مستقبل البلاد.. خارطة طريق (10)

مستقبل البلاد.. خارطة طريق (10)

Loading

مستقبل البلاد.. خارطة طريق (10) كتب – علي عبد الكريم

أصبح مألوفًا أن تطرح بين حين وآخر دعوة للحوار، وكأننا أمة كُتب عليها الحوار جيلًا بعد جيل..! وإن كانت الدعوة أتت هذه المرة والعدوان ما زال مستمرًا، فالأغرب أن تشمل ضمانات لمشاركة البعض..؟!

ما تعرّضت له البلاد تحتم التمسُّك برؤية المفكر القائد البريطاني تشرشل، إذ قال، من يعيش خارج الوطن لا يحق له انتقاد الحكومة.. وقياساً على ذلك، فمن يُعادي البلاد في الخارج لا يحق له المشاركة في حوار تطرحه الحكومة.. حتى من وقف على الحياد من هذا العدوان لا يحق له المشاركة السياسية على الأقل في الوقت الراهن، ناهيك أن تعطي له ضمانات..!

عَلَى كُـلٍّ، يتّفق علماء السياسة على أنه لا يمكن أن تمارس الحياة السياسية إلا في وضع استقرار تام.. لا يختلف حول ذلك حتى الإنسان العادي.. الاستقرار هو أساس ممارسة الحياة السياسية، وغير السياسية.
البلاد ما زالت في حالة حرب.. ومازال الناس يحصرون في خسائرهم، ومازال الناس يلهثون وراء تعويض ما نهبه المجرمون، وإصلاح ما خرّبه المعتدون.
الناس يتوقّعون مبادرات لحصر هذه الخسائر وتعويضها، وينتظرون ملاحقة المجرمين بكل أصنافهم سواء مُرتكبي الجرائم ومُحرِّضيهم ومُشجِّعيهم ومَن يُبرِّر لهم.

الناس يتوقّعون وينتظرون إصلاح البنيات الأساسية التحتية لتعود الحياة إلى طبيعتها وأفضل.. صحيحٌ الحياة عادت للخرطوم بنسبة معقولة وفي زمن معقول قياساً بحجم الخراب واتساع المؤامرة.. وهنا يجب أن نذكر لجنة الفريق جابر.. ففي عام واحد عاد كثير من أساسات الحياة للخرطوم، وإذا كان هناك من قيمة لذلك فهو وضع أساس للإسراع بإصلاح ما خُرِّب وتشييد ما دُمِّـر.

لا أعتقد أن ما يهم غالبية الجمهور الآن هو حوار السياسيين.. البلاد لم تصل مرحلة التعافي.. والحرب ما زالت مشتعلة، والعدوان مستمر ودعمه الخارجي متواصل.. أي حوار وضمانات، وبعض سياسيي الخارج والغُـون في هذا العدوان.. أي حوار ودماء القوات المسلحة ومسانديها مازالت تسيل.. يجب أن يكون التركيز على إيقاف العدوان ويعم الأمن والأمان ويسود الاستقرار في كل أنحاء البلاد، ويُعاد بناء ما خُرّبت من مؤسسات ويتم إصلاح ما دُمِّر من بنيات.. وتعويض المواطنين عما فقدوه وخسروه.
البلاد الآن لا تحتاج إلى حوار، بل إلى سلطة تستند إلى قوة قادرة على إدارة الموارد، وقادرة على حفظ الأمن والاستقرار في كل الولايات، قادرة على أن تخلق انسجامًا اجتماعيًا، واحتواء اضطرابات آثار الجرائم التي ارتكبتها الميليشيا وداعموها.. ولا أعتقد أن ذلك يأتي بدعوة من يتجوّلون في الخارج لدعم الميليشيا.. وأكثر من ذلك يطعنون في القوات المسلحة ويجتهدون في إضعافها.

نقول إذا كان قدرنا إنه كُتب علينا الحوار فليكن حوارًا استقصائيًا لا حوارًا سياسيًا.. فالحوارات السياسية جُرِّبت مراراً وتكراراً، ونحن لا نحتاج إلى المزيد.. فهناك موروثٌ من توصيات لمؤتمرات حوار تشمل كل ما قيل وسيقال، وأيضاً ما قد يخطر على البال..
ما نحتاجه فعلاً هو نوعٌ جديدٌ من الحوار وهو من أنواع الحوارات الاستقصائية لمعالجة القضية المبهمة المعقدة رغم سهولتها وهي كيف تحكم بلادنا، وكيف تستقر، وكيف تنهض.

بعد نهاية العدوان وتحقيق الاستقرار، فليُعقد مؤتمر لا للحوار حول المشاركة في الحكم، بل النظر في هيكلة البلاد وتصحيح مسارها بوضع أسس نظام فيدرالي كامل والتخلص من مركزية الخرطوم تمامًا.. هذا ما نحتاجه وبشدة، دون ذلك حرثٌ في البحر. إما حوارٌ استقصائيٌّ، وإلا يكون كُتب عليكم الحوار وهو شر لكم..!! والعياذ بالله.
حفظ الله البلاد وألهَـم أهلها الرشَـاد..