![]()
على مدرج مطار كابل، في أغسطس/ آب 2021، كانت الطائرات الأميركية تنهي أطول حروب الولايات المتحدة، فيما استعادت حركة طالبان العاصمة التي أُسقط حكمها قبل عشرين عامًا. وفي بغداد، كانت القوات الأميركية تستعد بعد خمس سنوات لمرحلة جديدة من تقليص حضور التحالف الذي عاد إلى العراق عام 2014 لمحاربة تنظيم خرج من الفوضى التي أعقبت الغزو الأميركي.
يختصر المشهدان قوسًا بدأ بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 ولم يُغلق تمامًا.
انطلقت الحرب الأولى لضرب تنظيم القاعدة وإسقاط النظام الذي استضاف قيادته في أفغانستان. أما الحرب الثانية، فوصلت إلى العراق من دون أن يثبت أن بغداد شاركت في الهجمات أو أقامت علاقة عملياتية مع منفذيها. مع ذلك، ضُمّ الغزو إلى المشروع الأوسع الذي حمل اسم “الحرب على الإرهاب“، واستفاد من المناخ السياسي والأمني الذي أنتجته الهجمات.
بعد ربع قرن، لم تبقَ الجيوش الأميركية في كابل وبغداد بالصورة نفسها، ولم تعد واشنطن تتحدث عن إعادة بناء الدول كما فعلت مطلع القرن. بقيت، في المقابل، دول أضعفتها الحروب، وجماعات مسلحة غيّرت أسماءها وأشكالها، ونفوذ إقليمي تمدد داخل الفراغ، ونمط من التدخل يعتمد على المسيّرات والقوات الخاصة والشركاء المحليين بدل الاحتلال الواسع.
كابل.. عادت الحركة وسقطت الدولة التي بُنيت لإقصائها
بدأت الولايات المتحدة حرب أفغانستان في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2001. خلال أسابيع، أُزيحت طالبان عن الحكم وفرّت قيادة القاعدة، فبدا أن الهدف العسكري الأول تحقق سريعًا. لكن إسقاط النظام تحول إلى مهمة أكبر بكثير: بناء دولة مركزية جديدة، وصوغ دستور، وتنظيم انتخابات، وتأسيس جيش وشرطة قادرين على حفظ النظام من دون وجود عسكري أجنبي.
استمرت المهمة عشرين عامًا وتعاقبت عليها إدارات أميركية متعددة، بينما تغيرت أهدافها ومواعيدها. حققت أفغانستان خلال تلك المرحلة مكاسب فعلية في التعليم والصحة والإعلام ومشاركة النساء في الحياة العامة، لكن مؤسسات الدولة ظلت شديدة الاعتماد على التمويل والحماية الخارجيين، فيما استمرت طالبان في القتال ووسعت نفوذها خارج المدن الكبرى.
خلص المفتش الأميركي الخاص بإعادة إعمار أفغانستان إلى أن واشنطن عانت غياب استراتيجية متماسكة، ووضعت جداول زمنية غير واقعية، ولم تفهم بما يكفي السياق السياسي والاجتماعي الذي حاولت تغييره. أنفقت الولايات المتحدة نحو 145 مليار دولار على إعادة الإعمار، إضافة إلى الكلفة العسكرية الهائلة، لكن الجيش والمؤسسات اللذين بُنيا خلال عقدين انهارا بسرعة بعد رفع الغطاء الأميركي.
دخلت طالبان كابل في 15 أغسطس/ آب 2021، ثم سيطرت على معظم أجزاء المطار مع اكتمال الإجلاء الأجنبي. عادت الحركة التي بدأت الحرب لإسقاطها، بينما انهارت الدولة التي كان يفترض أن تشكل البديل الدائم منها.
بغداد.. حين تجاوزت الحرب منفذي الهجمات
بعد أقل من عامين على دخول أفغانستان، غزت الولايات المتحدة العراق. استندت إدارة جورج بوش إلى اتهامات بامتلاك أسلحة دمار شامل وإلى حديث عن صلات بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة. لم يُعثر على تلك الأسلحة، ولم يثبت وجود دور عراقي في هجمات 11 سبتمبر أو علاقة عملياتية تعاونية بين النظام والتنظيم.
شكّل الغزو بهذا المعنى لحظة توسعت فيها الحرب من ملاحقة المسؤولين عن الهجمات إلى استخدام القوة ضد دولة لم تكن طرفًا فيها.
أسقطت القوات الأميركية نظام صدام حسين خلال أسابيع، ثم اتخذت سلطة الاحتلال قرارين تركا أثرًا طويلًا: اجتثاث حزب البعث من المؤسسات، وحل الجيش ووزارة الدفاع وأجهزة أمنية أخرى. دفع القراران أعدادًا كبيرة من الموظفين والعسكريين خارج الدولة الجديدة، في وقت لم تكن فيه سلطة الاحتلال تملك جهازًا قادرًا على ضبط الأمن أو إدارة البلاد.
تأسس مجلس الحكم على توزيع مقاعد بين قوى شيعية وسنية وكردية ومكونات أخرى، فرسّخ تحويل الهوية الطائفية والقومية إلى قاعدة لاقتسام السلطة. أتاح النظام الجديد انتخابات وتداولًا سياسيًا لم يكونا ممكنين في عهد صدام، لكنه أنتج أيضًا محاصصة أعادت توزيع موارد الدولة ومؤسساتها بين الأحزاب.
لهذا لم يستبدل الغزو نظامًا بآخر فقط؛ فقد غيّر الطريقة التي تُبنى بها السلطة العراقية، والعلاقة بين مؤسسات الدولة والجماعات السياسية والمسلحة. وما زال العراق، بعد أكثر من عقدين، يحاول الانتقال من دولة تتقاسمها القوى إلى دولة تحتكر القرار والسلاح.
من القاعدة إلى تنظيم الدولة.. تهديد أعاد إنتاج نفسه
وفّر فراغ ما بعد الغزو ساحة جديدة للجماعات الجهادية. بدأ أبو مصعب الزرقاوي العمل في العراق تحت اسم “جماعة التوحيد والجهاد“، ثم أعلن مبايعته أسامة بن لادن عام 2004، فتحولت جماعته إلى “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين“.
استهدف التنظيم المدنيين ومؤسسات الدولة والقوات الأجنبية، وعمل على إشعال صراع طائفي واسع.
بعد مقتل الزرقاوي، مرّ التنظيم بسلسلة تحولات انتهت إلى ظهور “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق“، ثم تمدده إلى سوريا وإعلانه “الدولة الإسلامية في العراق والشام“.
بلغ هذا المسار ذروته في يونيو/ حزيران 2014، عندما سقطت الموصل وسيطر التنظيم على مساحات واسعة من العراق وسوريا. اضطرت واشنطن إلى العودة على رأس تحالف دولي لمحاربة تنظيم خرج من الفراغ الذي أعقب حربها الأولى. وتوضح خلاصة لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن الصلة التنظيمية الممتدة من جماعة الزرقاوي والقاعدة في العراق إلى الشبكات التي ظهرت لاحقًا.
انتهت السيطرة الإقليمية الواسعة لتنظيم الدولة، لكن التنظيم لم يختفِ. بقيت خلاياه في العراق وسوريا، وانتقلت فروع تحمل اسمه إلى ساحات أخرى، بينها أفغانستان نفسها. وهكذا ضعفت القيادة المركزية للقاعدة التي نفذت هجمات 11 سبتمبر، لكن النموذج الجهادي أعاد تشكيل نفسه في جماعات أكثر انتشارًا وأقل ارتباطًا بمركز واحد.
فراغ ملأته إيران وفصائل مسلحة
أزال التدخل الأميركي خلال عامين اثنين من خصوم إيران الأساسيين: طالبان على حدودها الشرقية ونظام صدام حسين على حدودها الغربية. عادت طالبان لاحقًا بعلاقة أكثر تعقيدًا مع طهران، لكن التحول الأكبر وقع في العراق.
وصلت إلى الحكم قوى عراقية أمضى عدد من قادتها سنوات في المنفى الإيراني، وبنت طهران علاقات سياسية وأمنية واقتصادية واسعة داخل النظام الجديد. بعد ظهور تنظيم الدولة، اكتسبت الفصائل المدعومة من إيران دورًا أكبر تحت مظلة “الحشد الشعبي“، وشاركت في منع سقوط مدن إضافية واستعادة مناطق من التنظيم.
دخلت فصائل عديدة لاحقًا مؤسسات الدولة والبرلمان، فيما حافظت على تنظيمها المسلح وعلاقاتها الإقليمية. منح ذلك إيران نفوذًا يتجاوز العلاقات التقليدية بين دولتين، ويربطها بقوى تعمل داخل النظام السياسي والأمني العراقي.
حرب أقل ظهورًا.. لا حرب أقل اتساعًا
دفعت تجربتا أفغانستان والعراق واشنطن إلى الابتعاد عن نموذج الاحتلال الواسع. لم تعد هناك شهية سياسية لإرسال مئات آلاف الجنود، وإسقاط حكومات، ثم تولي مسؤولية الأمن والإدارة وإعادة الإعمار سنوات طويلة.
حلّ تدريجيًا نموذج أخف من حيث الوجود البري المباشر: طائرات مسيّرة، وقوات خاصة، وضربات جوية، وتبادل معلومات، وتدريب جيوش، وشركاء محليون يقاتلون على الأرض. لا تُعد الحروب بالوكالة اختراعًا لما بعد 11 سبتمبر، لكن التجربتين سرّعتا الانتقال الأميركي من احتلال الدول إلى إدارة التهديدات عن بعد.
امتدت عمليات مكافحة الإرهاب إلى اليمن والصومال وليبيا وسوريا ومناطق أخرى. ووفق مشروع “كلفة الحرب” في جامعة براون، نفذت الولايات المتحدة بين 2021 و2023 أنشطة لمكافحة الإرهاب في 78 دولة، شملت قتالًا بريًا في تسع دول على الأقل وضربات جوية في أربع.
ظهر التحول نفسه في العراق. انسحبت القوات الأميركية نهاية 2011، ثم عادت عام 2014 ضمن التحالف المناهض لتنظيم الدولة. وبعد سنوات من انتهاء المعارك الكبرى، بدأت قوات التحالف الانسحاب من قواعد في شمال العراق عام 2026. تغير حجم الوجود ومهمته، لكن العلاقة الأمنية التي أنشأتها الحرب بقيت.
رافق هذا التحول توسع قوانين المراقبة والتوقيف وتبادل البيانات وتشديد الحدود داخل الولايات المتحدة وخارجها. تحولت بعض الإجراءات التي قُدمت بعد الهجمات بوصفها استثنائية ومؤقتة إلى أجزاء دائمة من عمل الدول. ويتناول الجزء التالي من هذا الملف هذه الزاوية بتفصيل أوسع: كيف انتقل استثناء 11 سبتمبر الأمني من المطارات إلى الهواتف والحياة اليومية؟
ملايين الضحايا خارج الحساب العسكري
لا توجد حصيلة واحدة متفق عليها لكلفة حروب ما بعد 11 سبتمبر، لأن نطاقها يتجاوز أفغانستان والعراق، ولأن ضحايا تدمير المستشفيات والمياه والاقتصاد لا يدخلون دائمًا في عداد قتلى المعارك.
يقدّر مشروع “كلفة الحرب” أن أعمال العنف المباشر في حروب ما بعد 11 سبتمبر أودت بحياة أكثر من 940 ألف شخص في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن وباكستان بين 2001 و2023، بينهم أكثر من 432 ألف مدني. ويرفع المشروع الحصيلة إلى ما بين 4.5 و4.7 ملايين عند احتساب الوفيات غير المباشرة الناجمة عن انهيار الاقتصاد والخدمات الصحية والبنية التحتية.
تكشف هذه الأرقام حجمًا لا يظهر في صور الانسحاب ولا في إعلانات انتهاء المهمات. فقد تركت الحروب مدنًا مدمرة، وملايين النازحين واللاجئين، وأجيالًا نشأت تحت الاحتلال أو في المخيمات، ومؤسسات فقدت قدرتها على توفير أبسط الخدمات.
تحمل الموصل والفلوجة وبغداد وكابل أسماء المعارك، لكن أثر الحرب انتقل منها إلى المدرسة والمستشفى وسوق العمل والحدود. انتهت عمليات عسكرية كثيرة، فيما بقيت كلفتها موزعة على حياة أشخاص لم يكونوا طرفًا في القرار الذي أطلقها.
ما الذي بقي بعد ربع قرن؟
بقيت أفغانستان تحت حكم الحركة التي بدأت الحرب لإسقاطها، وبقي العراق يصارع نظام المحاصصة وتعدد مراكز القوة والسلاح. بقي نفوذ إيراني توسع داخل الفراغ، وتنظيمات جهادية خسرت أراضيها من دون أن تفقد قدرتها على تغيير أسمائها والانتقال بين الساحات.
بقي أيضًا حضور أميركي مختلف. تراجعت الجيوش الكبيرة، لكن القواعد والمسيّرات والقوات الخاصة والشراكات الأمنية استمرت. انتقلت واشنطن من محاولة إدارة الدول إلى إدارة المخاطر، ومن البحث عن انتصار نهائي إلى احتواء تهديدات لا تملك نهاية زمنية واضحة.
ألغت الولايات المتحدة في ديسمبر/ كانون الأول 2025 تفويضي استخدام القوة المرتبطين بحربي الخليج والعراق، بعد أكثر من عقدين على سقوط نظام صدام. ومع ذلك، بقي تفويض سبتمبر/ أيلول 2001، الذي منح الرئيس صلاحيات واسعة لملاحقة المسؤولين عن الهجمات والقوى المرتبطة بهم، جزءًا من الإطار القانوني للحرب.
