![]()
يرحل بعض الرجال عن دنيانا، لكنهم لا يغيبون عن ذاكرة الأوطان، لأنهم لم يعيشوا لأنفسهم وحدها، بل نذروا أعمارهم لخدمة الإنسان، وبناء الأجيال، وإضاءة دروب المستقبل. ومن بين هؤلاء الرجال الذين تركوا بصمات مضيئة في مسيرة التعليم والعمل العام في السودان، يبرز اسم الأستاذ مضوي عبد الخالق مضوي (رحمه الله)، الذي رحل عن دنيانا يوم السبت 17 أكتوبر 2026 بعد حياة حافلة بالبذل والعطاء.
ولقد تارك الراحل وراءه إرثاً تربوياً وإنسانياً ووطنياً لا يُقاس بالسنوات التي عاشها، بل بالأجيال التي أسهم في تعليمها، والعقول التي أنارها، والقيم التي غرسها، والأثر الطيب الذي سيظل حاضراً في وجدان كل من عرفه وتتلمذ على يديه.
وفي هذه الكلمات، أستعيد بشيء من الوفاء والاعتزاز سيرة عمي ووالد زوجتي مضوي عبد الخالق مضوي، الرجل الذي لم يكن معلماً فحسب، بل كان صاحب رسالة، ومربياً للأجيال، وأحد أولئك الذين آمنوا بأن نهضة الأوطان تبدأ من المدرسة، وأن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله هو علمٌ نافع، وعملٌ صالح، وذكرى طيبة لا تمحوها الأيام.
في قرية زين العابدين بالضفة الشرقية للنيل الأزرق من مدينة أم شوكة بولاية سنار، وُلد عام 1940م رجلٌ سيصبح لاحقاً رمزاً للعطاء التعليمي والإنساني في السودان. رجل حمل شعلة التعليم في قلبه وأضاء بها دروب وطنه. نشأ محباً للعلم، مؤمناً برسالته، ليختار عن قناعة أن يكون معلماً بكل جدارة واقتدار.
تلقى تعليمه في أم شوكة الابتدائية والوسطى، ثم في كلية المعلمين ببخت الرضا، ليعود بعدها حاملاً رسالة النهوض بأبناء قريته. لم يكتفِ بالتدريس، بل أخذ على عاتقه أن يصطحب معه أبناء أم شوكة إلى المدارس التي عمل بها في مختلف مناطق السودان، فاتحاً أمامهم أبواب العلم والمعرفة. بفضل جهوده، بدأ نور التعليم ينتشر في المنطقة، مقروناً بغرس قيم الوطنية والانتماء.
في مسيرته، تنقل بين عدة مدارس، من سنجة ذات الرأسين إلى باو الابتدائية بالنيل الأزرق، ثم مدرسة حمدنا الله الابتدائية بمحلية سنار، التي حوّلها إلى منارة تعليمية خرّجت قيادات وشخصيات بارزة في ولاية سنار. كانت جماهير القرى تتمسك به وترفض نقله، لما لمسوه من إخلاصه وتأثيره، حتى شهدت المنطقة إضرابات شعبية لإعادته إلى موقعه.
لم يقتصر عطاؤه على التدريس، بل عمل على تأسيس أنشطة ثقافية وفنية، وإنشاء جمعيات تعاونية، وتنظيم فعاليات طلابية لتعمير المنطقة. وكان له الفضل في استضافة الرئيس السوداني الراحل جعفر محمد نميري في أم شوكة، مما ساهم في التعريف بها وإيصال صوتها عندما كان عضوا بمجلس الشعب ممثلاً لدائره سنار الغربية، وناطقاً باسم قضايا الريف، قبل أن يعود لرسالته الأولى في التعليم كموجّه تربوي بمدارس ولاية سنار، ثم منتدباً إلى المملكة العربية السعودية في مدينة الظهران بالمنطقة الشرقية، ليختتم مسيرته التعليمة الحافلة بالعطاء مديراً بادارة التعليم في النيل الأزرق، ثم متقاعداً في مدينة سنار.
عرفه طلابه وأهل قريته إنساناً دمث الأخلاق، طيب المعشر، محباً للخير، عاش حياته مخلصاً لوطنه ولرسالته التربوية، ومؤمناً أن بناء الأمم يبدأ من بناء الإنسان باعتباره الركيزة الأساسية للتنمية. ذلك هو مضوي عبد الخالق (رحمه الله) الرجل الذي عاش ليصنع فرقاً، ونجح في أن يترك بصمة لا تُمحى في قلوب وذاكرة السودان.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمّده بواسع رحمته وعظيم مغفرته، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدّمه من أعمال جليلة ومآثر طيبة لأهله ووطنه السودان، وأن يتقبّله قبولاً حسناً، ويسكنه الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقاً. كما نسأله سبحانه وتعالى أن يجعل البركة والصلاح في ذريته وأحفاده، وأن يديم فيهم أثره الطيب وسيرته العطرة، وأن يجعل ما قدّمه من خير وعطاء في ميزان حسناته.