![]()
كيف أصبح الخوف من آثار السلاح النووي نقطة التقاء بين خصوم الحرب الباردة؟
في 5 أغسطس/ آب 1963، وقّعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا في موسكو أول معاهدة دولية كبرى تفرض قيودًا مباشرة على التجارب النووية، في خطوة عُدّت تحولًا مهمًا في مسار الصراع بين القوتين العظميين.
لم تُفكك معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية أي رؤوس نووية، ولم توقف تطوير الترسانات العسكرية، لكنها حظرت التفجيرات النووية في الغلاف الجوي والفضاء الخارجي وأعماق البحار، بعدما أثارت آثار الإشعاع النووي مخاوف متزايدة من تجاوز تداعيات التجارب حدود الدول ووصولها إلى سكان بعيدين عن مواقع الاختبار.
ودخلت المعاهدة حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، لتصبح أول اتفاق دولي يقر بأن سباق القوة النووية يحتاج إلى قواعد تحد من مخاطره، دون أن ينهي سباق التسلح بين القوى الكبرى.
من سباق القنابل إلى الخوف من الإشعاع
بدأ العصر النووي عام 1945 مع أول اختبار نووي أميركي في صحراء نيو مكسيكو، ثم استخدام القنبلتين الذريتين ضد هيروشيما وناغازاكي في اليابان.
بعد الحرب العالمية الثانية، لم تعد التجارب تهدف فقط إلى إثبات القدرة على صنع السلاح النووي، بل تحولت إلى سباق لتطوير قنابل أكبر وأكثر قوة، ورؤوس نووية أخف ووسائل أكثر تطورًا لإيصالها.
وخلال خمسينيات القرن الماضي وبداية الستينيات، نفذت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا عشرات التجارب الجوية التي رافقتها مشاهد الانفجارات والسحب النووية العملاقة، لكنها كشفت أيضًا عن خطر الغبار المشع الذي حملته الرياح إلى مناطق بعيدة.
وكان اختبار “كاسل برافو” الأميركي في جزر مارشال عام 1954 نقطة تحول، بعدما جاءت قوة الانفجار أكبر من المتوقع ووصلت آثار الإشعاع إلى سكان جزر مأهولة وطاقم سفينة صيد يابانية، وأظهرت الحادثة أن آثار السلاح النووي لا يمكن حصرها داخل حدود الدولة التي تستخدمه.
لماذا لم يتحقق الحظر الشامل؟
عندما بدأت واشنطن وموسكو ولندن مفاوضات عام 1958، كان الهدف هو الوصول إلى حظر كامل لكل التجارب النووية، بما فيها الاختبارات تحت الأرض.
لكن الخلاف الأساسي تمحور حول آليات التحقق، فقد كانت التجارب الجوية والبحرية سهلة الرصد نسبيًا، بينما كان من الصعب التمييز بين الانفجارات الجوفية والزلازل الطبيعية.
طالبت الولايات المتحدة وبريطانيا بعمليات تفتيش ميدانية داخل الاتحاد السوفيتي للتأكد من عدم إجراء تجارب سرية، بينما رأت موسكو أن تلك الخطوة قد تتحول إلى وسيلة للتجسس العسكري.
وتزايدت التوترات بعد إسقاط طائرة التجسس الأميركية “يو 2” فوق الأراضي السوفيتية عام 1960، قبل أن تعيد أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 دفع الطرفين نحو البحث عن اتفاق يحد من مخاطر المواجهة النووية.
ماذا حظرت المعاهدة؟
منعت معاهدة موسكو إجراء أي تفجير نووي تجريبي في الغلاف الجوي، أو الفضاء الخارجي، أو تحت الماء، كما حظرت أي انفجار يؤدي إلى انتقال مواد مشعة خارج حدود الدولة التي تنفذه.
لكنها أبقت الاختبارات الجوفية خارج نطاق الحظر، ما سمح باستمرار تطوير الأسلحة النووية بعيدًا عن الأنظار، بشرط عدم انتشار آثارها الإشعاعية خارج الحدود.
وكان هذا التنازل هو الثمن الذي دفعته الدول الثلاث للوصول إلى اتفاق سريع، بعدما تعذر التوصل إلى معاهدة شاملة بسبب الخلاف حول التفتيش.
نجاح بيئي محدود دون وقف سباق التسلح
ساهمت المعاهدة في تقليل انتشار المواد المشعة عالميًا، بعدما توقفت القوى الثلاث عن إجراء الاختبارات في الغلاف الجوي، كما حولت الامتناع عن التفجيرات العلنية إلى التزام قانوني، لكنها لم توقف سباق السلاح النووي، فقد استمرت التجارب تحت الأرض لعقود.
وتشير بيانات منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية إلى أن أكثر من ألفي اختبار نووي أُجري بين عامي 1945 و1996.
كما لم تمنع المعاهدة إنتاج الصواريخ والغواصات والقاذفات القادرة على حمل الأسلحة النووية، ولم تُلزم الدول بخفض مخزوناتها من الرؤوس النووية.
خطوة أولى نحو ضبط السلاح النووي
رغم محدوديتها، شكلت معاهدة 1963 أول اختراق كبير في جدار الحرب الباردة، وأثبتت إمكانية تعاون القوى النووية الكبرى على وضع قيود مشتركة.
ومهدت الطريق لاتفاقات لاحقة، بينها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عام 1968، ومعاهدات الحد من الأسلحة الاستراتيجية خلال السبعينيات.
بعد 63 عامًا على توقيعها، تبقى معاهدة موسكو محطة مفصلية في تاريخ ضبط التسلح النووي، فقد نجحت في تقليل أخطار التجارب النووية وإيقاف التفجيرات في السماء والبحار، لكنها لم تُنه سباق تطوير القنابل الذي انتقل بدرجة كبيرة إلى باطن الأرض.
