![]()
مسار ميديا.. خلف كل رقم إنسان…
من حي كادقلي بدأت الحكاية.. حين تصبح اللقمة أمنية والعلاج مؤجلاً
تحقيق– مكارم حامد حميدان…
ليست كل الحكايات تصل إلى الصفحات الأولى، وليست كل المعاناة يمكن اختصارها في رقم داخل تقرير أو إحصائية.
فخلف كل رقم إنسان، وخلف كل حالة أسرة، وخلف كل رحلة نزوح تفاصيل من الألم والصمود لا تظهر في نشرات الأخبار.
من حي كادقلي بولاية كسلا كانت البداية.
هناك، بين البيوت البسيطة والأسر التي تكافح من أجل البقاء، بدأت مسار ميديا الاقتراب من الناس، لا لتسألهم عن أعداد النازحين أو حجم الاحتياج فقط، وإنما لتعرف ما وراء الأرقام:
كيف يعيش هؤلاء؟ ماذا يأكلون؟ كيف يعالجون مرضاهم؟ أين ينام أطفالهم؟ ومن يعيلهم عندما يغيب مصدر الدخل؟
في هذه المساحة، تدخل «مسار ميديا» إلى المجتمع، تستمع إلى أصوات الناس، وتمنح أصحاب الحكايات فرصة للحديث عن واقعهم كما يعيشونه.
مريضة تقف أمام تكلفة علاج تفوق قدرة أسرتها، وأم تغسل ملابس الآخرين لتوفر الطعام لأطفالها، وجدة مسنة تحاول إعالة أربعة أطفال، وأسر قطعت مسافات طويلة هرباً من الحرب، ثم وجدت نفسها أمام سؤال جديد:
ماذا بعد الوصول؟
هذا التحقيق ليس بحثاً عن الشفقة.
إنه محاولة لوضع الإنسان في قلب القصة، ولفت الانتباه إلى احتياجات واضحة يمكن للمسؤولين والمنظمات والمبادرات الإنسانية وأصحاب القلوب الرحيمة أن يسهموا في معالجتها.
اللقمة أولاً.. والعلاج ينتظر
في منزل يضم أكثر من عشرة أفراد، تحاول حاجة حواء مواجهة أعباء الحياة اليومية، بينما تكافح في الوقت نفسه مع مرض أقعدها عن المشي.
تقول حواء إنها تعاني من مشكلة في ساقيها وتحتاج إلى علاج وأدوية بصورة مستمرة، فيما أخبرها الأطباء بحاجتها إلى عملية جراحية تُقدّر تكلفتها، بحسب إفادتها، بنحو 6 مليارات جنيه سوداني.
مبلغ يتجاوز إمكانات الأسرة بكثير.
ولم تتوقف معاناتها عند ذلك، فقد ظهرت لديها آلام في الأذن، وأصبحت تعتمد على المسكنات وقطرة للأذن في انتظار الوصول إلى العلاج المناسب.
لكن المرض ليس وحده ما يضغط على الأسرة.
فما يصل إليها من مساعدات يذهب في الأساس إلى توفير الطعام، وهو أمر مفهوم في أسرة يتجاوز عدد أفرادها عشرة أشخاص، لكنه يترك العلاج والدواء في دائرة الانتظار.
وهنا تصبح المفاضلة قاسية:
الطعام حاجة يومية.. والعلاج حاجة لا تحتمل التأجيل.
تأمل الأسرة في الحصول على دعم يمكن ربة المنزل من تلقي العلاج اللازم، ويساعدها كذلك في توفير الاحتياجات الأساسية لأفراد أسرتها.
إنها واحدة من تلك الحالات التي تكشف أن الاحتياج الإنساني لا يأتي في صورة واحدة؛ فقد يكون الغذاء ضرورياً اليوم، بينما يكون الدواء أكثر إلحاحاً غداً.
«أغسل ملابس الناس عشان أوفر لقمة عيش لأولادي»
كوثر.. أم تواجه الحياة وحدها
في منزل آخر، تحاول كوثر، وهي أم لثلاثة أطفال، تحمل مسؤولية أسرتها في ظل غياب مصدر ثابت للدخل.
تقول إن توفير احتياجات أطفالها أصبح معركة يومية، وإنها عندما تضيق بها الظروف تبحث عن أي عمل تستطيع القيام به لتوفير الطعام.
ومن بين الأعمال التي تلجأ إليها غسيل الملابس للآخرين مقابل أجر.
وتقول:
«أنا بس دايرة أوفر لأولادي الثلاثة لقمة العيش.. لو لقيت غسيل بغسلو عشان أجيب ليهم حاجة يأكلوها».
بالنسبة إلى كوثر، العمل ليس بحثاً عن دخل إضافي أو رفاهية.
إنه محاولة لتوفير أبسط احتياجات أطفالها.
تحول جهد يديها إلى وجبة، وتحاول أن تواجه مسؤولية الأسرة بما يتوفر لديها من قدرة على العمل.
قصتها تختصر واقع أمهات يجدن أنفسهن أمام مسؤوليات كبيرة، ويحاولن تحويل أي فرصة عمل بسيطة إلى مصدر للبقاء.
بيت من القش.. وأربعة أطفال ينتظرون اللقمة
في منطقة سكنية غير مخططة، تعيش جدة مسنة داخل منزل بسيط من القش، برفقة أربعة أطفال، جميعهم دون العاشرة.
تحاول الجدة، رغم تقدمها في السن، توفير الطعام للأطفال من خلال بيع بعض الأشياء البسيطة.
لكن ما تجنيه لا يكفي دائماً.
في بعض الأيام تجد ما يسد حاجتهم، وفي أيام أخرى لا تجد شيئاً.
ويصبح السؤال الأصعب:
ماذا سنأكل اليوم؟
وعندما يشتد الجوع، يخرج الأطفال إلى الشوارع بحثاً عمن يمنحهم طعاماً.
لكن احتياج الأسرة لا يتوقف عند الغذاء.
هناك أيضاً الحاجة إلى مأوى أكثر أماناً، ورعاية، واستقرار، وحماية تضمن للأطفال حقهم في حياة كريمة.
بيت من القش لا يحمي وحده طفولة أربعة أطفال.
20 يوماً من النزوح.. ثم ماذا؟
من جنوب كردفان إلى كسلا.. رحلة صمود لا تنتهي بالوصول
الوصول إلى كسلا لم يكن نهاية المعاناة بالنسبة إلى عدد من الأسر الوافدة.
كان بداية مرحلة أخرى.
خلف كل رحلة نزوح أيام طويلة من السير والانتظار، وطعام غير مضمون، وتكاليف نقل مرتفعة، وفقدان لمصادر الدخل والسند.
ومن خلال الاستطلاع الميداني، تحدثت عدد من الوافدات عن رحلاتهن منذ مغادرة مناطقهن وحتى الوصول إلى مناطق الاستقرار الحالية.
حكايات مختلفة في التفاصيل، لكنها تلتقي عند حقيقة واحدة:
النجاة من الحرب لا تعني بالضرورة انتهاء المعاناة.
«20 يومًا في الشارع»
محاسن.. أم لخمسة أطفال في مواجهة الطريق
تروي محاسن، الوافدة من جنوب كردفان وأم لخمسة أطفال، أنها أمضت وأسرتها نحو 20 يوماً في الطريق.
تقول إن الأسرة كانت تقضي أوقاتاً في الشارع، وإن الطعام لم يكن متوفراً بصورة منتظمة:
«مرة نلقى أكل ومرة ما نلقى».
ولم تقتصر صعوبة الرحلة على الغذاء.
فقد واجهت الأسرة أعباء مالية كبيرة، وبلغت تكلفة بعض مسافات النقل نحو 80 ألف جنيه أو أكثر، إلى جانب الإرهاق الجسدي والتوقف المتكرر.
وبعد كل هذه الأيام وصلت الأسرة إلى كسلا.
لكن الوصول لم يكن نهاية الأسئلة.
كان السؤال الجديد:
كيف نبدأ من جديد؟
استشهاد الزوج.. ثم ولادة وسط المعاناة
مزاهر.. رحلة حملت الحرب والولادة معاً
وصلت مزاهر عمر برفقة أسرتها المكونة من خمسة أطفال، وكانت معها شقيقتها وأطفالها الثلاثة.
غادرت الأسرة منطقة الحرب بعد استشهاد زوج شقيقتها، وكانت الشقيقة حاملاً في شهرها الثامن أثناء الرحلة.
كانت الظروف المادية بالغة الصعوبة، خصوصاً مع غياب من يعول الأسرة.
وبعد الوصول، وضعت الشقيقة مولودها قبل عشرة أيام، لتبدأ مسؤولية جديدة في رعاية طفل حديث الولادة إلى جانب الأطفال الآخرين.
هكذا اجتمع في رحلة واحدة:
الفقد، والنزوح، والحمل، والولادة، ومسؤولية الأطفال.
ولم تكن الولادة نهاية القصة، بل بداية مسؤولية جديدة تحتاج إلى رعاية وغذاء وأمان.
«يوم نلقى ويوم لا»
خدم الله.. حين يصبح الاستقرار مؤقتاً
من ولاية الخرطوم، تروي خدم الله قصة رحلة استمرت ثلاثة أيام.
أقامت في البداية مع أقاربها، قبل أن تنتقل إلى أسرة أخرى.
كما سجلت في أحد مراكز الإيواء، لكنها لم تحصل على مساعدات، موضحة أن الخدمات كانت مخصصة للمتواجدين داخل المركز.
وتقول إن إمام المسجد القريب كان من الجهات القليلة التي قدمت لهم بعض المساعدة من وقت لآخر.
وعن واقعها الحالي، تختصر كل شيء في عبارة قصيرة:
«يوم نلقى ويوم لا.. والحمد لله».
جملة قصيرة تختصر حالة من عدم الاستقرار، حيث لا تعرف الأسرة دائماً من أين ستأتي احتياجات اليوم التالي.
24 يوماً من الانتظار
ياسمين.. تركت زوجها في منطقة النزاع وحملت أطفالها
أما ياسمين، الوافدة من جنوب كردفان – الدلنج، وأم لأربعة أطفال، فتروي رحلة استمرت نحو 24 يوماً.
كانت الأسرة تحمل معها بعض الاحتياجات البسيطة، لكنها نفدت خلال الرحلة، ولم تجد المساعدة التي كانت تحتاج إليها.
لكن أصعب ما في الرحلة كان ما تركته خلفها.
فقد تركت ياسمين زوجها في منطقة النزاع، لتجد نفسها أمام مسؤولية إعالة أطفالها في ظروف صعبة.
لا مصروف ثابت.
ولا مصدر دخل.
ولا يقين بما يحمله الغد.
جاءت إلى مكان أكثر أمناً وهي تحمل أطفالها، لكنها ما زالت تحمل معها قلق الأسرة التي تركتها خلفها.
حين ينتهي النزوح.. تبدأ أسئلة أخرى
قد يبدو الوصول إلى مدينة آمنة نهاية لرحلة النزوح.
لكن القصص التي التقتها «مسار ميديا» تكشف أن الوصول قد يكون بداية مرحلة جديدة من الاحتياج.
بعد الطريق يأتي السؤال عن:
السكن.. الغذاء.. العلاج.. التعليم.. العمل.. الحماية.. والاستقرار.
فالأسرة النازحة لا تحتاج فقط إلى مكان تنام فيه.
إنها تحتاج إلى فرصة لإعادة بناء حياتها.
والأم التي تصل بأطفالها تحتاج إلى مصدر دخل.
والمريض يحتاج إلى علاج.
والطفل يحتاج إلى غذاء وتعليم وحماية.
ومن هنا فإن الاستجابة الإنسانية لا يمكن أن تتوقف عند المساعدة العاجلة، بل تحتاج أيضاً إلى حلول تساعد الأسر على استعادة قدرتها على الاعتماد على نفسها.
ليست حكايات للشفقة
هذه القصص لا تُروى طلباً للشفقة.
أصحابها ليسوا أرقاماً في قوائم الاحتياج.
وراء كل اسم حياة وذكريات وأسرة وأحلام.
إنهم مواطنون ووافدون يحاولون الصمود والبدء من جديد، ويحتاجون إلى أن تُسمع أصواتهم وأن تصل احتياجاتهم إلى الجهات القادرة على الاستجابة.
ومن هنا تأتي مسؤولية الإعلام الإنساني:
أن يقترب من الناس دون أن يستغل ضعفهم، وأن ينقل الحقيقة دون أن ينتقص من كرامتهم، وأن يجعل القصة طريقاً نحو الفهم والحل، لا مجرد مادة عابرة.
من القصة إلى الفعل
المسؤول يحتاج إلى معرفة ما يحدث على الأرض.
والمنظمة الإنسانية تحتاج إلى معرفة الاحتياجات الحقيقية.
وصاحب المبادرة يحتاج إلى أن يعرف أين يمكن أن تصل مساعدته.
وأهل الخير يحتاجون إلى نافذة موثوقة للوصول إلى من يحتاجون إليهم.
وهنا تحاول مسار ميديا أن تكون جسراً بين هذه الأطراف.
ليس دور الصحافة أن تحل محل الجهات المختصة، لكنها تستطيع أن تضع القضية أمام الرأي العام، وأن تنقل صوت من لا يملك منبراً، وأن تلفت الانتباه إلى الاحتياجات التي قد لا تظهر في الأرقام.
تنبيه مهم لحماية الأسر
حرصت مسار ميديا في إعداد هذا التحقيق على تقديم القصص الإنسانية بما يحفظ كرامة أصحابها، وتجنب نشر أي تفاصيل شخصية غير ضرورية قد تعرض الأسر أو الأطفال للاستغلال أو الوصمة أو الضرر.
كما أن أسماء بعض الحالات أو تفاصيلها يمكن التعامل معها بحذر عند الحاجة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأطفال أو الأسر شديدة الهشاشة.
الهدف من نشر هذه القصص هو لفت الانتباه إلى الاحتياج وفتح أبواب المساعدة، وليس تعريض أصحابها لمزيد من الأذى.
وتدعو الصحيفة كل من يرغب في تقديم الدعم أو الاستفسار عن الحالات الواردة في التحقيق إلى التواصل معها مباشرة، بدلاً من محاولة الوصول إلى الأسر بصورة فردية.
لمن يريد أن يمد يده.. مسار ميديا تفتح باب التواصل
هذا التحقيق لا ينتهي عند نشر الحكايات.
فمن بين هذه الأسر من يحتاج إلى غذاء، أو علاج، أو مأوى، أو مساعدة عاجلة، ومن بين أصحاب القلوب الرحيمة والمنظمات والمبادرات الإنسانية من يستطيع أن يصنع فارقاً حقيقياً في حياة هذه الأسر.
لذلك تتيح صحيفة مسار ميديا أرقامها لكل من يرغب في الاستفسار عن الحالات التي تناولها التحقيق، أو المساهمة في دعمها، على أن يتم التواصل عبر الصحيفة بما يحفظ خصوصية الأسر وكرامتها.
للتواصل مع مسار ميديا:
0912912501
0123792633
مسار ميديا لا تنقل الحكاية فقط.. بل تحاول أن تفتح لها باباً نحو الحل.
الخاتمة
من حي كادقلي بدأت الحكاية.
حكاية اللقمة التي أصبحت أمنية، والدواء الذي ينتظر، والأم التي تغسل ملابس الآخرين من أجل أطفالها، والجدة التي تحاول إطعام أربعة صغار، والأسر التي قطعت عشرات الأيام هرباً من الحرب، ثم وصلت لتواجه أسئلة الحياة من جديد.
هذه ليست قصصاً بعيدة عنا.
إنها حكايات تعيش بيننا.
وقد لا نملك جميعاً القدرة على تغيير حياة أسرة كاملة، لكننا نملك شيئاً مهماً:
أن نسمع.
أن نهتم.
أن نُعرّف الآخرين بالحاجة.
وأن نفتح الطريق أمام من يستطيع أن يساعد.
لأن الصحافة حين تقترب من الإنسان، لا ينبغي أن تكتفي بوصف الألم.
بل تسأل:
ماذا يمكن أن نفعل؟
وهنا تواصل مسار ميديا رحلتها في المجتمع، من حي إلى حي، ومن بيت إلى بيت، بحثاً عن أصوات لا تجد طريقها إلى المنابر.
خلف كل رقم.. إنسان.
وخلف كل إنسان.. حكاية.
وخلف كل حكاية.. أمل يستحق أن يجد طريقه.
مسار ميديا — نصنع الحدث ونترك الأثر لغيرنا.
The post مسار ميديا.. خلف كل رقم إنسان… من حي كادقلي بدأت الحكاية.. حين تصبح اللقمة أمنية والعلاج مؤجلاً تحقيق– مكارم حامد حميدان… first appeared on مسار ميديا.