![]()
في 30 يوليو/تموز الحالي، أعلنت الحكومة المصرية تعرّض سفينتين للغاز في ميناء دمياط لهجوم بطائرة مسيّرة، وذلك بعد يوم واحد من وقوع الهجوم.
وبينما لم تكشف القاهرة عن الجهة المنفّذة للهجوم، فانّ المشاهد المُصوّرة من الميناء، واتجاه رسو السفينتين، ومواقع الإصابات، تركت مؤشرات يُمكن تتبّعها لمعرفة مسار الهجوم.
السفن المستهدفة
بدأ التحقيق بتحديد السفينتين الظاهرتين في مشاهد الحريق وعمليات الإطفاء. ومن خلال مطابقة هيكلهما وموقعي رسوهما مع بيانات الحركة الملاحية، وجد “مسبار” أنّ السفينتين المستهدفتين هما:
1- Energos Winter:
- هي عبارة عن وحدة عائمة لتخزين الغاز وإعادة تغويزه أي تحويله من الغاز المسال إلى حالته الغازية مرة أخرى.
- تحمل السفينة رقم التسجيل IMO: 9256614؛ وترفع علم دولة جزر مارشال، وتعود ملكيتها إلى شركة “Energos Infrastructure” المدرجة في بورصة نيويورك، فيما تُديرها شركة “Whilhelmsen” النرويجية عبر فرعها في هيوستن تكساس.
- ووفقًا للبيانات الملاحية، وصلت السفينة إلى دمياط قادمة من تركيا في 30 سبتمبر/ أيلول 2025، وبدأ تشغيلها تدريجيًا منذ أكتوبر/ تشرين الأول العام الماضي بعد ربطها برصيف الشركة المتحدة لمشتقات الغاز (UGDC)؛
- وتصل طاقتها الإنتاجية إلى مئة وثمانية وثلاثين ألف ومئتين وخمسين متر مكعب من الغاز المسال، وفقًا لهيئة ميناء دمياط.
2- Gaslog Salem :
- هي ناقلة غاز مسال، تحمل رقم التسجيل IMO: 9638915؛ وترفع علم برمودا؛ وتعود ملكيتها إلى شركة “CL Gas Ten LTD” المُسجّلة في اليونان، وتُديرها وتُشغّلها شركة “Gaslog LNG Services” اليونانية.
- وبحسب بيانات “مارين ترافيك”، وصلت الناقلة إلى ميناء دمياط في 28 يوليو/ تموز الماضي، أي قبل يوم واحد فقط من الاستهداف، ورست على رصيف الغاز المسال.
ما هي المسافة بين السفينتين؟
تُظهر بيانات منصة تتبّع الحركة الملاحية مارين ترافيك، أنّ السفينتين كانتا لحظة وقوع الحادث راسيتين على رصيفين مختلفين يفصل بينهما 800 متر.
ويُضعف بُعد المسافة الفاصلة بين السفينتين وقت وقوع الحادث، رواية انتقال الحريق من سفينة إلى أُخرى، ويُعزز تصريحات وزير النقل المصري كامل الوزير عن فرضية تعرّض السفينتين لإصابتين منفصلتين بأكثر من مسيّرة.
وقال الوزير إنّ طائرة مُسيّرة انفجرت عند السلم العلوي فوق ظهر سفينة التخزين، بينما أصابت مُسيّرة أخرى أحد الأنابيب وخزانًا فرعيًا أعلى وحدة إعادة التغويز، ما أدى إلى تسرب الغاز واشتعاله.
وتتقاطع هذه الرواية مع شهادات متداولة رصد فريق “مسبار” على منصّات التواصل وتحقّق منها، بين سكان دمياط عن سماع صوت انفجارين وقت الحادث.
متى وقع الحادث؟
استنادًا إلى إلى الحركة الملاحية المكثفة لسفن القطر حول السفينتين، قدّر فريق “مسبار” وقوع الحادث عند حدود الساعة 11:07 بالتوقيت العالمي (2:00 ظهرًا بتوقيت القاهرة).
وتحرّكت أول قاطرة “Abou Zaid” وتحمل رقم تسجيل IMO: 9329007، في تمام الساعة الحادية عشر وسبع دقائق بالتوقيت العالمي، تلاها تحرّك خمس قاطرات أخرى باتجاه السفينتين.
من أين جاءت المُسيّرة؟
لم يتوقّف فريق “مسبار” عند هذه المعطيات فقط، بل حلّل المواد البصرية المتاحة من موقع الحادث لتقدير اتجاه الاستهداف، ليتبيّن في مقطع فيديو نشرته رويترز تصاعد الدخان من الثلث الأخير من مؤخرة سفينة “Energos Winter” من جهة يمينها.
وفي مقطع فيديو آخر نشره أحد المستخدمين عبر تيك توك، يُظهر السفينتين بُعيد الاستهداف وهما راسيتان كل في الموقع الذي سبق أن حدّده “مسبار”.
لكن معرفة “يمين السفينة” لا تكفي وحدها لتحديد الاتجاه الجغرافي، فقارن فريق “مسبار” المشاهد بوضعية رسو السفينة الظاهرة في البيانات الملاحية وصور الأقمار الصناعية، حيث أظهرت بيانات رسو “Energos Winter” وصور الأقمار الصناعية أنّ مقدمتها كانت متّجهة نحو الشمال. وبناء على هذه الوضعية، يقع الجانب الأيسر للسفينة جهة الغرب، بينما يقع جانبها الأيمن جهة الشرق.
وبما أنّ موضع الإصابة والدخان ظهر في الجانب الأيمن، خلص تحليل مسبار إلى أنّ الضربة جاءت من جهة الشرق، استنادًا إلى المعطيات التالية:
أولًا: موضع الإصابة الظاهر في المشاهد المصوّرة؛
ثانيًا: اتجاه رسو السفينة ومقدّمتها نحو الشمال؛
ثالثًا: موقع الرصيف داخل كيناء دمياط وعلاقته بالمجال المحيط؛
لماذا الشرق لا الجنوب؟
يُعزّز الموقع الجغرافي لميناء دمياط هذه النتيجة، إذ يُستبعد التحليل مسار الإطلاق من جهة الجنوب لأنّه يفرض على المسيّرة مناورة واسعة قبل بلوغ الهدف من الجانب الأيمن.
هل أُطلقت من البحر؟
ففي يوليو العام الماضي، كشفت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية عن عملية نفّذتها قواتها في الحادي عشر من سبتمبر 2024، أطلقت خلالها طائرات صغيرة مُوجّهة “FPV”، من قوارب في البحر الأسود، لاستهداف مواقع نيران روسية فوق منصة “بترو هودوفانتس” لإنتاج الغاز قبالة شبه جزيرة القرم.
ويُظهر هذا الأسلوب إمكان نقل منصّة إطلاق المسيرات إلى جوار الهدف، بما يُقلّص زمن الإنذار ويُلغي الحاجة إلى مدى طيران طويل.
غير أنّ الغموض الذي يُحيط بحادث دمياط لا يحسم هذا الترجيح، لكنّه يبقيه احتمالًا قائمًا على المستوى الفني والعملياتي.
من أرسل المسيّرة؟
في حين لم تُحدّد أي جهة معنية موقع انطلاق المُسيّرة، بما في ذلك السلطات المصرية، اتجهت أصابع الاتهام إلى إيران أو أحد حلفائها في المنطقة.
وفي أول موقف رسمي من طهران، نفى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ضمنيًا ضلوع بلاده في الهجوم، وقال في منشور عبر حسابه على منصة “إكس” إن مصر “صديق وشريك مهم في المنطقة”، وإنّ أمنها يحظى بأهمية قصوى لدى إيران، داعيًا إلى الحذر مما وصفه بالمخططات الإسرائيلية و”عمليات الراية الزائفة” الهادفة إلى تقويض السلام الإقليمي.
ولم يكن هذا الاتهام الإيراني لإسرائيل بالتورّط المحتمل في الهجوم على ميناء دمياط، الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي، إذ سبق أن نفت الخارجية الإيرانية، في مارس/ آذار ويونيو/ حزيران الماضيين، وقوف طهران وراء بعض العمليات في المنطقة، متهمة إسرائيل بالوقوف وراء هجمات بمسيّرات على مواقع عدة خاصة في السعودية وعُمان.
كما نفت جماعة “أنصار الله الحوثي” مسؤوليتها عن الهجوم، على لسان عضو مكتبها السياسي محمد البخيتي.
وبحسب بيانات مارين ترافيك، ما زالت الناقلتين متوقفتين قبالة سواحل دمياط، بينما لا تزال الأسئلة تحوم فوقهما: من هي الجهة التي استهدفتهما ؟ وما تبعات ذلك على المنطقة برمتها؟
