محمود صالح يكتب :تعقيب اقتصادي على بيان الغرفة القومية لمستوردي المواد البترولية

محمود صالح  يكتب :تعقيب اقتصادي على بيان الغرفة القومية لمستوردي المواد البترولية

Loading

إن ما ورد في المؤتمر الصحفي للغرفة القومية لمستوردي المواد البترولية يؤكد، بالأرقام والوقائع، ما ظل عدد من الاقتصاديين والخبراء ينادون به منذ سنوات، وهو أن أزمة النقد الأجنبي في السودان ليست أزمة موارد، وإنما أزمة إدارة وتعبئة وتوجيه للموارد المتاحة.

فإذا كانت بيانات وزارة المعادن تشير إلى إنتاج نحو 70 طناً من الذهب خلال عام 2025، بينما لم يدخل عبر القنوات الرسمية سوى 14 طناً فقط، فإن الفاقد البالغ 56 طناً يمثل في الواقع جوهر الأزمة الاقتصادية الحالية. فهذه الكمية وحدها، وفقاً للأسعار العالمية السائدة، تمثل مليارات الدولارات القادرة على تغطية احتياجات البلاد من الوقود والقمح والدواء والسلع الاستراتيجية، دون أي ضغوط على سعر الصرف أو الاحتياطي النقدي.

كما أن الأرقام التي عرضتها الغرفة بشأن الربع الأول من عام 2026 تكشف بوضوح أن الفجوة بين حصيلة صادرات الذهب الرسمية البالغة 370 مليون دولار، وفاتورة استيراد الوقود البالغة 697 مليون دولار، هي السبب الرئيسي للضغط على سوق النقد الأجنبي، حيث بلغ العجز أكثر من 326 مليون دولار خلال ثلاثة أشهر فقط.

ومن هذا المنطلق، فإن التجربة التي قادتها شركة الفاخر خلال السنوات الماضية تظل نموذجاً جديراً بالدراسة والبناء عليه، إذ قامت فكرتها الأساسية على جذب الذهب إلى القنوات الرسمية، وتوظيف حصائل الصادر في تمويل استيراد السلع الاستراتيجية، وتقليل الطلب على العملات الأجنبية في السوق الموازي. وقد أثبتت التجربة عملياً أن معالجة جذور المشكلة تكون عبر زيادة المعروض من النقد الأجنبي الناتج عن الصادرات، وليس عبر فرض المزيد من القيود على المستوردين أو المنتجين.

إن السياسات التي تؤدي إلى تجميد رؤوس الأموال أو خلق طلب إضافي على الذهب داخل السوق المحلية قد تحقق أهدافاً تنظيمية قصيرة المدى، لكنها لا تعالج أصل المشكلة، بل قد تؤدي إلى تقليص عدد المتعاملين الرسميين وزيادة نشاط السوق غير المنظم. لذلك فإن الأولوية يجب أن تكون لتطوير حوافز اقتصادية وتجارية تجعل المنتج والمصدر يفضلان التعامل عبر القنوات الرسمية طوعاً لا كرهاً.

اقتصادياً، لا يمكن لأي دولة منتجة للذهب بحجم السودان أن تعاني من أزمة مزمنة في النقد الأجنبي إذا نجحت في استقطاب الجزء الأكبر من إنتاجها إلى النظام المصرفي. فالمعادلة واضحة: كل أونصة ذهب تدخل القنوات الرسمية تعني عرضاً إضافياً للدولار، واستقراراً أكبر لسعر الصرف، وانخفاضاً في معدلات التضخم، وقدرة أعلى على تمويل الواردات الاستراتيجية.

وعليه، فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن مصادر جديدة للنقد الأجنبي بقدر ما هو استعادة الموارد الموجودة بالفعل خارج المنظومة الرسمية، ووضع سياسات مرنة وجاذبة للمنتجين والمصدرين، وتوسيع نطاق المبادرات التي أثبتت نجاحها في ربط صادرات الذهب باحتياجات الاقتصاد الحقيقي.

إن معالجة فجوة الـ56 طناً المفقودة من الذهب تمثل أكبر مشروع إصلاح اقتصادي يمكن أن ينفذه السودان حالياً، لأنها قادرة وحدها على تغيير معادلة سوق النقد الأجنبي وتحقيق استقرار اقتصادي مستدام دون الحاجة إلى إجراءات استثنائية أو حلول مؤقتة.

 رجل أعمال وخبير اقتصادي