![]()

آمستردام: الخرطوم: كمبالا/ الإثنين 14 سبتمبر 2026: راديو دبنقا
تبدأ حواء، المقيمة في شرق النيل بولاية الخرطوم، حسابات يومها من المطبخ، لكنها كثيراً ما تنتهي عند الصيدلية وتكاليف العلاج والمواصلات. ففي أسرتها المكونة من سبعة أفراد، لم يعد تأمين الطعام وحده هو التحدي، إذ يعاني والدها من ارتفاع ضغط الدم، ووالدتها من السكري، بينما تخضع هي نفسها لعلاج بالحقن يمتد لثلاثة أشهر.
وتقول حواء لـ(دبنقا) إن الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها أسعار السلع خلال الأسبوعين الأخيرين زادت الضغط على الأسرة بصورة غير مسبوقة، مشيرة إلى أن بعض الأسعار ارتفعت، بحسب تقديرها، بما يصل إلى نحو 200 في المئة. وتوضح أن خمسة كيلوغرامات من السكر أصبحت تباع بنحو 33 ألف جنيه، بينما تراوح سعر لتر زيت كريستال بين 15 و16 ألف جنيه، ووصل سعر ربع البصل إلى نحو 14 ألف جنيه، فيما تباع ثلاث قطع من الخبز بألف جنيه.
أما غاز الطهي، فتقول إن سعر الأسطوانة وصل إلى نحو 105 آلاف جنيه، رغم التحذيرات من رفع الأسعار، مشيرة إلى أن التجار يواصلون زيادة السعر.
نصف ربع من اللحم لسبعة أشخاص
لا تتحدث حواء عن مشتريات استثنائية أو أصناف مكلفة، وإنما عن أبسط ما تحتاج إليه الأسرة يومياً، وتقول: “نحن أسرة كبيرة، سبعة أشخاص، ونشتري العدس والفاصوليا والخضروات العادية، مثل الخضرة والرجلة، ومعها نصف ربع من اللحم فقط للطبخة كلها”.
ويبلغ سعر ربع اللحم، بحسب حواء، نحو 12 ألف جنيه، فيما وصل سعر الكيلو إلى نحو 44 ألف جنيه، وقد يصل سعر اللحم الصافي إلى 50 ألف جنيه. وتوضح أن أسرتها لا تستطيع شراء كيلو أو حتى نصف كيلو من اللحم، لأن ذلك سيحدث عجزاً سريعاً في ميزانية الشهر.
وتقول إن نصف الربع الذي تشتريه الأسرة للطبخ أصبح يكلف ما بين ستة وسبعة آلاف جنيه، بعدما كان سعره يتراوح بين أربعة وخمسة آلاف جنيه، كما وصل سعر كيلو العدس إلى نحو سبعة آلاف جنيه، فيما بلغ سعر كيلو دقيق سيقا نحو أربعة آلاف وخمسمئة جنيه، ويباع في بعض المتاجر بخمسة آلاف جنيه.
ويستنزف الخبز وحده جزءاً كبيراً من الإنفاق اليومي، إذ تقول حواء إن أسرتها قد تشتري خبزاً بنحو ثمانية آلاف جنيه للفطور والغداء، ومع ذلك قد لا يكفي، بينما تحتاج الأسرة المتوسطة، بحسب تقديرها، إلى نحو عشرة آلاف جنيه يومياً للخبز فقط. وتضيف أن وجود ضيف في المنزل يعني زيادة فورية في المصروف، لأن الأسرة تضطر إلى شراء كمية إضافية.
ميزانية شهرية بلا دجاج أو سمك
تقدر حواء أن الإنفاق الشهري لأسرتها على الاحتياجات الأساسية وحدها قد يصل إلى نحو ملياري جنيه، مشيرة إلى أن إخوتها يرسلون في بداية الشهر نحو مليار جنيه، ثم يرسلون في منتصفه ملياراً آخر أو نحو 800 ألف جنيه. وتقول إن الشخص، حتى مع الحرص الشديد على تقليل المصروف، قد يحتاج إلى نحو مليار و800 ألف جنيه في الشهر.
لكن هذه الميزانية، بحسب حواء، لا تشمل الدجاج أو السمك أو أي طعام تعتبره الأسرة خارج نطاق الضروريات، وتقول: “هذه كلها حاجات عادية، لا يوجد فيها دجاج ولا سمك ولا أكل فاخر، وحتى اللحم لا نشتريه بالكيلو أو بنصف الكيلو، لأنك إذا فعلت ذلك ستعجز الميزانية وتبدأ الجهجهة”.
ثلاثة مرضى في منزل واحد
وتصبح الأزمة أكثر قسوة عندما تنتقل الأسرة من سوق الطعام إلى الصيدلية، فوالد حواء يحتاج إلى أدوية منتظمة لعلاج ضغط الدم، بينما تحتاج والدتها إلى علاج السكري، وتقول إن أقل ما تنفقه الأسرة على الدواء لهما خلال الشهر يصل إلى نحو 200 ألف جنيه. أما حواء نفسها فتخضع لعلاج خاص بالحقن لمدة ثلاثة أشهر، وتبلغ تكلفة الحقنة الواحدة نحو 600 ألف جنيه.
ولا تتوقف التكلفة عند ثمن الحقنة، إذ تقول حواء إنها تدفع في كل مرة نحو 50 ألف جنيه إضافية للحصول على الجرعة، إلى جانب تكلفة المواصلات من شرق النيل إلى الخرطوم والعودة، والتي تتراوح بين 15 و20 ألف جنيه.
وتوضح حواء أن الأطباء اختاروا العلاج بالحقن لأن العملية الجراحية التي تحتاج إليها معقدة، وتتطلب عدداً من الاختصاصيين، كما أن تكلفتها مرتفعة للغاية. وتقول إن تكلفة العملية قد تصل إلى نحو عشرة مليارات جنيه، لذلك فضل الطبيب مواصلة العلاج بالحقن لفترة، على أمل أن يجعل التدخل الجراحي لاحقاً أسهل وأقل تعقيداً.
وتشير إلى أن الجراحة أصبحت عموماً بعيدة عن متناول كثير من الأسر، موضحة أن بعض عمليات الكسور العادية قد تصل تكلفتها إلى نحو ثلاثة مليارات جنيه.
وبين علاج والدها ووالدتها وعلاجها الشخصي، تجد حواء نفسها أمام معادلة يومية صعبة، ماذا تشتري الأسرة أولاً، الطعام أم الدواء، وما الذي يمكن تأجيله، وما الذي لا يحتمل التأجيل.
من صحة الناس تعرف أنهم لا يأكلون
تقول حواء إن هذه الضغوط لا تخص أسرتها وحدها، بل تمتد إلى أعداد كبيرة من الأسر التي لا تملك دخلاً ثابتاً، أو تعتمد على رزق يومي محدود. وتضيف أن الأشخاص الذين يعملون باليومية، أو الذين لا يملكون مصدر دخل منتظماً، أصبح من الصعب عليهم توفير احتياجاتهم الأساسية، حتى إن بعض من يتلقون تحويلات مالية من أقاربهم لا يستطيعون توفير تكلفة الوجبة اليومية بصورة مستقرة.
وترى حواء أن مظاهر الأزمة أصبحت واضحة على أجساد الناس وصحتهم، حتى وإن لم يتحدثوا صراحة عن الجوع، وتقول: “هناك شبه مجاعة، صحيح أن الناس داخل بيوتهم ولا ترى ما يحدث فيها، لكنك تعرف من صحة الناس ومن شكلهم أنهم لا يأكلون بصورة كافية”.
وبالنسبة لحواء، لم يعد الغلاء مجرد أرقام تتغير في السوق، بل أصبح سلسلة من التنازلات اليومية، كمية أقل من اللحم، خبز لا يكفي، أصناف يتم الاستغناء عنها، دواء لا يمكن تأجيله، ومصاريف علاج ومواصلات تلتهم ما تبقى من ميزانية الأسرة.
وفي منزل يضم سبعة أشخاص وثلاثة مرضى يحتاجون إلى علاج، تحاول الأسرة كل شهر أن تعيد ترتيب أولوياتها، لكن الأسعار، كما تقول حواء، ترتفع بوتيرة أسرع من أي محاولة للتكيف معها.
The post مليارا جنيه شهرياً بلا دجاج أو سمك.. أسرة بالخرطوم تقتسم نصف ربع لحم بين 7 أفراد appeared first on Dabanga Radio TV Online.