![]()
مرت ثلاثة عقود على اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1996 معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، التي أريد لها أن تشكل مظلة قانونية تمنع التفجيرات النووية التجريبية وتغلق واحدًا من أخطر أبواب سباق التسلح.
بعد ثلاثة عقود، اقترب التأييد الدولي للمعاهدة من الإجماع؛ إذ وقعتها 188 دولة وصدقت عليها 179 دولة. ومع ذلك، لا تزال الوثيقة عاجزة عن دخول حيز التنفيذ القانوني الكامل.
تكمن المفارقة في شرط وُضع داخل المعاهدة نفسها. فدخولها حيز التنفيذ لا يعتمد على بلوغ عدد معين من التصديقات فحسب، وإنما يتطلب تصديق 44 دولة محددة بالاسم في “الملحق الثاني”. وحتى اليوم، لا تزال تسع منها خارج دائرة التصديق الكامل.
وهكذا، نشأ وضع غير مألوف: حظر واسع القبول سياسيًا، وشبكة رصد عالمية تعمل على مدار الساعة، ومعيار دولي جعل التجارب النووية أكثر ندرة، مقابل معاهدة لم تصبح بعد قانونًا نافذًا بكامل آلياتها.
فلماذا رُبط مصير المعاهدة بهذه الدول تحديدًا؟ وكيف يعمل نظامها حتى قبل دخولها حيز التنفيذ؟
بند قانوني يعطل المعاهدة
تكمن المعضلة الأساسية في المادة الرابعة عشرة من المعاهدة، التي تنص على ألا تدخل حيز التنفيذ إلا بعد إيداع وثائق التصديق من جميع الدول الـ44 المدرجة في الملحق الثاني.
اختيرت هذه الدول لأنها شاركت في مفاوضات مؤتمر نزع السلاح وكانت تمتلك، وقت التفاوض على المعاهدة، مفاعلات نووية للأبحاث أو لإنتاج الطاقة.
وبموجب هذا الشرط، يكفي غياب تصديق دولة واحدة من القائمة لتعطيل دخول المعاهدة حيز التنفيذ، مهما ارتفع عدد الدول الأخرى التي وقعتها وصدقت عليها.
أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية في سبتمبر 1996 – غيتي
كان الهدف من هذا الشرط ضمان مشاركة الدول التي كانت تمتلك القدرات النووية الأكثر ارتباطًا بإمكان إجراء التجارب. لكن النتيجة بعد ثلاثين عامًا كانت نشوء عقدة قانونية ربطت دخول المعاهدة حيز التنفيذ بمواقف عدد محدود من الدول.
واليوم، تحتاج المعاهدة إلى تصديق تسع دول من الملحق الثاني: الصين ومصر والهند وإيران وإسرائيل وكوريا الشمالية وباكستان وروسيا والولايات المتحدة.
ومن هذه الدول، وقعت الولايات المتحدة والصين وإيران وإسرائيل ومصر وروسيا المعاهدة من دون أن تكون مصدقة عليها حاليًا، فيما لم توقع الهند وباكستان وكوريا الشمالية عليها أصلًا.
[قالب | تسع دول تفصل المعاهدة عن النفاذ
لماذا لا تصدّق الدول التسع؟
تختلف الحسابات الاستراتيجية للدول التسع المتبقية من قائمة “الملحق الثاني”، كما تختلف أسباب عدم توقيعها أو تصديقها على المعاهدة.
الولايات المتحدة
كانت الولايات المتحدة من أوائل الموقعين على المعاهدة عام 1996 في عهد الرئيس بيل كلينتون، لكنها لم تصدق عليها.
وفق رابطة مراقبة التسلح، رفض مجلس الشيوخ في أكتوبر/ تشرين الأول 1999، قرار التصديق بأغلبية 51 صوتًا مقابل 48، في ظل جدل تناول قدرة واشنطن على التحقق من الالتزام بالحظر وإمكان الحفاظ على سلامة وموثوقية الترسانة الأميركية من دون تجارب تفجيرية.
ومنذ ذلك الحين، بقيت الولايات المتحدة دولة موقعة على المعاهدة من دون أن تستكمل التصديق عليها.
الصين
وقعت الصين المعاهدة في 24 سبتمبر/ أيلول 1996، لكنها لم تصدق عليها حتى اليوم.
وتعلن بكين رسميًا دعمها لدخول المعاهدة حيز التنفيذ، كما تؤكد التزامها بوقف التجارب النووية الذي أعلنته عام 1996. وواصلت خلال السنوات الماضية التعاون مع منظمة المعاهدة وتطوير محطات الرصد التابعة للشبكة الدولية داخل أراضيها، من دون أن تستكمل إجراءات التصديق.
ويأتي موقف الصين في ظل بيئة استراتيجية تشهد تنافسًا متصاعدًا بين القوى الكبرى وتحديثًا متواصلًا للترسانات النووية، فيما تواصل بكين المشاركة في أعمال منظمة المعاهدة وتشغيل محطات تابعة لنظام الرصد الدولي على أراضيها.
روسيا
صدقت روسيا على المعاهدة عام 2000، وبقيت طوال أكثر من عقدين واحدة من الدول الـ44 التي استوفت الشرط.
شكلت موسكو ركيزة أساسية في دعم المعاهدة بعدما صدقت عليها عام 2000، غير أن التحولات في علاقتها مع الغرب دفعتها في عام 2023 إلى سحب تصديقها على المعاهدة، في خطوة قالت موسكو إنها تستهدف مساواة وضعها القانوني بالولايات المتحدة التي وقعت المعاهدة ولم تصدق عليها.
ولا يعني ذلك أن روسيا انسحبت من المعاهدة؛ فهي ما تزال دولة موقعة وعضوًا في اللجنة التحضيرية للمنظمة، إلا أن إلغاء التصديق أعادها إلى قائمة الدول التسع التي يلزم تصديقها لدخول المعاهدة حيز التنفيذ.
الهند وباكستان
الهند وباكستان دولتان من الدول الثلاث في الملحق الثاني اللتين لم توقعا المعاهدة.
تمثل الدولتان نموذجًا لثنائية الردع المتبادل؛ فقد اعترضت الهند منذ المفاوضات على بنية النظام النووي الدولي، واعتبرت معاهدة الحظر الشامل جزءًا من نظام يكرس تمييزًا بين الدول النووية وغيرها.
أما باكستان فلم توقع المعاهدة أيضًا، وبقي موقفها مرتبطًا بصورة وثيقة بالتوازن النووي مع الهند.
وفي مايو/ أيار 1998 أجرت الهند سلسلة من التجارب النووية، وردت عليها باكستان بتجارب نووية بعد أسابيع، في محطة كرست الردع النووي المتبادل بين البلدين.
كوريا الشمالية
لم توقع كوريا الشمالية المعاهدة، وهي الدولة الوحيدة التي أجرت تفجيرات نووية تجريبية في القرن الحادي والعشرين.
أجرت بيونغ يانغ ست تجارب أعلنت عنها بين عامي 2006 و2017، وتمكنت شبكة الرصد التابعة لمنظمة المعاهدة من التقاطها جميعًا.
وترفض بيونغ يانغ التوقيع أو الانضمام، كما تستخدم ترسانتها الذرية كورقة ضغط قصوى وبوليصة تأمين رئيسية لنظامها السياسي في مواجهة الضغوط الأميركية والغربية، وفق مبادرة التهديد النووي.
إسرائيل
وقعت إسرائيل المعاهدة في سبتمبر/ أيلول 1996، لكنها لم تصدق عليها.
تتبنى تل أبيب سياسة “الغموض النووي” التاريخية، وترفض الارتباط بأي التزامات قانونية أو لجان تفتيش دولية قد تكشف طبيعة قدراتها العسكرية.
وربطت مواقف إسرائيلية سابقة مسألة التصديق بظروف الأمن الإقليمي وبالثقة في نظام التحقق، في وقت تتداخل فيه قضية المعاهدة مع الملف الأوسع المتعلق بالتسلح النووي وأسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.
مصر
وقعت مصر المعاهدة عام 1996 ولم تصدق عليها.
ملف الحظر الشامل بمسألة أوسع هي إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، وبضرورة التعامل مع التزامات منع الانتشار في المنطقة ضمن إطار شامل.
وتستخدم القاهرة موقفها كأداة ضغط دبلوماسية لدفع المجتمع الدولي نحو إجبار إسرائيل على الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
إيران
وقعت إيران المعاهدة في 24 سبتمبر/ أيلول 1996، لكنها لم تستكمل التصديق عليها.
رغم توقيعها المبكر، إلا أن طهران تربط مصير تصديقها بتطورات ملفها النووي وتوازنات الصراع الإقليمي والدولي.
ويأتي موقفها ضمن مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه قضايا البرنامج النووي الإيراني، ونظام عدم الانتشار، ومستقبل ترتيبات الأمن النووي في الشرق الأوسط.
النظام الدولي للرصد
بينما يراوح السند القانوني للمعاهدة مكانه في ردهات الجمود السياسي، تسير التكنولوجيا في الاتجاه المعاكس، منتجة واحدة من أكثر منظومات الرصد العلمي تعقيدًا ودقة في مجال الحد من التسلح.
ففي قلب معاهدة الحظر الشامل وُلد النظام الدولي للرصد، وهو شبكة عالمية يفترض أن تضم عند اكتمالها 337 منشأة، بينها 321 محطة رصد و16 مختبرًا، موزعة في 89 دولة لمراقبة كوكب الأرض والتقاط الإشارات التي قد تدل على وقوع تفجير نووي.
وُلد النظام الدولي للرصد في قلب معاهدة الحظر الشامل – غيتي
ويعمل نحو 90% من هذه المنشآت بالفعل، وتعتمد المنظومة على أربع تقنيات رصد رئيسية تتكامل فيما بينها:
-
الرصد الزلزالي:
تعقب الهزات الأرضية والاهتزازات الناتجة عن التفجيرات في باطن الأرض، والمساعدة في تمييزها من الزلازل الطبيعية.
-
الرصد الهيدروصوتي:
التقاط الموجات الصوتية التي تنتقل عبر المحيطات والناتجة عن انفجارات بحرية أو تحت الماء.
-
رصد النويدات المشعة:
تحليل الهواء بحثًا عن جسيمات وغازات مشعة، مثل بعض نظائر الزينون، قد تتسرب في أعقاب تفجير نووي وتساعد في تحديد طبيعته.
-
رصد الموجات دون الصوتية:
تتبع موجات الضغط منخفضة التردد في الغلاف الجوي التي قد تنتج عن انفجارات كبيرة.
وقد أثبتت هذه الشبكة كفاءتها، إذ تمكنت من رصد التجارب النووية الست التي أعلنت عنها كوريا الشمالية بين عامي 2006 و2017.
لكن عدم دخول المعاهدة حيز التنفيذ يعني أن منظومة التحقق التي أنشأتها لم تكتمل قانونيًا بعد. فالتفتيش الموقعي، على سبيل المثال، لا يمكن تفعيله وفق أحكام المعاهدة قبل دخولها حيز التنفيذ.
وهكذا، توفر شبكة الرصد اليوم تدفقًا مستمرًا من البيانات إلى الدول الأعضاء في اللجنة التحضيرية، فيما تبقى بعض أدوات التحقق القانونية التي نصت عليها المعاهدة معلقة في انتظار نفاذها.
منظومة الحد من التسلح تتآكل
يصعب فصل تعثر معاهدة الحظر الشامل عن التآكل الذي أصاب منظومة الأمن الدولي والحد من التسلح التي بُنيت طوال العقود الماضية، مع تراجع عدد من الاتفاقيات التي كانت توفر قدرًا من الاستقرار الاستراتيجي بين القوى الكبرى.
فخلال السنوات الماضية، شهد العالم تفككًا متتاليًا لعدد من ركائز ضبط التسلح؛ إذ انتهت “معاهدة القوات النووية متوسطة المدى” عام 2019 بعد انسحاب الولايات المتحدة منها وسط اتهامات متبادلة بين واشنطن وموسكو بخرقها، كما انسحبت الولايات المتحدة ثم روسيا من “معاهدة الأجواء المفتوحة”.
أما معاهدة “نيو ستارت“، آخر اتفاق كان يضع سقوفًا ملزمة على الأسلحة النووية الاستراتيجية المنشورة لدى الولايات المتحدة وروسيا، فانتهت في 5 فبراير/ شباط 2026 بعد تعليق موسكو مشاركتها فيها قبل ذلك بثلاث سنوات.
وقد خلق هذا التآكل المؤسسي بيئة دولية شديدة التوجس، تسودها الشكوك المتبادلة وتتراجع فيها قنوات الثقة، ما يجعل الالتزام باتفاقيات الحد من التسلح أكثر ارتباطًا من أي وقت مضى بحسابات الردع والتنافس بين القوى الكبرى.
وفي هذا السياق، جاء قرار روسيا عام 2023 بسحب تصديقها على معاهدة الحظر الشامل ليضيف عقبة جديدة أمام دخولها حيز التنفيذ، بعدما كانت موسكو طوال أكثر من عقدين من الدول الـ44 التي استوفت شرط التصديق.
بعد ثلاثين عامًا، يبقى التحدي نفسه قائمًا: تحويل الحظر الذي أصبح معيارًا دوليًا واسع القبول إلى التزام قانوني مكتمل، وإنهاء الفجوة بين ما يراقبه العالم تقنيًا وما استطاع إلزام نفسه به قانونيًا.
