معمل إستاك.. من معهد ينافس سويسرا إلى مقاول باطن لشركات الدواء

معمل إستاك.. من معهد ينافس سويسرا إلى مقاول باطن لشركات الدواء

Loading

مقدمة
كان من الممكن أن يكون معمل إستاك اليوم مواكباً للمعامل السويسرية والألمانية، وأن يكون أكبر معمل للأمراض المستوطنة في أفريقيا، ومركزاً لبحوث حملة الشهادات العليا. لكنه ركن للمساعدات الخارجية والمعونات التي حددت مسار بحوثه، ثم تحول إلى مركز مساعد للمعامل الأوروبية التي تساهم في صناعة الدواء.
*أولاً: التأسيس – كنا مع سويسرا في نفس الخط*، معمل إستاك ليس معملاً عادياً. اسمه الأصلي *معامل ستاك الطبية (Stack Medical Research Laboratories)* وهو فرع من معامل ويلكوم للبحوث الاستوائية التي أسسها هنري ويلكوم في الخرطوم سنة (1903)، وكانت أول معمل حديث في أفريقيا جنوب الصحراء. المعمل الحالي بُني في (1927/1928) كتذكار للسير لي ستاك الحاكم العام للسودان الذي اغتيل في القاهرة، أنشئ المعمل بتمويل قدره (24,000) جنيه مصري من صندوق تعويضاته. وكان مقصوداً أن يكون بجانب المستشفى المدني ومدرسة كتشنر الطبية (جامعة الخرطوم حالياً) ليربط البحث بالتدريس والعلاج. في (1 أبريل 1935) أصبح جزءاً من المصلحة الطبية السودانية تحت إدارة الدكتور إريك هورغان، وشكل مع معامل ويلكوم الكيميائية وقسم الحشرات الطبية بواد مدني مثلث البحث الطبي في السودان. مهامه كانت ثلاث: تدريس علم الأمراض والبكتريا والطفيليات والطب الشرعي، والتشخيص الروتيني وتصنيع لقاحات الجدري وداء الكلب والكوليرا، وثالثاً البحوث العملية للأمراض المتوطنة مثل الكالازار والحمى الراجعة والصفراء. ووصل لقمته عندما تولاه أول مدير سوداني منصور علي حسيب سنة (1952) ومعه محمد حمد ساتي وأحمد محمد الحسن، وكانت بحوثه تنشر في مجلة (Lancet) وكان مرجعاً لمنظمة الصحة العالمية (WHO).
*ثانياً: كيف ركن للمعونات؟*
كان يملك كل مقومات المعهد العالمي: مادة خام بحثية لا تنتهي (كل الأمراض المستوطنة موجودة في السودان)، ومدرسة طبية، وسمعة عالمية. لكن الدولة لم تحمِه بصندوق بحث سيادي. تركته للمعونات. بدلاً من أن تمول وزارة الصحة خطة وطنية لعشر سنوات للقضاء على الكالازار في القضارف، أصبح إستاك ينتظر منحة من (USAID) أو (WHO) تحدد له ماذا يبحث. المانح هو من يحدد الأجندة. اليوم يمول بحث إيدز، وغداً ملاريا، وبعده كوفيد، حسب مزاج السوق العالمي للمعونات، وليس حسب أولويات السودان. تحول من معهد يمنح الماجستير والدكتوراه مثل معهد (Pasteur) في فرنسا، إلى معمل يفحص عينات روتينية، ويسافر طلابه إلى القاهرة وكينيا وألمانيا لعمل دكتوراه عن مرض سوداني بعينة سودانية. واليوم بعد حرب (2023)، تدمر المبنى التاريخي بشارع القصر ونُقل ما تبقى منه إلى بورتسودان، ليصبح بلا مبنى وبلا بنك عينات. نحن لا نحتاج لبناء معمل جديد، نحن نحتاج لإنقاذ ما تبقى من بنك السلالات النادر الذي جمعه منصور حسيب وساتي قبل (70) سنة.
*ثالثاً: من معهد قومي إلى مقاول باطن*، هنا الكارثة الأكبر. المعامل الأوروبية التي تساهم في صناعة الدواء ((Roche), (Novartis), (Bayer)) جعلت إستاك مركزاً مساعداً لها. وهي خطة معروفة عالمياً باسم بحث المظلات (Parachute Research) وتتم في ثلاث خطوات:
(1) جمع المادة الخام مجاناً: الشركة تريد دواء للكالازار، ولا يوجد كالازار في سويسرا. تأتي بعثة إلى إستاك، تأخذ عينات دم وطفيليات وذباب رملي وخريطة جينية للمريض السوداني مجاناً تحت اسم “بحث مشترك”.
(2) تدريب الكادر ليخدمها: تدرب طبيباً من إستاك على جمع العينات حسب معاييرها، فيفرح بالشهادة السويسرية، لكنه في الحقيقة تم تأهيله ليكون مجمع عينات محترف لها، لا باحثاً رئيسياً. لا يملك براءة اختراع ولا حق تطوير….
(3) بيع الدواء لنا مرة أخرى: أشهر مثال، طفيل الكالازار السوداني (Leishmania donovani) الذي أُخذت سلالاته من القضارف عبر إستاك في الثمانينات، واليوم يباع علاجه المطور (AmBisome) بـ (100) دولار للجرعة، وإستاك لا يملك حتى حق تصنيعه محلياً.
إستاك لا يبيع العينة فقط، هو يبيع الشرعية. أي دواء يقال عنه “تم اختباره في معمل إستاك بالسودان” يصبح مقبولاً في أفريقيا. ختم إستاك هو ما يفتح لهم سوق أفريقيا كلها. نحن نمنحهم الشرعية الأخلاقية والعلمية مجاناً.
*رابعاً: الفرصة الضائعة.. مصنع الشفاء*، المأساة تكتمل عندما نتذكر أن السودان أنشأ مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم بحري في بداية التسعينات سنة (1992)، وكان من أكبر مصانع الأدوية في أفريقيا والعالم العربي، ينتج (50%) من احتياجات السودان من الأدوية الأساسية. كان من الممكن أن يكون هذا هو المثلث الذهبي الذي حلمت به سويسرا نفسها: إستاك (البحث والتشخيص) + مصنع الشفاء (التصنيع) + جامعة الخرطوم (الكادر). إستاك يكتشف سلالة، ويطور تشخيصاً، ومصنع الشفاء يحولها إلى دواء، ونسجل براءة اختراع سودانية باسم السودان. نصبح نحن من نبيع الدواء لأفريقيا، لا من نشتريه. بدلاً من ذلك، قطعنا المثلث: تركنا إستاك للمعونات، وتركنا الشفاء يواجه مصيره وحيداً حتى قصف في (1998)، ثم أهمل، ثم دمرت بقية مصانع الدواء الوطنية مثل مصنع وفرة ومصنع عبد المنعم وغيرها بسبب سياسة استيراد الدواء الجاهز التي تخدم وكلاء الشركات الأجنبية. لو كان الربط موجوداً، لكان السودان اليوم يملك براءات اختراع لأدوية الكالازار والبلهارسيا والملاريا، مسجلة باسمه، ويبيعها لأفريقيا، ويأخذ عائدها بالدولار.
*خامساً: الجناح المنسي.. مركز القدال*، وما حدث لإستاك حدث لجناحه الآخر، *مركز بروفيسور القدال للتدريب وأبحاث الملاريا* ويُعرف تاريخياً باسم مركز سنار للتدريب وأبحاث الملاريا، الذي أنشئ سنة (1963) للتصنيف والتدريب والبحث العلمي لأبحاث الملاريا. كان هذا المركز هو الذراع الميداني لإستاك. إستاك يشخص في الخرطوم، والقدال يصنف البعوض ويجرب المكافحة في الجزيرة وسنار. كان المركز الوحيد في شرق أفريقيا لتدريب خبراء الملاريا، وتخرج فيه خبراء منظمة الصحة العالمية. وكان يمكن ربطه هو الآخر بالشفاء.
*سادساً: الحسرة الكبرى*
والحسرة الكبرى التي تلخص كل شيء: أن القائمين اليوم على أكبر المعامل في كينيا وجنوب أفريقيا، مثل معهد الأبحاث الطبية الكيني (KEMRI) ومعهد الأمراض السارية الجنوب أفريقي (NICD)، كلهم تدربوا في معمل إستاك ومركز القدال بسنار في الستينات والسبعينات. أخذوا دفتر إستاك: كيف تبني معملاً، وكيف تحفظ سلالة، وكيف تسجل براءة. عادوا لبلادهم وأسسوا معامل معتمدة عالمياً (ISO) و (FDA) ميزانيتها مئات الملايين. وبقينا نحن.. نرسل طلابنا اليوم ليدرسوا في كينيا وجنوب أفريقيا، عن مرض سوداني، بعينة سودانية، أخذت أصلاً من إستاك! تلميذ إستاك أصبح أستاذاً، وأستاذ إستاك أصبح ينتظر منحة من تلميذه ليفحص عينة.
*الخلاصة والتوصية الدستورية*، حسرة إستاك ليست حسرة على مبنى بشارع القصر، هي حسرة على عقلية تركت معهداً كان يسبق أفريقيا بمائة عام ليصبح تابعاً. ولذلك أقترح نصاً دستورياً لحمايته:
*المادة (حماية معمل إستاك وسيادة العينة البيولوجية وربطها بالصناعة الوطنية):*
(1) يعتبر معمل إستاك (المعمل القومي للصحة العامة) ومركز القدال ومصنع الشفاء وبقية مصانع الأدوية الوطنية ثروة قومية سيادية لا يجوز حلها أو بيعها. وينشأ لها صندوق سيادي موحد للبحث والتصنيع الدوائي ممول من (2%) من عائدات الذهب.
(2) تعتبر كل عينة بيولوجية (دم، (DNA)، طفيليات، سلالات بكتيرية، نواقل مرض) ثروة سيادية. لا يجوز إخراجها إلا باتفاقية تقاسم منافع (Benefit Sharing) ملزمة تضمن لمعمل إستاك نسبة لا تقل عن (30%) من أي براءة اختراع أو دواء، وتضمن أن يكون الباحث السوداني باحثاً رئيسياً (Principal Investigator).
(3) تلتزم الدولة بربط البحث بالصناعة وتسجيل براءة الاختراع باسم جمهورية السودان. العالم يحمي عيناته في بنوك جينية، ونحن نوزع عيناتنا مجاناً ثم نشتري دواءها.

م/ أحمد عباس حلمي عابدين – معهد (STSI) – للدراسات الاستراتيجية والاستثمارية