من الفاشر إلى أم درمان.. حتى القبر له ثمن

من الفاشر إلى أم درمان.. حتى القبر له ثمن

Loading

أمدرمان ـ محجوب حسون | 3 سبتمبر 2026م

لم تكن رحلة الأستاذة منى محمد حسن طويل، مربية الأجيال وأستاذة اللغة الإنجليزية بالدرجة الأولى في الفاشر، إلى مثواها الأخير تشبه رحلات الراحلين عادةً.

غادرت الفاشر، مدينة السلطان، في رحلة نزوح قاسية برفقة أسرتها، بعدما دفعت الحرب سكان المدينة إلى مغادرة منازلهم بحثًا عن الأمان. وانتهى بها المطاف في أمبدة، الحارة العاشرة بأمدرمان، قبل أن يوافيها الأجل صباح الخميس، الثالث من سبتمبر 2026.

كانت منى، بحسب ذويها، تنتمي إلى أسرة عُرفت بالعلم والثقافة في ولاية شمال دارفور، وهي عمة الأستاذ سيد أحمد حسن محمد. لكن مأساة رحيلها لم تتوقف عند فقدانها؛ إذ تحولت مراسم دفنها إلى واقعة أثارت دهشة أفراد الأسرة والحاضرين.

«الدفن بقروش»

بعد صلاة الصبح، توجه ذوو الراحلة ومرافقوها إلى مقابر حمد النيل بأمدرمان لمواراتها الثرى.

هناك، يقول أحد المشاركين في مراسم الدفن، فوجئ الحضور بطلب دفع مبلغ مالي مقابل تجهيز القبر.

وبحسب روايته، طالب المسؤول عن المقبرة في البداية بمبلغ 350 ألف جنيه، قبل أن تتدخل مجموعة من الحاضرين في محاولة لتخفيض المبلغ، خصوصًا أن الأسرة لم تكن مستعدة لمثل هذه النفقات في لحظة فاجعة.

وانتهت المفاوضات، وفق الرواية، إلى خفض المبلغ إلى 250 ألف جنيه، بحجة ارتفاع تكلفة الطوب الحراري المستخدم في تجهيز القبر.

ولم تتوقف المفارقة عند ذلك؛ إذ أُبلغ الحضور بإمكانية تحويل المبلغ عبر تطبيق «بنكك»، وهو ما حدث بالفعل عقب إتمام الدفن.

هكذا، في لحظة يفترض أن يكون فيها الموتى متساوين أمام التراب، وجد أهل الراحلة أنفسهم أمام فاتورة لم تكن في حساباتهم.

حين يصبح الموت عبئًا إضافيًا

القصة، في جوهرها، لا تتعلق فقط بمبلغ مالي دُفع لدفن امرأة أفنت سنوات من عمرها في التعليم، وإنما تفتح سؤالًا أوسع عن حال المقابر والخدمات المرتبطة بها في ظل ظروف الحرب والانهيار الاقتصادي.

فإذا كان الموت نفسه لا يترك للإنسان خيارًا، فهل ينبغي أن يتحول دفن الميت إلى عبء مالي قد تعجز عنه أسرة فقيرة أو نازحة؟

وما الذي يحدث لمن لا يملك ثمن القبر أو تكاليف تجهيزه؟

أسئلة بدت حاضرة بقوة أمام أسرة الأستاذة منى، التي جاءت إلى أمدرمان بعد رحلة نزوح طويلة من الفاشر، لتجد نفسها في مواجهة تكلفة إضافية في أكثر لحظات حياتها قسوة.

مقابر حمد النيل.. حياة خلف الأسوار

لكن المشهد في مقابر حمد النيل، بحسب ما يروي شهود، يتجاوز مسألة رسوم الدفن.

فالمقابر، التي يفترض أن تكون فضاءً للسكينة والحرمة، تبدو ـ وفق إفادات محلية ـ وكأنها باتت تضم حركة يومية وتجارية لافتة، إلى جانب وجود أشخاص يبيتون داخلها.

ويقول شهود إنهم سمعوا روايات عن أنشطة مخالفة للقانون، من بينها تداول المخدرات وممارسات لا تليق بحرمة المكان، وهي روايات تحتاج إلى تحقيق مستقل من الجهات المختصة قبل القطع بصحتها.

وتزيد حساسية هذه الإفادات من وطأة الأسئلة، خاصة أن مقابر حمد النيل تقع بالقرب من مؤسسات علمية وتعليمية معروفة.

من الفاشر إلى أمدرمان.. رحلة لم تكتمل

كانت منى محمد حسن طويل واحدة من آلاف السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى النزوح من مدنهم وقراهم.

خرجت من الفاشر بحثًا عن الأمان، واستقرت في أمدرمان، لكنها لم تجد في نهايتها سوى رحلة أخرى؛ من منزل النزوح إلى القبر.

واللافت في قصتها أن المرأة التي خدمت أجيالًا من الطلاب بوصفها معلمة للغة الإنجليزية، لم تنتهِ رحلتها عند حدود الفقد، بل تركت وراءها سؤالًا عن كرامة الموتى وحقوق الأحياء الذين يودعونهم.

رحم الله الأستاذة منى محمد حسن طويل، وأسكنها فسيح جناته، وألهم أهلها وذويها وطلابها وزملاءها الصبر والسلوان.

وربما يكون رحيلها مناسبة لفتح ملف أوسع: من يدير المقابر؟ وهل أصبحت مراسم الدفن في بعض المواقع خدمة مدفوعة بلا ضوابط واضحة؟

ففي بلد أنهكته الحرب والنزوح والفقر، قد يبدو السؤال مؤلمًا، لكنه ضروري: هل أصبح حتى الموت له ثمن؟