلا عاجلا، فالمزارع يعاني من غلاء الوقود والتقاوي والأسمدة، والتاجر يعاني من ضعف الحركة التجارية وغلاء الترحيل، والمواطن البسيط يعاني من غلاء الأسعار وضعف الدخل، والشباب يعانون من البطالة وقلة فرص العمل، والنساء يعانين من ضعف الخدمات الصحية والتعليمية، وهذه الأوضاع لا يمكن أن تحل بالقرارات الفردية وحدها، بل تحتاج إلى خطة تنموية متكاملة يشارك فيها الجميع، ويقودها مدير تنفيذي يؤمن بالعمل الجماعي وبالمشاركة المجتمعية، لا مدير يؤمن بالقرار الفردي والتعالي على الآخرين.
ونحن نقولها بكل وضوح: لا نريد مديرا تنفيذيا يعيش في برج عاجي بعيدا عن المواطن، نريد مديرا تنفيذيا يعيش هموم المواطن، يأكل مما يأكل منه المواطن، ويشرب مما يشرب منه المواطن، ويتحرك في أسواق بارا وقراها، ويزور المدارس والمستشفيات ومحطات المياه، ويجلس مع الأمهات في القرى ومع الشباب في الأندية ومع المزارعين في الحواشات، ويفتح هاتفه للجميع، ويرد على شكاوى المواطنين بنفسه، فهذه هي القيادة الحقيقية التي نريدها في بارا وفي كل محليات السودان.
إن القيادة في الإسلام وفي كل القيم الإنسانية هي خدمة وليست تشريفا، هي أمانة وليست وجاهة، هي مسؤولية وليست سلطة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وكان يجلس مع الفقراء والمساكين ويأكل معهم ويستمع إليهم، وكان الخلفاء الراشدون يمشون في الأسواق ليلا يتفقدون أحوال الرعية، فأين نحن اليوم من هذا النموذج؟ وأين بعض مسؤولينا اليوم من هذا التواضع؟ إن المسؤول الذي لا يتواضع للناس لا يستحق أن يكون مسؤولا عنهم، وإن المسؤول الذي لا يقدر الناس لا يستحق أن يقدره الناس.
ومن هنا فإننا نطالب السيد الوالي بأن يضع معايير واضحة لتقييم المديرين التنفيذيين في كل محليات الولاية، معايير تشمل الرضا الشعبي، ومستوى الخدمات، ومستوى التنمية، ومستوى التواصل مع المواطنين، ومستوى احترام الإدارة والمسؤولين، ومستوى الشفافية في إدارة المال العام، ومستوى القدرة على حل المشاكل، وأن تكون هذه المعايير معلنة ومعروفة للجميع، حتى يعرف كل مدير تنفيذي أنه مراقب ومقيم، وأن بقاءه في منصبه مرتبط بأدائه ورضا المواطنين عنه، وليس مرتبطا بعلاقات أو وساطات.
ونطالب أيضا بأن يكون هناك آلية واضحة لتلقي شكاوى المواطنين في محلية بارا وفي كل المحليات، آلية تحفظ للمواطن كرامته وتحفظ للمسؤول حقه في الرد، آلية ترفع الشكاوى إلى الوالي مباشرة دون خوف ودون وسيط، حتى لا يشعر المواطن بأنه محاصر ولا يستطيع أن يوصل صوته، فالمواطن عندما يجد من يسمعه فإنه يهدأ ويثق في الدولة، وعندما يشعر بأن صوته لا يصل فإنه يفقد الثقة ويتحول إلى الإحباط والغضب.
ختاما نقول للسيد الوالي: هذه هي رسالتنا، رسالة مواطنين محبين لبارا ولشمال كردفان وللسودان، نضعها بين يديك بكل أمانة وصدق، ونثق في حكمتك وفي قدرتك على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح، فبارا تستحق الأفضل، ومواطن بارا يستحق الأفضل، وتاريخ بارا يستحق أن نحافظ عليه بقيادة رشيدة متواضعة تحترم الجميع وتقدر الجميع وتخدم الجميع.
ونقول لأهل بارا الكرام: لا تفقدوا الأمل، ولا تتوقفوا عن المطالبة بحقوقكم بالطرق السلمية والقانونية والحضارية، فحقكم في التنمية والخدمات والقيادة الرشيدة هو حق مشروع كفله لكم الدستور والقانون، واصبروا وصابروا ورابطوا، وكونوا عونا للوالي في إصلاح محليتكم، ولا تكونوا عونا على هدمها، فبارا محليتكم جميعا، وليست محلية شخص واحد، ونهضتها مسؤوليتكم جميعا.
تحية لأهل بارا الكرام، أهل الكرم والشهامة والعلم والزراعة، وتحية لكل موظف شريف يعمل في محلية بارا بصمت وإخلاص، وتحية لكل قيادة أهلية وشعبية تعمل لخدمة بارا، وتحية للسيد الوالي الذي ننتظر منه قرارا يعيد لبارا روحها ومكانتها، وسيروا وعين الله ترعاكم فأنتم أهل بارا تستحقون قيادة تليق بكم وب تاريخكم.