مشروع فارس النور في صناعة العدو !

مشروع فارس النور في صناعة العدو !

Loading

بقلم/ حسان الناصر 

تكمن المعضلة الأساسية في الطروحات التي يقدمها فارس النور بشأن إنهاء الحرب السودانية في أنها تتعامل مع الأزمة، في جوهرها، بوصفها خلافاً بين مراكز قوة يمكن التوفيق بينها عبر صيغة سياسية مناسبة، وتتجاوز السؤال الأكثر حساسية، ما الذي يحدث للدولة حين تتحول القوة المسلحة إلى أساس للمطالبة بالسلطة، وحين تصبح التسوية السياسية وسيلة لإعادة توزيع السيادة بين أطراف خاضت الحرب على مستقبل البلاد ومؤسساتها؟ الحرب السودانية، في أحد أبعادها المركزية، أزمة عميقة تتصل بوحدة القرار العسكري، واحتكار الدولة للسلاح، وحدود العلاقة بين القوة المنظمة قانونياً والطموح السياسي الذي يستند إلى تشكيلات عسكرية موازية.

 

تستحق مقالات فارس النور قراءة تتجاوز ظاهر الدعوة إلى السلام من هذا المنطلق، المشكلة متجاوزة لقضية البحث عن تسوية سياسية، أو حتى في الاعتراف بأن إنهاء الحرب يتطلب تنازلات متبادلة، تكمن القضية من وجهة نظري في طبيعة التنازلات المطلوبة، والأطراف التي ستقدمها، والمؤسسات التي ستتحمل نتائجها.

هناك فرق جوهري بين تسوية تعيد بناء الدولة على أساس القانون والمؤسسات، وتسوية تمنح القوى المسلحة المتحاربة امتيازات سياسية مقابل وقف القتال. الأولى تجعل إنهاء الحرب مدخلاً لاستعادة السيادة العامة، والثانية قد تحول نتائج الحرب إلى قواعد جديدة للحكم، فتغدو القوة العسكرية طريقاً إلى الشرعية السياسية، وتصبح الدولة طرفاً في مساومة على سلطتها بدلاً من أن تكون الإطار الذي يحتكم إليه الجميع.

يظهر هذا الإشكال بوضوح في مقال «هلاويس زرقاء اليمامة: السيناريو البعيد… القريب»، حين يطرح احتمال أن تتوصل القوات المسلحة وقوات الدعم السريع إلى تفاهم مباشر، انطلاقاً من تقاطع مصالحهما في منع طرف مدني ثالث من جني المكاسب السياسية.

يختصر فارس هذه الفكرة في سؤاله: «لماذا نهزم بعضنا أصلاً، إذا كان المنتصر في النهاية قد يكون طرفاً ثالثاً؟». تبدو العبارة، للوهلة الأولى، مدخلاً واقعياً إلى التفكير في حسابات الأطراف المتحاربة، لكنها تكشف، عند إخضاعها للتحليل، عن تحول في ترتيب الأولويات؛ إذ ينتقل مركز الاهتمام من طبيعة الحرب ومآلاتها على الدولة والمجتمع إلى احتمال أن يخرج طرف مدني بمكاسب سياسية من نهايتها.

يصبح السؤال هل يكفي الخوف من صعود منافس سياسي لتأسيس مصلحة مشتركة بين طرفين يخوضان حرباً على السلطة والسلاح والموارد؟ وهل يمكن أن يتقدم هاجس إبعاد القوى المدنية على الخلافات المتعلقة بقيادة المؤسسة العسكرية، وسلسلة الأوامر، والموارد الاقتصادية، والترتيبات الأمنية، ومصير التشكيلات المسلحة؟ إن تقاطع المصالح في مواجهة خصم محتمل قد يفتح باباً للتفاوض، لكنه لا يصنع وحده أساساً مستقراً للسلام. المصالح التي تجمع طرفين في لحظة معينة قد تتراجع بمجرد تغير ميزان القوة أو اختلافهما حول توزيع المكاسب، ولا سيما عندما تكون أدوات الإكراه العسكري والاقتصادي خارج إطار مؤسسات الدولة الموحدة.

تتطلب قراءة هذا الاحتمال التمييز بين التفاوض بوصفه وسيلة لإنهاء الحرب، والتفاهم السياسي الذي قد ينشأ بين القيادات المتحاربة لحماية مواقعها في مرحلة ما بعد الحرب. التفاوض ضرورة عملية حين تتعذر الحسم العسكري أو ترتفع كلفته، أما تحويله إلى صفقة تستهدف تحييد المنافسين المدنيين فيحمل مخاطر مختلفة. في الحالة الأولى، تكون الغاية الوصول إلى وقف مستدام للقتال، وحماية المدنيين، واستعادة مؤسسات الدولة، وتحديد مسار واضح لتوحيد القوات المسلحة. في الثانية، يصبح السؤال عن هوية من سيحكم بعد الحرب أهم من السؤال عن الشروط التي تمنع تكرارها.

تزداد أهمية هذا التمييز عند النظر إلى طبيعة الدولة السودانية وموقع القوات المسلحة فيها. القوات المسلحة، باعتبارها المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، تقع في قلب أي مشروع جاد لاستعادة وحدة القرار الأمني والعسكري. ولا أقصد بذلك إعفاء مؤسسات الدولة من المراجعة أو المساءلة، أو منح أي قيادة حصانة سياسية دائمة، حيث إصلاح المؤسسة الرسمية يختلف من حيث المبدأ والنتيجة عن إضفاء شرعية سياسية دائمة على تعدد الجيوش.

الغاية من أي عملية انتقالية قابلة للاستمرار هي إخضاع القوة المسلحة لسلطة الدولة والقانون، لا بناء توازن دائم بين تشكيلات عسكرية تحتفظ كل منها بمصالحها وشبكاتها ومصادر تمويلها.

من الصعوبة التعامل مع العلاقة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع كما لو كانت منافسة بين حزبين سياسيين يمكن حلها عبر توزيع الحقائب والمقاعد. المسألة تتصل بطبيعة النظام الأمني، بالجهة التي تملك القرار النهائي بشأن استخدام القوة، وبكيفية إدارة الموارد العسكرية والاقتصادية.

أي صيغة سياسية تتجاوز هذه المسائل أو تؤجلها إلى أجل غير محدد تترك أسباب الصراع قائمة داخل مؤسسات الحكم نفسها. وقد تتوقف المواجهات المباشرة لبعض الوقت، غير أن التنافس على القيادة والموارد والقرار السيادي يظل قادراً على إنتاج أزمة جديدة.

حتى لا يختلط على القارئ ما أعنيه هنا أن التفاوض المباشر بين القيادات العسكرية قد يحدث وقد يكون غير مفيد أحيانا وليس دائما . فقد تقتضي الضرورة فتح قنوات اتصال لتبادل الأسرى، أو حماية المدنيين، أو التوصل إلى ترتيبات إنسانية، أو الاتفاق على خطوات عملية لوقف إطلاق النار.

و للتوضيح أكثر فإن وجود قناة تفاوضية لا يساوي وجود اتفاق سياسي شامل، كما أن الحديث عن اتصالات أو تفاهمات لا يثبت وحده قيام تحالف مستقر. لذلك، إن الإشارة إلى اتصالات جدة أو إلى إمكان نشوء تفاهمات بين الطرفين ينبغي أن تبقى مرتبطة بما هو معلوم ومعلن، مع التمييز بين التواصل الضروري لإدارة الحرب وبين صفقة سياسية تعيد تحديد شكل الدولة بعد انتهائها.

المشكلة في أطروحة «العدو الثالث» أنها تنقل النقاش من سؤال بناء الدولة إلى سؤال توزيع الخسائر والمكاسب بين النخب. القوى المدنية ليست كتلة واحدة، كما أن مواقفها من الحرب والتفاوض وترتيبات الانتقال تختلف من تنظيم إلى آخر. ولا يصح اختزالها في منافس يسعى إلى وراثة السلطة، تماماً كما لا يصح افتراض أن كل من يرفع شعار المدنيين يمثل بالضرورة مشروعاً ديمقراطياً متماسكاً.

اختلاف القوى المدنية أو ضعف بعضها لا يمنح القيادات المسلحة حق تقرير مستقبل البلاد بصورة مغلقة. الشرعية السياسية لا تنشأ من القدرة على إقصاء المنافسين، فهي تقوم على وجود قواعد عامة للمشاركة والمحاسبة، ومنع احتكار السلطة بواسطة السلاح.

وتتضح خطورة هذا المنطق حين يُستدعى اتفاق السلام الشامل، المعروف باتفاق نيفاشا، بوصفه سابقة يمكن استلهامها لتصميم تسوية جديدة. فقد أسهم الاتفاق في إنهاء الحرب بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، ووضع إطاراً سياسياً ودستورياً للمرحلة التي سبقته، وصولاً إلى استفتاء تقرير المصير.

التجربة كشفت أيضاً عن حدود الاتفاقات التي تركز على الأطراف المسلحة الرئيسية، وتبني مؤسسات الانتقال على تقاسم السلطة والثروة بينها، بينما تظل قطاعات واسعة من المجتمع والقضايا المتعلقة بإعادة بناء الدولة خارج مركز العملية السياسية.

إنهاء حرب بين طرفين لا يضمن تلقائياً بناء دولة مستقرة، وأن الترتيبات التي تمنح القيادات المتحاربة حصة مضمونة في السلطة قد تنجح في وقف القتال، من دون أن تعالج بصورة كافية أسباب العنف أو تمنع نشوء نزاعات جديدة.

إن الاستفادة من نيفاشا ينبغي أن تتجه إلى دراسة ما أنجزه الاتفاق وما عجز عن إنجازه، فنحن في غنى عن استنساخ صورته التفاوضية. السودان يحتاج إلى معالجة متزامنة لمسائل وقف الحرب، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وإصلاح أجهزة الدولة، وترتيبات الحكم الانتقالي، والعدالة، والتنمية، وإعادة الإعمار. وأي اتفاق يمنح الأطراف المسلحة امتيازات سياسية ثابتة مقابل التزامات مستقبلية غير محددة قد يعيد إنتاج المشكلة في صيغة جديدة. أما الاتفاق الذي يحدد خطوات قابلة للقياس، وجداول زمنية، وآليات تحقق مستقلة، فيمكن أن يحول التسوية من وعد سياسي إلى عملية مؤسسية قابلة للمحاسبة.

تدخل قضية القوات المشتركة للحركات المسلحة في دارفور ضمن هذا النقاش، لأن أي ترتيب أمني جديد لا يتوقف عند القوات المسلحة والدعم السريع وحدهما. فقد نشأت تشكيلات متعددة في سياقات الحرب واتفاقات السلام، ولكل منها قيادة ومصالح وحسابات سياسية وأمنية.

إن وضع تصور واقعي لإنهاء الحرب يتطلب النظر في كيفية دمج هذه التشكيلات أو تسريحها أو إعادة تنظيمها ضمن إطار قانوني موحد، مع مراعاة اختلاف أوضاعها ومهامها. أما توزيع المناصب أو الحصص السياسية بحسب حجم القوة المسلحة، فينطوي على خطر تحويل السلاح إلى معيار دائم للتمثيل، وهو ما يضعف فرص بناء نظام سياسي يستند إلى المواطنة والمؤسسات.

المسألة متعدية لقضية الترتيبات العسكرية، الدعم السريع والحركات المسلحة ارتبطت، بدرجات مختلفة، بشبكات اقتصادية واجتماعية ومحلية، كما تأثرت علاقاتها بمراكز التمويل والتجارة والموارد. لذلك، فإن اتفاقاً يكتفي بتحديد مواقع القيادات في الحكومة المقبلة، من دون معالجة الموارد التي تتيح استمرار الاستقلال العسكري والاقتصادي، سيظل اتفاقاً هشاً. الدمج العسكري يحتاج إلى ميزانية واضحة، وسلسلة قيادة موحدة، ومعايير مهنية، ونظام للرتب والترقيات، وإشراف مدني قانوني على الإنفاق، وآليات لمعالجة أوضاع المقاتلين السابقين. كما يتطلب معالجة اقتصاد الحرب الذي يجعل استمرار النزاع مربحاً لبعض الشبكات، ويحمّل المجتمع كلفته الإنسانية والاقتصادية.

يصبح السؤال المتعلق بالضمانات السياسية للقيادات المتحاربة بالغ الحساسية. فمن الممكن أن يحتاج التفاوض إلى ترتيبات تحمي المشاركين من الانتقام خارج القانون، وتضمن حقوقهم القانونية والإجرائية، وتفتح المجال أمام تسليم السلاح والعودة إلى الحياة المدنية. هذه الضمانات تختلف عن منح حصانة شاملة من المساءلة، أو تخصيص مناصب سيادية، أو تثبيت نفوذ سياسي مقابل إنهاء القتال. فالضمان القانوني يحمي الحقوق ضمن قواعد عامة، أما الامتياز السياسي فيعيد توزيع السلطة على أساس القوة التي امتلكها الطرف خلال الحرب.

تزداد صعوبة هذه المسألة في ظل حجم الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون، والتدمير الذي أصاب المدن والبنية التحتية، والنزوح الواسع، والاتهامات المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة. لا يمكن أن تتحول العدالة إلى أداة انتقام سياسي، كما لا يمكن تأجيلها إلى أجل مفتوح تحت عنوان الواقعية. فالتسوية المستقرة تحتاج إلى مسار قانوني يميز بين المسؤوليات الفردية والجماعية، ويستند إلى الأدلة والإجراءات القضائية، ويضمن حقوق الضحايا، ويحدد العلاقة بين العدالة الجنائية وجبر الضرر والمصالحة المحلية. وأي مشروع يتعامل مع العدالة باعتبارها بنداً ثانوياً يمكن تركه للمرحلة التالية يضعف ثقة المتضررين في العملية السياسية، ويمنح القوى المسلحة حافزاً للاحتفاظ بأدواتها تحسباً لما قد يأتي.

من الضروري الفصل بين مسؤولية القيادة عن قراراتها وبين مصير المقاتلين الذين يمكن أن يشملهم برنامج جاد لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. فالمقاتل الذي يترك السلاح يحتاج إلى ضمانات اقتصادية واجتماعية ومهنية، وإلى مسار واقعي للعودة إلى المجتمع. أما القيادات التي تتحمل مسؤوليات سياسية أو عسكرية عن الانتهاكات، فتخضع للمساءلة وفق القانون والأدلة. الخلط بين المسارين قد يجعل العدالة رهينة التفاوض، كما قد يجعل إعادة الإدماج مستحيلة إذا عومل كل من حمل السلاح بالطريقة ذاتها. والتمييز القانوني والمؤسسي بينهما شرط لبناء سلام يتجا

وز التفاهمات المؤقتة.