![]()
يتقدم اسم مرتفعات علي الطاهر اليوم في خريطة التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان، وسط قصف إسرائيلي متواصل وحديث عن إمكانية تنفيذ عملية عسكرية للسيطرة على هذه التلال، التي تُعد من أبرز المواقع الإستراتيجية في المنطقة.
لكن أهمية علي الطاهر لا ترتبط بموقع جغرافي مرتفع فحسب، إذ تحولت التلال إلى عقدة عسكرية وسياسية، فإسرائيل تريد تغيير الوضع القائم فيها، وحزب الله يرفض التخلي عنها، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى منع اتساع المواجهة، وسط مسار يبدو أن كفته تميل لمصلحة تل أبيب.
موقع إستراتيجي يشرف على محاور حيوية
لفهم أهمية مرتفعات علي الطاهر، تبدأ القصة من الجغرافيا، حيث تقع التلال عند أطراف النبطية الفوقا، شمال نهر الليطاني، وتشرف على مناطق النبطية وإقليم التفاح ووادي الليطاني، إضافة إلى محور الخردلي، ما يمنحها أهمية كبيرة في عمليات الرصد ومراقبة محاور الحركة في المنطقة.
ولا تنبع أهمية الموقع من ارتفاعه فقط، إذ تشير تقديرات عسكرية إلى أن التلال تمثل جزءًا من منظومة دفاعية أقامها حزب الله في المنطقة منذ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000.
وتتجاوز قضية علي الطاهر البعد العسكري لتدخل أيضًا في صلب المسار السياسي والتفاوضي.
وبحسب المعطيات المتداولة، يتضمن مقترح أميركي تسليم المنطقة إلى الجيش اللبناني وانسحاب حزب الله منها، في مقابل وقف إطلاق النار. إلا أن الحزب يعتبر هذا الملف شأنًا داخليًا.
هل تتحول التلال إلى ساحة معركة؟
المخاوف لا تقتصر على الجانب السياسي، إذ تشير تقديرات عسكرية إلى أن أي عملية إسرائيلية للسيطرة على مرتفعات علي الطاهر قد تكون طويلة ومعقدة، خصوصًا مع الحديث عن استعداد حزب الله لمنع سقوط الموقع.
وفي موازاة ذلك، اتسعت رقعة التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان لتشمل قرى ومناطق جديدة في قضاء النبطية، بالتزامن مع استهداف وتفجير منازل ومبانٍ في المنطقة.
عقدة ”مرتفعات علي الطاهر“.. الموقع العسكري الذي يختبر التوازنات في جنوب لبنان#الأخيرة@NafeeYahya pic.twitter.com/vEGPf5SPPe
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 15, 2026
ويبرر الجيش الإسرائيلي هجماته بالرد على عملية قال إن حزب الله نفذها واستهدفت قواته في المنطقة الأمنية.
كما تحدثت إسرائيل عن اغتيال سمير الحاج حسن، الذي وصفته بأنه قائد في قوة الرضوان التابعة لحزب الله، إلى جانب استهداف مسلحين في منطقة أنصار.
وفي السياق نفسه، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إصابة ثلاثة جنود بجروح خطيرة، قال إنها ناجمة عن عملية نفذها حزب الله في منطقة تلة علي الطاهر.
شهداء وجرحى في أنصار ودير الزهراني
واستهدفت الغارات الإسرائيلية بلدتي أنصار ودير الزهراني، وأسفرت، وفق أحدث المعطيات الواردة، عن استشهاد 11 شخصًا وإصابة 19 آخرين، بينهم أطفال ونساء، بحسب وزارة الصحة اللبنانية.
وفي بيروت، أدان الرئيس اللبناني جوزيف عون الخروقات الإسرائيلية لاتفاق الإطار ولعمل مجموعة التنسيق العسكرية.
وأكد رئيس الحكومة نواف سلام أن التعامل مع أي بنى عسكرية موجودة على الأراضي اللبنانية هو مسؤولية الدولة اللبنانية حصرًا.
من جهته، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري إن “المجزرتين في أنصار ودير الزهراني تندرجان في سياق استكمال الحرب الإسرائيلية على لبنان”.
أما حزب الله، فاتّهم إسرائيل بتوسيع دائرة الاستهداف والسعي إلى تصعيد الحرب، محذرًا من أن محاولات فرض أمر واقع جديد على لبنان ستقابل، وفق تعبيره، بما يناسبها.
هل تنسحب إسرائيل إذا تسلم الجيش اللبناني الموقع؟
وفي هذا الإطار، قال الكاتب السياسي خليل نصرالله إن التساؤل المطروح هو: إذا سلّم حزب الله، كما تقول إسرائيل، منشأة إستراتيجية في تلال علي الطاهر للجيش اللبناني وتخلى عنها، فهل يحل ذلك المشكلة؟ وهل يؤدي إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان؟
وفي حديثه للتلفزيون العربي من بيروت، أوضح نصرالله أن السؤال الأهم هو: هل تقبل إسرائيل أصلًا أن يتسلم الجيش اللبناني هذه المنشأة كما تدّعي؟ مشيرًا إلى أن معطيات عديدة تؤكد أنها ستدخل إليها حتى لو تسلمها الجيش.
هل تقبل إسرائيل فعلا بتسليم مرتفعات على الطاهر للجيش اللبناني؟#الأخيرة@khalilnasrallah@NafeeYahya pic.twitter.com/9f0ZKaaVHp
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 15, 2026
وأضاف أن نموذج نفق مجدل زون يوضح الصورة، إذ رفضت إسرائيل أن يتعامل معه الجيش اللبناني، وأصرت على أن تدخل وتفجره بنفسها، وهو ما يعكس نهجها في التعامل مع هذه الملفات.
وتابع أن ما يُطرح اليوم بشأن مرتفعات علي الطاهر قد يتكرر غدًا في مناطق أخرى مثل دير الزهراني، حيث تطالب إسرائيل حزب الله بالتسليم، ما يعني أنها تواصل القفز إلى الأمام في فرض شروطها.
وختم نصرالله بالقول إن ملف تل الطاهر دخل ضمن الحسابات الانتخابية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
لبنان أمام مأزق بين التفاوض والتصعيد
من جهته، قال الكاتب والباحث السياسي أسعد بشارة إن الخيار الوحيد المتاح أمام لبنان الرسمي هو التفاوض، مشددًا على أن نجاح هذا المسار يتطلب امتلاك أدوات تفاوضية حقيقية، وفي مقدمتها ورقة السلاح التي يتعمد حزب الله حرمان الدولة منها.
وأوضح أنه إذا ما اقترنت هذه الورقة بالانسحاب الكامل، فإن الهدف يصبح خروج الاحتلال الإسرائيلي وعودة الجنوبيين إلى قراهم وبدء عملية الإعمار.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من بيروت، أشار بشارة إلى أن لبنان الرسمي يجد نفسه عالقًا بين إيران، عبر نفوذ حزب الله، وبين إسرائيل التي تواصل تعنتها رغم أن الرعاية الأميركية ما زالت تكبحها مؤقتًا، محذرًا من أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر طويلًا.
وأضاف أن لبنان يواجه مأزقًا مزدوجًا: تعثر المفاوضات من جهة، واحتمال التصعيد العسكري غير المسبوق من جهة أخرى، وهو ما قد يقود إلى استئناف الحرب، مؤكدًا أن ذلك لا يخدم مصلحة لبنان ولا مصلحة حزب الله.
ورأى أن الحزب يسير وفق أجندة إيرانية، معتبرًا الدولة اللبنانية مجرد كيان ورقي بلا أدوات تفاوضية، فيما يضع الملف اللبناني على طاولة المفاوضات الإيرانية – الأميركية.
