من الاحتلال إلى محو الدولة.. لماذا أعلن صدام الكويت محافظة عراقية؟

من الاحتلال إلى محو الدولة.. لماذا أعلن صدام الكويت محافظة عراقية؟

Loading

بعد 26 يومًا من اجتياح الكويت، اتخذ نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين خطوة تجاوزت الاحتلال العسكري إلى محاولة إلغاء الدولة الكويتية من الخريطة السياسية والإدارية.

ففي 28 أغسطس/ آب 1990، أعلنت بغداد تقسيم الأراضي الكويتية، فألحقت الجزء الشمالي بمحافظة البصرة، بينما حوّلت معظم البلاد إلى “محافظة الكويت”، باعتبارها المحافظة التاسعة عشرة في العراق.

جاء القرار بعد الغزو الذي بدأ في 2 أغسطس/ آب من ذلك العام، وإعلان ضم الكويت بعدها بستة أيام، ليصبح الاحتلال خلال أسابيع قليلة مشروعًا لدمج الدولة الكويتية داخل العراق.


من الغزو إلى الضم


دخلت القوات العراقية الكويت فجر 2 أغسطس 1990، وسيطرت سريعًا على معظم أراضيها، فيما غادر أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح وأعضاء الحكومة إلى السعودية.

وفي اليوم نفسه، أدان مجلس الأمن الدولي الغزو عبر القرار 660، مطالبًا بغداد بسحب قواتها فورًا. وبعد أربعة أيام، فرض المجلس عقوبات اقتصادية واسعة بموجب القرار 661، داعيًا الدول إلى عدم الاعتراف بأي سلطة تنشئها القوات العراقية في الكويت.

حاولت بغداد بدايةً تقديم الغزو على أنه تحرك كويتي داخلي، فأعلنت تشكيل “الحكومة الكويتية الحرة المؤقتة”، لكنها تخلت سريعًا عن هذه الصيغة.

وفي 8 أغسطس، أعلن العراق ضم الكويت، وقدم الخطوة على أنها استجابة لطلب الحكومة المؤقتة وإقامة ما سمته “الوحدة الاندماجية”.

وفي اليوم التالي، رفض مجلس الأمن الضم بالقرار 662، مؤكدًا أنه باطل ولا يترتب عليه أي أثر قانوني.


لماذا عاد العراق إلى مطالب قديمة؟


لم تبدأ المطالبات العراقية بالكويت مع صدام حسين، فعقب استقلال الكويت عن بريطانيا عام 1961، أعلن رئيس الوزراء العراقي آنذاك عبد الكريم قاسم أن “الكويت جزء من العراق”، مستندًا إلى قراءة للتاريخ العثماني وعلاقة الكويت بولاية البصرة.

وأعاد نظام صدام استخدام هذه الرواية عام 1990، مقدمًا الضم باعتباره إعادة الكويت إلى ما وصفه بـ”الوطن الأم”.

لكن بغداد كانت قد اعترفت رسميًا باستقلال الكويت قبل نحو ثلاثة عقود، ففي 4 أكتوبر/ تشرين الأول 1963، وقّع العراق والكويت محضرًا اعترف فيه العراق باستقلال الكويت وسيادتها وحدودها، وسُجل الاتفاق لدى الأمم المتحدة في العام التالي.

لذلك، لم يكن ضم 1990 استمرارًا لموقف قانوني عراقي ثابت، بل إعادة إحياء لمطالبة سابقة تخلت عنها الدولة العراقية رسميًا.


الديون والنفط والجغرافيا


خرج العراق من حربه مع إيران عام 1988 مثقلًا بالديون وتكاليف إعادة الإعمار، وتشير تقديرات أميركية إلى أن ديونه لدائنين خليجيين بلغت نحو 37 مليار دولار عام 1990.

وطالب صدام الكويت والإمارات بإلغاء ديونه، معتبرًا أن العراق خاض الحرب دفاعًا عن أمن الخليج، كما اتهم البلدين بتجاوز حصص إنتاج النفط، ما كان يساهم، بحسب بغداد، في خفض الأسعار والإضرار بالإيرادات العراقية.

واتهم العراق الكويت أيضًا باستخراج النفط من حقل الرميلة قرب الحدود، وهو اتهام كان موضع خلاف بين الطرفين.

لكن النفط لم يكن العامل الوحيد، فالعراق يمتلك منفذًا بحريًا محدودًا على الخليج، وكانت جزيرتا بوبيان ووربة والممرات البحرية موضع اهتمام إستراتيجي عراقي، خصوصًا بعد الحرب مع إيران.

وعندما ألحقت بغداد شمال الكويت بمحافظة البصرة، بدا أن إعادة رسم الحدود تخدم أيضًا حسابات تتعلق بالمنافذ والمناطق الحدودية.


لماذا اختار صدام الضم الكامل للكويت؟


كان بإمكان بغداد الإبقاء على حكومة كويتية موالية لها، والحفاظ شكليًا على استقلال البلاد، لكنها اختارت الضم الكامل.

وكان لهذا الخيار بعد سياسي داخلي، إذ إن تقديم الكويت باعتبارها أرضًا عراقية يجعل استمرار السيطرة عليها، وفق رواية النظام، مختلفًا عن احتلال دولة مستقلة.

كما منح الضم بغداد سقفًا أعلى في أي مفاوضات، إذ انتقل الخلاف من الديون والنفط والحدود إلى قضية انسحاب العراق من دولة أعلن أنها أصبحت جزءًا منه.

لكن النتيجة كانت عكسية، إذ وحّد القرار الموقف الدولي الرافض للضم وجعل التراجع عنه شرطًا أساسيًا لإنهاء الأزمة.


نهاية “المحافظة التاسعة عشرة”


في 29 نوفمبر 1990، أصدر مجلس الأمن القرار 678، مانحًا العراق مهلة حتى 15 يناير/ كانون الثاني 1991 للانسحاب، ومجيزًا استخدام “كل الوسائل الضرورية” بعد انتهاء المهلة.

لم تنسحب القوات العراقية، فبدأت العمليات العسكرية للتحالف بقيادة الولايات المتحدة في 16 يناير، ثم الهجوم البري في فبراير/ شباط.

وبنهاية الشهر، خرجت القوات العراقية من الكويت، وانتهى عمليًا مشروع “المحافظة التاسعة عشرة”.

أما الاعتراف العراقي الرسمي بسيادة الكويت واستقلالها وحدودها فجاء لاحقًا، في نوفمبر 1994.