“مشروع 001” الإسرائيلي.. كيف تتحوّل خبرات الاستخبارات إلى تجارة وتنمية بشرية؟

"مشروع 001" الإسرائيلي.. كيف تتحوّل خبرات الاستخبارات إلى تجارة وتنمية بشرية؟

Loading

كيف تصبح خبرة تجنيد العملاء دورةً في التواصل مع الآخرين؟ يتتبع أحمد العاروري مشروع “001” الإسرائيلي، حيث تعبر أدوات الاستخبارات إلى التجارة والتنمية البشرية، محمّلة بسياقات نشأتها الأمنية والاستعمارية.

تجاوزت المعرفة المتكوّنة في دوائر الاستخبارات دورها الأساسي في تمكين أجهزة الأمن من مراقبة المجتمعات، وملاحقة المعارضين أو الجهات المصنّفة بوصفها “تخريبية”، أو منع التجسس، لتصبح متاحة للاستخدام المزدوج في أغراض تجارية واقتصادية. وهذه الحالة من تحويل خبرات مراقبة الناس إلى مواد قابلة للبيع في الأسواق والتبادل بين الشركات، من سمات عصر الانكشاف المعلوماتي الكبير، بفعل تطوّر الأدوات التكنولوجية وانفتاح الإنسان على التعريف المستمر بذاته وتحديث معلوماته، حتى الخاصة منها، على مواقع التواصل الاجتماعي.

ناقشت مقالات وأدبيات استخدام المفاهيم الاستخباراتية في خدمة القطاع الخاص والشركات. وتسعى هذه المقالة إلى فحص حالة إسرائيلية اندمجت فيها المعرفة الأمنية والاستخباراتية بالاستثمار التجاري، وبالاستعداد للمشاركة مع الأجهزة الحكومية في تطوير قدرات كوادر وفاعلين مستقبليين.


جيش واستخبارات في خدمة التجارة


تشير أدبيات ودراسات استخدام أدوات الاستخبارات في مجال الشركات إلى الفوائد والفرص المتحققة من هذا الدمج، إذ يتلقى المتدرّبون في مؤسسات وهيئات الاستشارات المعنية بهذه المجالات معارف حول تقييم المخاطر، ودراسة السوق، والمستهدفين من رواد الأعمال والزبائن، وغيرها من القضايا المهمة في تحديد الاهتمامات والخطط الاستثمارية.[1]

وفي الحالة الإسرائيلية، يتداخل القطاع الأمني والعسكري مع مجالات الاستثمار والاقتصاد، خاصة في مجالات التقانة، أو “الهاي تيك“، إذ ينضم ضباط ومسرّحون من وحدات تُعدّ “نخبوية”، مثل 8200 التابعة لجهاز الاستخبارات العسكرية، وأقسام أخرى في أجهزة الأمن الإسرائيلية، إلى شركات تقنية، مستفيدين من خبراتهم في مجالات التكنولوجيا والتجسس والسايبر.

وتتقاطع قطاعات التصنيع العسكري مع شركات أخرى في المجالات ذاتها، على مستوى تبادل الخبرات والاستثمار، لتصبح الحرب والعسكرة مكوّنًا أساسيًا في عجلة الاقتصاد الإسرائيلي وعلاقاته بالشركات في العالم، خاصة في الولايات المتحدة ودول أوروبية. وتتناول دراسة عن رأس المال العسكري في صناعة التقانة الإسرائيلية جانبًا من هذا التشابك.

يقدّم مشروع “001” الإسرائيلي حالة نموذجية للاستخدامات المعاصرة للخبرات والأدوات الاستخباراتية المتكوّنة أساسًا من مراقبة المجتمعات والتجسس عليها وتحليل أفرادها، بهدف تنفيذ عمليات أمنية وعسكرية ضدها. وفي الحالة الإسرائيلية، لا تفارق هذه الخبرات طبيعتها الاستعمارية، إذ يشكّل تطوير منظومات مراقبة الفلسطينيين ورصدهم جانبًا أساسيًا من المجهود الأمني، لأهداف عدوانية وقمعية تحافظ على مصالح مشروع السيطرة الاستعماري الإسرائيلي وديمومته.


فلسطينيتان تقتربان من حاجز للعبور إلى شارع الشهداء الخاضع للسيطرة الإسرائيلية في الخليل، 13 يناير/كانون الثاني 2020 – غيتي

ما هو مشروع “001”؟


“نعدّ الجيل القادم من العاملين في الاستخبارات في القطاعات الأمنية والتجارية والخاصة”.

تواجهك هذه العبارة على الموقع الإلكتروني لمشروع 001،[2] وكأنها تقديم دعائي وتبشيري بطموحات القائمين عليه للانخراط بصورة واسعة في تدريب عناصر الأمن الإسرائيلي القادمين، وتقديم المعارف للشركات والمشاريع التجارية.

يعرّف المشروع نفسه أيضًا بوصفه “مدرسة في مهن الاستخبارات“. وقد انطلق في عام 2019، بهدف “نمذجة أدوات من عالم الاستخبارات البشرية وتكييفها مع الحياة اليومية لتمكين أي شخص عادي من الاستفادة من هذه النماذج لتحسين التواصل مع الآخرين“، كما يقول. وبحسب أرقامه المنشورة وقت المراجعة، تخرّج فيه أكثر من 5400 متدرّب عبر 79 دورة، وقدّم تدريبات إلى 24 جهة على الأقل من الشركات والمنظمات والمؤسسات الحكومية؛ وهي أرقام يعلنها المشروع عن نفسه.

يضم المشروع ضباطًا ومسؤولين سابقين في أجهزة الاستخبارات والأمن الإسرائيلية، يوظّفون خبراتهم لتقديمها للملتحقين بمسارات متعددة. أولها مسار “تسومت”، المتخصص بالاستخبارات البشرية، والثاني يدرّب الطلاب على ما يُسمّى “الاستخبارات التجارية“، بما فيها اكتساب خبرات في “استخبارات المصادر المفتوحة” عبر متابعة المعلومات في المواقع والصفحات المتاحة على الإنترنت. أما مسار “حزون يوآف”، فيعلّم اللغة العربية واللهجات المحلية المستخدمة في فلسطين وبلاد الشام، والعادات الاجتماعية وغيرها.

زوار من سنغافورة يتلقّون معلومات في جناح شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية خلال مؤتمر “سايبرتك” في تل أبيب، 26 يناير 2016 – غيتي

ومن خلال البحث في المواقع المرتبطة بالمشروع، تظهر أسماء شخصيات مشاركة فيه أو منخرطة في تقديم تدريبات للملتحقين به، بينهم متان ويلر، الذي يُقدَّم بوصفه شريكًا في “001”[3]، وعاميت مائير، الذي تظهر صلته بالمشروع وبشركة “بليندسبوت” في صفحته المهنية[3]،. ومنهم باروخ غولدمان وباراك يعقوبس: الأول ضابط سابق في وحدة “اليمام” الخاصة التابعة للشرطة الإسرائيلية، وفي جهاز “الشاباك”، وباحث مشارك في المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب بجامعة رايخمان؛ والثاني ضابط احتياط خدم 20 سنة في الاستخبارات البشرية، ويحمل شهادات من الجامعة العبرية وجامعة حيفا في الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية والعلوم السياسية، ويتحدث العربية[5].

وأطلق “001” برنامج بودكاست قدّمت عددًا من حلقاته مور شابيرا، وهي محاضرة في قسم اللغة العربية بجامعة بار إيلان الإسرائيلية. ويقول ملف تعريفي نشرته الجامعة في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 إنها تتحدث 10 لغات بينها العربية[6]، وإنها شاركت، في بداية الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، في تشكيل فريق تولّى مهمات مع الجيش الإسرائيلي، بينها التنصّت باستخدام “استخبارات الإشارة“، وتحليل المعلومات بناءً على معرفة باللهجات[7].

وعملت شابيرا في معهد أبحاث إعلام الشرق الأوسط “ميمري“[8]. وشاركت مع جهات حكومية إسرائيلية في رصد ومتابعة الصحافة ووسائل إعلامية عربية، ورفع تقارير فيها إلى رئيس الحكومة، بهدف التضييق عليها وإغلاقها. وتكتب مقالات في مواقع مثل “زمن إسرائيل“، بوصفها باحثة في الشؤون العربية والفلسطينية. وفي مقال نشرته في 13 سبتمبر/أيلول 2026، حرّضت على النشطاء المؤيدين لفلسطين في لندن، تحت زعم أن العاصمة البريطانية تحوّلت إلى معقل لجماعة الإخوان المسلمين.[9]

مور شابيرا، المحاضرة في قسم اللغة العربية بجامعة بار إيلان، في صورة مرفقة بملف الجامعة المنشور في 14 نوفمبر 2023

ضابط استخبارات تجارية؟ عن سيولة الحدود بين الأمن والمجتمع


يعرض موقع “001” شعارات عدد من الجهات التي يقدّمها ضمن شركائه، أبرزها الجيش الإسرائيلي ووزارة الأمن، وشركات متخصصة في الاستشارات والتدريب والسايبر، بينها شركة “بليندسبوت” (BLINDSPOT).

تقدّم الشركة أعمالها تحت شعار “لا شيء يفلت من نظرنا“، في اختصار يحاول الاقتراب من البلاغة في الحديث عن اختصاصها بالاستخبارات التجارية والاستراتيجية. وتعرّف فريقها بأنه مجموعة من الخبراء الذين عملوا سابقًا في أجهزة الأمن والاستخبارات والسايبر. وتقدّم خدمات لزبائنها تستند إلى منهج استخباراتي “منظّم”، وفق وصفها، يجمع بين التحليل المتعمّق والقدرات العملياتية، وفحص كل معلومة ومقارنتها بمعلومات مستمدة من مصادر مستقلة متعددة. كما تقول إنها تكشف وتحلّل الدوافع والقوى العاملة خلف الكواليس في كل تحرّك تجاري[10].

تؤكد اللغة المستخدمة في البيانات الدعائية للشركة النهج النظري الذي يقارب علاقة المجتمعات القائمة على الحروب، خاصة في العصور الحديثة، بذوبان الحياة المدنية في الجيش. فنهج العسكرة، القائم في جزء منه على تعريف دائم للآخرين بوصفهم أعداء، ينتقل إلى المجالات التجارية المستفيدة من خبرات تشكّلت في الأمن والتجسس، وتقترب الاصطلاحات التجارية والدعائية من إغراءات اللغة العسكرية والأمنية[11].

ويتبيّن من فحص السير المهنية وجود تقاطع بين العاملين والمشاركين في مشروع “001” والعاملين في “بليندسبوت“، ومنهم عاميت مائير. وهو ما يشير إلى الترابط بين المجالات الاستخباراتية والأمنية والتجارية، مع توجّه ضباط سابقين إلى تثمير معارفهم وخبراتهم في مراكمة ثروة، وفتح طريق خاص في الأسواق.

وفي عام 2024، اندمج نشاط “001” مع شركة الاستشارات BDO في إسرائيل، بحسب رواية المشروع على موقعه[12]، وهو ما منحه موارد إضافية لدعم مبادرته.

ويظهر في إعلان لأكاديمية BDO برنامج لتأهيل ما تسمّيهم “ضباط الاستخبارات التجارية ومصادر المعلومات المفتوحة“، بالشراكة مع مشروع “001″ ومدرسة الدراسات المستمرة في معهد التخنيون في حيفا. ويقول الإعلان إن البرنامج يزوّد المتدرّبين بمهارات المنافسة التجارية وتحليل الأسواق، عبر جمع المعلومات عن المنافسين والمجالات المستهدفة وتحليلها، ويروّج لإمكانات رواتب تتراوح بين 15000 و30000 شيكل شهريًا، من دون أن يكون ذلك ضمانًا للتوظيف أو لدخل محدّد.[13].

ويستهدف البرنامج العاملين السابقين في أجهزة الأمن والاستخبارات الراغبين في تحويل خبراتهم إلى مسار مهني مربح، وأصحاب الخلفيات التجارية والتحليلية، بمن فيهم العاملون في تطوير الأعمال ومديرو التسويق والمتخصصون في أنظمة المعلومات. ويشير الإعلان إلى إمكان قبول من لا يملكون هذه الخلفيات، بصورة استثنائية وبعد موافقة لجنة قبول.

وتستخدم الشركة في الترويج للبرنامج لغة مشابهة لاصطلاحات الأمن والجيش:

“بعد تلقي المهمة يبدأ المتخصص عمله: يبحث عن المعلومات المطلوبة بوسائل قانونية، ثم تُستخدم أساسًا لاتخاذ خطوات استراتيجية داخل المؤسسة (…) وكما أن القائد العسكري لا يخوض معركة دون معلومات استخباراتية مسبقة، فإن المدير العام لا ينبغي أن ينفّذ خطوة استراتيجية دون الاستعانة بمتخصص في الاستخبارات التجارية”.

ونلحظ، مع هذا التتبّع لشراكات المشروع والامتدادات منه وإليه، دورة متكاملة من العلاقة بين أجهزة الاستخبارات والجيش والقوى الصناعية والتجارية في المجتمع الإسرائيلي. وتبدأ من بنية تتيح هذه التشاركية، في مجتمع تصف دراسات جانبًا منه بأنه قائم على العسكرة وخوض الحروب[14]. وتتداخل الخدمة العسكرية أيضًا مع الطبقة والوضع الاقتصادي؛ فالمهارات والتعليم وشبكات العلاقات تؤثر في فرص الالتحاق بالوحدات النخبوية، وتتحوّل الخبرات والعلاقات المكتسبة في الخدمة، بعد التسريح، إلى موارد يمكن حملها إلى الشركات أو توظيفها في تأسيس عمل خاص. وهكذا تبدأ دورة تثمير المعارف في القطاعين التجاري والتكنولوجي[15].


من تجنيد العملاء إلى التنمية البشرية


“عندما يسألني أحدهم: ما هو مجال تخصصي؟ فإن إجابتي: (التحدث مع الناس) هي برأيي الأكثر تعبيرًا عن خبرتي”.

يستخدم باراك يعقوبس، أحد المشاركين في “001″ ومشاريع مشابهة له، خبرته المكتسبة من عمله 20 سنة في أقسام المصادر البشرية وتجنيد العملاء وغيرها من المهمات الاستخباراتية الإسرائيلية، في صيغة أقرب إلى أدبيات “التنمية البشرية” الشائعة بين فئات من المجتمعات، وينزع عن خبراته سياقًا أصليًا نمت فيه، هو مراقبة شعب آخر.

هذا ما يقوله “001” بوضوح في تقديمه لكتاب “بروتوكول مايا” (פרוטוקול מאי״ה). ويتلقى القارئ فيه تدريبات عملية، كما يدّعي التعريف، مستقاة من 6 سنوات من البحث في مجالات تجنيد العملاء وتشغيلهم، بهدف التواصل مع المجتمع بطريقة أكثر “احترافية وفعالية وذكاء“، وفق تعبيره[16].ً

باراك يعقوبس، الضابط السابق في الاستخبارات البشرية والمحاضر، في صورة منشورة مع مقابلته على موقع “موكسيني” بتاريخ 24 أغسطس 2022

وأنتج المشروع أيضًا كتاب “فن التأثير في الناس“، الذي يروّج له بعبارة “ماذا تعلمنا من كبار مسؤولي الاستخبارات الإسرائيلية“. ويتناول، كما يقول التعريف، “فن الإقناع، والتأثير في الآخرين، وقراءة لغة الجسد، وإدارة المفاوضات“. وتقدّم صفحته التعريفية حصيلة 3 سنوات من الحوارات مع مسؤولين كبار سابقين في الاستخبارات الإسرائيلية، في 270 صفحة. وتظهر هذه المعرفة أمام القرّاء بوصفها خبرة عملية منفصلة عن سياقاتها السياسية والتاريخية المرتبطة بالصراع والحرب، ومعها أدوات وتمارين مصممة لـ”تناسب الاستخدام في الحياة اليومية وستمنحك ميزة في التفاعل مع الآخرين، بما في ذلك التفاعلات الجديدة“، كما تعد المقدمة[17].

ويساعد نموذج من المقابلات المنشورة في بودكاست المشروع على فهم جانب من الخطابات المقدّمة في هذه المشاريع والثقافة القائمة عليها، وكيف تصبح معرفة ضابطة متخصصة في استقطاب العملاء ومراقبة الآخرين خطابًا في التنمية البشرية وتطوير الذات والتواصل مع الآخرين، خاصة أن في المخيال المجتمعي انجذابًا إلى قراءة ما يقوله ضباط الأمن والاستخبارات ومشاهدته، لما في عملهم من سرّية وانخراط في ملفات معقدة مرتبطة بصراعات كبيرة، وتدور حولها قصص قوام بعضها الخيال والمغامرات.

كما يستضيف برنامج “تسوم”» أو “المفترق”، في حلقة منشورة في 25 فبراير/ شباط 2025، شابة تعرّفها المقدمة باسم “إيمانويل”[18]، من دون الكشف عن هويتها الكاملة، إذ تخفي الظلال ملامح وجهها بسبب عملها السابق في أجهزة الأمن الإسرائيلية. وتبدأ الحلقة بمقدمة تحاول “أنسنة” الشخصية عبر التركيز على تجاربها الحياتية؛ فقد التحقت بجهاز “الشاباك” للعمل في وحدة عملياتية خاصة، ضمن سلسلة من المصادفات، ربما بهدف تقديم القصة في سياق روائي جاذب.

تروي “إيمانويل” كيف تسرّحت من الخدمة العسكرية، وعاشت في حيرة بشأن كيفية الحصول على عمل، لأنها من منطقة زراعية ولا تملك مركبة، قبل أن تطلب منها صديقتها تزويدها بسيرة ذاتية للتقدّم إلى وظيفة في “الشاباك”. ثم تقدّم انخراطها اللاحق في تجنيد “المصادر البشرية“، أي العملاء، لجهاز الاستخبارات العسكرية “أمان“، بوصفه “شغفًا” نابعًا مما تزعم أنه “محبة للغة والثقافة العربية“، لا ينفصل عن حلم “أدريناليني” مثير بالعمل ضمن وحدات «المستعربين» والتخفّي في بيئة عربية[19].

وتُقدَّم بوصفها أول امرأة تأهّلت لتشغيل العملاء في وحدة سرّية بالجيش الإسرائيلي، وتعرض ما تقول إنها مميزات لعمل النساء في القضايا الأمنية، وترى أنهن يتفوّقن فيها على الرجال. ويأتي ذلك في سياق النقاشات الدائرة في البيئات الأمنية والاستخباراتية حول فوائد تجنيد النساء لمهمات معقدة، خاصة ما يرتبط بالجواسيس والمهمات الخاصة. وتعدّد الأساليب المستخدمة في التحقيق وطرق انتزاع المعلومات والتعامل مع المجنّدين، وتخرج منها بما تصفه بأنه “مهارات” ساعدتها في التعامل مع الآخرين بعد انتقالها إلى القطاع الخاص، حيث اختارت تقديم دورات تدريبية. وتشرح كيف كانت، أحيانًا، بسبب لعبها “عدة أدوار” خلال عملها الاستخباراتي، تتقمّص الدور الأمني حتى داخل المنزل وفي علاقتها بعائلتها.

وتكشف “إيمانويل” عن عملها في “الاستخبارات التجارية” بعد خروجها من الخدمة في أجهزة الأمن الإسرائيلية، وتقول إن هذا النمط من الأعمال يلجأ إليه أشخاص بعد مغادرتهم أعمالهم الأمنية. وتصف مجال عملها ببساطة بأنه “توفير معلومات عن شركة أخرى لمساعدة العميل على فهم السوق أو اتخاذ قرار أو زيادة فرصه في الفوز بمناقصة“. وتشير إلى جانب مهم من السرّية، حتى في السياق التجاري والاستثماري:

“في كثير من الأحيان تحتاج الشركة إلى معلومات غير متاحة للجمهور، وقد يتطلّب الحصول عليها استخدام أساليب مختلفة، لكنني لا أريد الدخول في تفاصيل كيفية القيام بذلك”.

وفي بودكاست آخر تقدّمه “إيمانويل” عبر قناة مشروع “001” على يوتيوب، ويحمل اسم “الكود الإنساني[20]“، تقول إن هدفه استخلاص «رؤى» من عالم تشغيل العملاء والعمل العملياتي وتطبيقها على الحياة اليومية. وفي الحلقة 5 المنشورة في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، تطرح مثالًا من تجربتها: “أستعير موقفًا من عالم كنت أعيش فيه“، للوصول إلى الفكرة المستهدفة من تحليلها: “لا تحكم على صدق الناس من كلامهم وحده، ولا تعتبر كل وعد غير منفّذ دليلًا على الكذب“، في صيغة الحكماء أو مدرّبي التطوير الذاتي.

وللوصول إلى الفكرة، تستخدم ما تقول إنها قصة من عملها مشغّلة للعملاء في الاستخبارات الإسرائيلية:

“تخيّلوا أنني أجلس أمام شخص وأطلب منه القيام بشيء، ويردّ عليّ بثقة تامة أنه معي 100%، وأتّفق معه، لكن ليس على المهمة الأصلية، بل أخرى أصغر بهدف اختبار مدى التزامه. لكن يمرّ أسبوع ولا تُنفَّذ المهمة.

أحاول معرفة السبب، عن بُعد طبعًا، ويقدّم لي تفسيرًا مقنعًا. لكن التفسير هو موضع الفجوة؛ الناس لا يكذبون علينا عادة بالكلمات بصورة مباشرة، بل قد يضلّلوننا بطريقة أكثر دقة: يخبروننا بجزء من الحقيقة المناسب لهم، بينما تتسرّب بقية المعلومات، سواء كانت حقيقة أو إخفاء للحقيقة”.


مراقبة المستعمرين كمجال استثماري


كاميرات مراقبة في البلدة القديمة بالقدس، مع ظهور المسجد الأقصى وقبة الصخرة في المشهد، 19 سبتمبر 2023 – غيتي

تصدّر تحليل أنظمة السلطة والمراقبة في الأزمنة الحديثة جانبًا مهمًا من الأدبيات الفلسفية والتنظيرية. وحلّل فلاسفة، أبرزهم ميشيل فوكو[21]، كيف تخلق الدولة الحديثة نظامًا من الرقابة على المجتمعات يدفع أفرادها إلى الانضباط التلقائي، باستخدام أدوات لا تقتصر على القمع المادي، بل تتسرّب في مختلف مؤسسات المجتمع، من المدارس والسجون إلى غيرها من المؤسسات.

وفي حالة “مشروع 001” والمبادرات المماثلة له، في السياق الإسرائيلي وغيره، فإن ما أمامنا مزيج من الاستخدام الاستعماري لمراقبة المجتمعات، واستثمار المعارف الأمنية اقتصاديًا، وتدويرها في مساقات ودورات تنمية بشرية، بوصفها معرفة حياتية صرفة تخدم المتطلّعين إلى تطوير ذواتهم، مع روح المغامرة والتشويق التي يقدّمها ضابط مخابرات قادم من عالم السرّية والخفاء. ويمكن قراءة هذا التسليع للمعرفة على تماس مع مفهوم “رأسمالية المراقبة” لدى شوشانا زوبوف[22]، مع التمييز بين بيع الخبرات والتدريبات هنا، وبين تحويل البيانات السلوكية إلى منتجات تنبؤية في تحليلها.

وفي سياق قريب، تصلح حالة “مشروع 001″ لفحص كيف يفكّر الجنود والضباط، خلال خدمتهم العسكرية، في تحويل خبراتهم إلى “رأس مال اجتماعي ورمزي ومادي” يساعدهم لاحقًا في شق مسار متقدّم في المجالات التجارية والمالية، في عملية تسمّيها الأدبيات “قابلية التحويل“.[23]


المصادر والمراجع

[1] Robson Morrow, Maria A. “Private Sector Intelligence: On the Long Path of Professionalization.” Intelligence and National Security 37, no. 3 (2022): 402–20. https://doi.org/10.1080/02684527.2022.2029099.
[2] الموقع الإلكتروني الخاص بالمشروع: https://oo1.co.il/about/
[5] الموقع الخاص يقدم فيه تعريفاً عنه: https://barakjacobs.com/%d7%90%d7%95%d7%93%d7%95%d7%aa/
[8] تعريف بالمعهد:https://www.memri.org.il/articles/%D7%9E%D7%99-%D7%90%D7%A0%D7%97%D7%A0%D7%95
[11] Stephen Graham, Cities Under Siege: The New Military Urbanism (London: Verso, 2011), 61.
[14] Uri Ben-Eliezer, The Making of Israeli Militarism (Bloomington: Indiana University Press, 1998).
[15] Gil Baram & Isaac Ben-Israel, “The Academic Reserve: Israel’s Fast Track to High-Tech Success” (2019), Israel Studies Review, 34(2), 75–91.
[19] الأغواني، أحمد. “الصهيونية وعنف الفوضى: الاستشراق، الاستعمار الاستيطاني والمستعربين.” رسالة ماجستير، جامعة بيرزيت، 2018.
[21] فوكو، ميشيل. (1975). المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. باريس: دار غاليمار.
[22] زوبوف، شوشانا. عصر رأسمالية المراقبة: النضال من أجل مستقبل إنساني على الحدود الجديدة للسلطة. ترجمة مُتيَّم الضايع. السعودية: دار صفحة سبعة للنشر والتوزيع، 2025..
[23] Kachtan, Dana Grosswirth, and Eve Binks. “Soldiers’ Perceptions and Expectations of Converting Military Capital—The Cases of Israeli and British Militaries.” Sociological Inquiry (2021).