من الضربات إلى العقوبات الأميركية.. هل فشل الخيار العسكري ضد إيران؟

من الضربات إلى العقوبات الأميركية.. هل فشل الخيار العسكري ضد إيران؟

Loading

من الضغط الأقصى إلى الحرب، ثم إلى ما تصفه واشنطن اليوم بأنه “أكبر هجوم مالي على الإطلاق“، تدخل المواجهة الأميركية مع إيران مرحلة جديدة، في وقت لا يزال فيه الملف النووي دون اتفاق نهائي، بينما يبقى مضيق هرمز في قلب الصراع.

وبعد نحو ستة أشهر من اندلاع الحرب، تتجه واشنطن إلى تشديد الضغط الاقتصادي على طهران، بالتوازي مع استمرار التحركات الدبلوماسية والوساطات الرامية إلى إعادة فتح مسار التفاوض.

وفي هذا السياق، يقول الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن إيران تنهار، بينما كشف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عن حزمة جديدة من العقوبات تستهدف شرايين الاقتصاد الإيراني، إلى جانب الجهات التي تعتبرها واشنطن داعمة لطهران أو مساعدة لها على تجاوز العقوبات.

لكن وراء التصعيد المالي سؤالًا سياسيًا أكبر: كيف انتقل المسار من سياسة “الضغط الأقصى” إلى الحرب، ثم إلى تفاهمات مؤقتة، وصولًا إلى مرحلة جديدة من التصعيد الاقتصادي؟

كيف بدأت سياسة الضغط الأقصى ضد إيران؟

القصة لم تبدأ مع اندلاع الحرب، بل قبل ذلك بوقت، عندما أعادت إدارة ترمب تفعيل سياسة “الضغط الأقصى” بهدف خفض صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر.

وتوسعت العقوبات لتشمل شبكات النفط والوسطاء وشركات الشحن، إضافة إلى ما يُعرف بـ”أسطول الظل”، الذي تستخدمه طهران للالتفاف على القيود المفروضة على صادراتها النفطية.

وبذلك، لم يعد الضغط الأميركي يستهدف الحكومة الإيرانية بصورة مباشرة فقط، وإنما امتد إلى شبكات التمويل والنقل والتجارة التي تساعد الاقتصاد الإيراني على الاستمرار

في 28 فبراير/ شباط 2026، اندلعت الحرب، لكن الخيار العسكري لم يحل محل العقوبات الاقتصادية، بل سار المساران بالتوازي.

ففي الوقت الذي استمرت فيه الضربات العسكرية، واصلت واشنطن الضغط على قطاع النفط والتمويل والملاحة، في محاولة لرفع تكلفة استمرار المواجهة على طهران.

ومع إطالة أمد الحرب وتعثر وقف إطلاق النار، عاد مضيق هرمز إلى واجهة الصراع، بعدما تحول إلى إحدى أبرز نقاط الخلاف بين الجانبين.

ماذا حدث بعد تفاهمات إسلام آباد؟

في يونيو/ حزيران، انتقل الطرفان إلى تفاهمات رعتها إسلام آباد، ترافقت مع وقف لإطلاق النار ونافذة للتفاوض حول الملفات الأوسع.

وبدا في البداية أن هذه التفاهمات قد توفر فرصة لفتح مسار سياسي، إلا أن الخلافات بقيت عميقة، خصوصًا فيما يتعلق بالملف النووي ومضيق هرمز. وسرعان ما بدأت التفاهمات في فقدان زخمها، بعدما تصاعد الخلاف بشأن ترتيبات الملاحة في المضيق.

وتمسكت طهران بترتيبات جديدة لمضيق هرمز، إلى جانب اتفاق ثنائي مع سلطنة عمان، بينما رفضت واشنطن هذه المقاربة، وتصاعدت لهجة ترمب بشأن المضيق إلى حد التهديد بإعلان أنه أرض أميركية.

اليوم، تبدو واشنطن وكأنها تنتقل من محاولة تحقيق الحسم العسكري إلى رفع كلفة عدم التوصل إلى اتفاق، ليس على إيران وحدها، وإنما على الجهات التي تتعامل معها أيضًا.

وقال بيسنت إن أي كيان يسهل عمليات غسل الأموال نيابة عن إيران يمكن أن يُستبعد من النظام المالي القائم على الدولار الأميركي، في تحذير يعكس اتساع نطاق الحملة الاقتصادية.

وبذلك، لا تركز العقوبات الجديدة على الاقتصاد الإيراني وحده، بل تستهدف كذلك الشبكات الخارجية التي ترى واشنطن أنها تساعد طهران على الوصول إلى الأموال أو تصدير النفط أو تجاوز القيود المفروضة عليها.

كيف ترد طهران على التصعيد المالي؟

طهران تقرأ التحول الأميركي بطريقة مختلفة. وقبل إعلان حزمة العقوبات الجديدة، اعتبرت إيران أن اللجوء إلى ما تصفه بـ”الحرب المالية” يمثل دليلًا على أن واشنطن لم تحقق أهدافها عسكريًا.

وقال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي إن لجوء الولايات المتحدة إلى الحرب المالية يثبت، من وجهة نظر طهران، زيف المزاعم الأميركية بشأن تحقيق أهداف الحرب.

من جانبه، ذهب رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن الولايات المتحدة تدرك أن وضعها الاقتصادي لا يسمح لها بفرض مزيد من القيود على علاقاتها مع الدول الأخرى.

رغم التصعيد، لم يتوقف المسار الدبلوماسي بالكامل، وفي أحدث التحركات، وصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران في ثالث زيارة له منذ دخول إسلام آباد على خط الوساطة.

وقال قاليباف إن مباحثاته مع منير تناولت ما وصفه بحالات عدم وفاء الولايات المتحدة بتعهداتها وفق مذكرة التفاهم.

كما يُنتظر أن يصل وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي إلى طهران، في إطار التحركات الرامية إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة رغم تصاعد التوتر.

حتى الآن، لم تسقط تفاهمات إسلام آباد رسميًا بالكامل، لكنها فقدت جزءًا كبيرًا من مضمونها السياسي.

فوقف إطلاق النار تعثر، والمفاوضات لم تحقق اختراقًا حاسمًا، بينما ظل مضيق هرمز نقطة خلاف رئيسية. وفي الوقت نفسه، عادت واشنطن إلى التصعيد عبر حزمة عقوبات واسعة تستهدف إيران والشبكات التي تتعامل معها، بما في ذلك ما يعرف بـ”أسطول الظل”، وسط ترقب لردة فعل طهران على هذا الهجوم الاقتصادي.

هل فشلت سياسة الضغط الأقصى؟

وفي هذا السياق، أوضح عَلَم صالح أستاذ الدراسات الإيرانية في الجامعة الأسترالية أن العودة إلى خيار الضغوط الاقتصادية تكشف بوضوح عن فشل وهزيمة عسكرية أميركية.

وأضاف في حديثه للتلفزيون العربي من طهران: لو كان الهجوم العسكري الأميركي والإسرائيلي على إيران قد حقق نجاحًا، لما وصلنا إلى الوضع الراهن.

وأشار إلى أن أصل هذا التصعيد العسكري جاء نتيجة إخفاق سياسة “الضغط الأقصى” التي أطلقها ترمب منذ عام 2018 عقب انسحابه من الاتفاق النووي، حينها كان الرهان على انهيار الاقتصاد الإيراني خلال أسابيع أو أشهر، وهو ما لم يحدث.

وتابع: “في الصيف الماضي شنوا هجومًا على إيران، وقبل ستة أشهر أيضًا، لكن الحرب التي استمرت اثني عشر يومًا لم تحقق أيًا من الأهداف الأميركية ـ الإسرائيلية، ثم تلتها حرب أخرى انتهت بالنتيجة نفسها”.

وأوضح أن واشنطن وتل أبيب لم تتمكنا من فتح مضيق هرمز كما وعد ترمب، فلجأ إلى العقوبات الاقتصادية. وأضاف: لا ننسى أن ترمب كرر عشرات المرات خلال الأشهر الماضية أن إيران انهزمت وأن اقتصادها انهار وأن قدراتها العسكرية تلاشت، لكن كل هذه الادعاءات لم تكن صحيحة ولا دقيقة على الإطلاق.

“واشنطن تراهن على العقوبات”

من جانبه، قال مارك فايفل المستشار السابق للأمن القومي الأميركي، إن واشنطن تأمل أن تؤتي العقوبات المفروضة على إيران ثمارها.

وأوضح أن البيت الأبيض، بقيادة ترمب، يواصل الضغط على إيران عبر قطاع النفط، فيما تعمل طهران على امتصاص هذا الضغط وتحويله إلى مضيق هرمز، حيث وضعت بعض السفن على اللائحة السوداء، كما فعّلت وكلاءها مثل الحوثيين الذين يشنون هجمات متكررة.

وأضاف فايفل، في حديثه للتلفزيون العربي من واشنطن، أن هذه المواجهة ما زالت مستمرة، وأن العقوبات تتوسع بشكل ملحوظ، مشيرًا إلى أن بعض آثارها بدأت تظهر بالفعل.