![]()
لم تتطور العقيدة العسكرية الإسرائيلية عبر وثيقة واحدة ثابتة، وإنما تشكلت تدريجيًا تحت ضغط الحروب والإخفاقات والتحولات الإقليمية. فمن مواجهة الجيوش العربية والحاجة إلى حسم سريع، انتقل الجيش الإسرائيلي إلى التعامل مع الانتفاضات والتنظيمات المسلحة والتهديدات الصاروخية، ثم إلى الحروب السيبرانية والمسيّرات واحتمال اندلاع مواجهة طويلة ومتعددة الجبهات.
وخلال هذا المسار، أصدر الجيش الإسرائيلي سلسلة من الوثائق والخطط التي حاولت الإجابة عن التغيرات التي طرأت على طبيعة الخصوم وساحات القتال. اتخذ بعضها طابعًا استراتيجيًا يحدد طريقة استخدام القوة، فيما ركز بعضها الآخر على إعادة تنظيم الجيش وبناء وحداته وتطوير تسليحه وتدريبه خلال عدة سنوات.
غير أن كثرة الخطط لم تمنع الإخفاقات. فقد كشفت حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 حدود منظومة الإنذار المبكر، وأظهرت حرب لبنان عام 2006 قصور الاعتماد المفرط على النيران الجوية والتكنولوجيا، قبل أن يأتي هجوم 7 أكتوبر 2023 ليضرب معظم ركائز التصور الأمني الإسرائيلي في وقت واحد، ويفتح الباب أمام مراجعة واسعة لطبيعة الجيش الذي تحتاج إليه إسرائيل في حروبها المقبلة.
بين العقيدة والاستراتيجية والخطة
- يتمثل المستوى الأول في مفهوم الأمن القومي، الذي يحدد نظرة الدولة إلى التهديدات الكبرى والغايات السياسية التي تسعى إلى تحقيقها.
-
أما المستوى الثاني فهو الاستراتيجية العسكرية، التي تترجم تلك الغايات إلى مبادئ لاستخدام القوة في الحرب وحالات الطوارئ.
-
يأتي المستوى الثالث في صورة الخطط متعددة السنوات، التي تحدد كيفية بناء الجيش وتوزيع موارده وتطوير قدراته البشرية والتكنولوجية، بما يجعله قادرًا على تنفيذ الاستراتيجية العسكرية.
عمليًا، لم تكن الخطط المتعاقبة من ديفيد بن غوريون إلى إيال زامير مجرد برامج إدارية أو مالية. فقد مثلت محاولات متكررة للإجابة عن سؤال واحد:
ما الجيش الذي تحتاج إليه إسرائيل لمواجهة حربها المقبلة؟
ومع كل تغيير في طبيعة الحرب، أعيدت صياغة الجواب، من الجيش القادر على مواجهة جيوش عربية نظامية إلى جيش أصغر يعتمد على التكنولوجيا والنيران الدقيقة، ثم إلى جيش يحاول الاستعداد لمفاجأة أمنية وحرب استنزاف طويلة ومتعددة الساحات.
ديفيد بن غوريون.. واضع أسس التفكير الأمني
انتقل الجيش الإسرائيلي في بنيته التنظيمية من تشكيلات الميليشيات، التي خاضت حرب النكبة وأسهمت في تهجير مئات آلاف الفلسطينيين، وكانت قد تطورت من تنظيمات صهيونية سابقة، مثل منظمة “هشومير” (الحارس) (1)، إلى بنية عسكرية نظامية متعارف عليها بين الجيوش. وتأثر ديفيد بن غوريون، الذي وضع الأسس الاستراتيجية والأمنية والعسكرية لإسرائيل، بالنموذج التنظيمي للجيش البريطاني (2).
عكف ديفيد بن غوريون، خلال حرب عام 1948، على بلورة عقيدة للأمن القومي تتناسب مع الظروف التي أُقيمت فيها إسرائيل، بوصفها دولة ذات مساحة جغرافية وقوة بشرية محدودتين، في محيط عربي وإسلامي معادٍ لها. واعتبر أن عامل الحسم في الصراع مع التفوق البشري الذي تتمتع به الدول العربية يكمن في “القوة الكامنة التي تمتلكها الأطراف المتنازعة، لا في القوة المتوافرة لديها في لحظة معينة”.
وقبل الإعلان الرسمي عن تشكيل الجيش الإسرائيلي، في 27 مايو/ أيار 1948، عقد بن غوريون اجتماعًا مع قادة “الهاغاناه”، يُنظر إليه في الأدبيات العسكرية الإسرائيلية على أنه أول اجتماع خُصص لتبادل الأفكار بشأن نظرية الأمن القومي في تاريخ المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية (3).
وضع بن غوريون الأسس التي نُظمت لاحقًا في ما عُرف بمثلث “الردع، والإنذار المبكر، والحسم“. ورغم أن هذه العناصر لم ترد في وثائقه بوصفها ثلاثية مكتملة، فإنها أصبحت لاحقًا الاختصار الأكثر شيوعًا لعقيدة الأمن الإسرائيلية التي نُسبت إليه(4)، واعتبر أن هذه الثلاثية تتحقق من خلال امتلاك قوة عسكرية قادرة على دفع العدو إلى حسابات معقدة قبل الإقدام على الهجوم، إلى جانب امتلاك أجهزة استخبارات متطورة توفر إنذارات مبكرة حول نوايا الخصوم، وتطوير منظومة نيران فعّالة وقوات متعددة المهام لحسم الحرب بسرعة، ومنع تحولها إلى حرب استنزاف تُضعف إسرائيل، مع نقل المواجهة إلى أرض العدو. ومن شأن هذا التصور أن يمنح إسرائيل قدرة أعلى على البقاء، ويحدّ من احتمالات شنّ هجمات عربية تستهدف وجودها.
ظلت عقيدة بن غوريون حاكمةً للعقل الأمني والعسكري الإسرائيلي، وتطورت الخطط العسكرية والاستراتيجية في الجيش الإسرائيلي وهي مشبعة بالتصورات التي وضعها المؤسس الفعلي لإسرائيل. غير أن التحديات الجديدة على الساحة الفلسطينية وفي المحيط الإقليمي دفعت قادة عسكريين وسياسيين وخبراء في الشؤون الأمنية والعسكرية إلى الدعوة لإدخال تعديلات على هذه العقيدة، من خلال إضافة محددات جديدة، مثل “الدفاع”، و”المنع”، و”الإحباط”، إلى جانب تعزيز “العلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة” و”التحالفات الإقليمية” (5).
السنوات الأولى.. نقاشات عملياتية بلا وثيقة جامعة
شهدت السنوات الأولى لتأسيس الجيش الإسرائيلي نقاشات داخلية حول المفاهيم الناظمة لعمله، خاصة خلال خمسينيات القرن الماضي. فقد برز خلاف بين موشيه دايان، الذي رأى أن القوة الأساسية للجيش تقوم على قوات المشاة، وبين يسرائيل طال وعدد من الجنرالات الذين دعوا إلى تعزيز سلاح المدرعات وتطويره.
كما شهدت المؤسسة العسكرية خلافات أخرى عُرفت في الأدبيات العسكرية الإسرائيلية بـ”حروب الجنرالات”، كان من أبرزها الصراع بين أرئيل شارون وعدد من الضباط حول قضايا تنظيمية وعقائدية، من بينها مسألة إقامة خط دفاعي ثابت في سيناء بعد حرب عام 1967، والذي عُرف باسم “خط بارليف”. وقد تعرض هذا الخط لاختراقات وأضرار جسيمة خلال حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 على يد القوات المصرية (6)، ما كشف حدود الاعتماد على التحصينات الثابتة، وأعاد طرح السؤال بشأن العلاقة بين الدفاع والمناورة والإنذار المبكر.
بقيت هذه المداولات في معظمها مرتبطة بتنظيم القوات وأساليب الدفاع والمناورة واستخدام المدرعات، ولم تتحول إلى وثيقة استراتيجية جامعة تحدد بصورة منهجية العلاقة بين أهداف المستوى السياسي، واستخدام القوة، وبناء الجيش.
وقد ظل هذا الوضع قائمًا حتى مرحلة ما بعد التسعينيات، ولا سيما في السنوات الأخيرة، حيث شهد الجيش الإسرائيلي تحولًا نحو بلورة مقاربات أكثر منهجية، صاغ في إطارها رؤساء الأركان عددًا من الخطط والوثائق النظرية ذات الطابع الاستراتيجي.
وساهمت تحولات عدة في تعزيز الاهتمام بإنتاج المزيد من الخطط والمفاهيم العملياتية والاستراتيجية. وكان من أبرزها التغير في طبيعة البيئة الأمنية المعادية، إذ تراجعت المواجهة التقليدية بين الجيوش النظامية لصالح صعود فاعلين من غير الدول، مثل الأحزاب والتنظيمات المسلحة، التي تصنف في الأدبيات العسكرية والأمنية بوصفها “فاعلين دون الدول”.
وتجلى هذا التحول في المواجهة مع الفلسطينيين خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، وفي المواجهة مع حزب الله في لبنان، ثم مع قوى طورت قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة وشبكات قتالية موزعة داخل مناطق مدنية.
كما أسهمت التطورات التكنولوجية في تعزيز هذا التحول، ولا سيما في مجالات النيران الدقيقة والصواريخ والمقذوفات، إضافة إلى تطور الذكاء الاصطناعي، وظهور ساحات حروب جديدة مثل الفضاء السيبراني. وفي موازاة ذلك، انشغل الجيش الإسرائيلي بالتحضير لاحتمالات مواجهة في ما يُعرف بـ”الدائرة الثالثة”، التي تشمل دولًا مثل العراق (قبل الغزو الأميركي عام 2003) وإيران.
في هذا السياق، نستعرض جانبًا من أبرز الخطط العسكرية والاستراتيجية التي بلورتها الهيئات العسكرية العليا في الجيش الإسرائيلي.
خطر الهجوم الجبهوي
مثّل خطر الهجوم الجبهوي وتعدد ساحات القتال تحديًا استراتيجيًا أمام إسرائيل منذ حرب عام 1948، في ظل هيمنة المواجهة مع الدول العربية على المشهد العسكري آنذاك. وقد بلورت هذه المرحلة مجموعة من الركائز العملياتية والاستراتيجية التي شكلت أساس التفكير الأمني الإسرائيلي.
تقوم هذه الركائز على ثلاثة محاور رئيسية:
أولًا: “الأمن الأساسي”، ويقوم على الاستعداد للحرب وإدارة جولات قتالية بهدف “تفكيك تحالفات الدول المعادية وهزيمة جيوشها”، بما يؤدي إلى دفعها للاقتناع بعدم جدوى الحرب.
ثانيًا: “الأمن الجاري”، وهو نمط من إدارة التهديدات اليومية بين الحروب، ويهدف إلى حماية الحدود والمكاسب الجغرافية التي تحققت عبر الحروب.
ثالثًا: “تحالف الأطراف”، ويقوم على بناء تحالفات مع دول خارج الإطار العربي بهدف تطويق الخصوم، وتعزيز الشرعية الدولية لإسرائيل، والحصول على دعم القوى الكبرى بما يضمن تفوقها العسكري والتكنولوجي.
ويُضاف إلى ذلك محور رابع يتمثل في الاستيطان، بوصفه أداة لتعزيز السيطرة على الأرض وترسيخ الوقائع الميدانية (7).
وفي عام 1950، أعدّ قسم العمليات في الجيش الإسرائيلي سلسلة من الخطط الأساسية لمواجهة احتمال شنّ الجيوش العربية هجمات عسكرية متعددة الساحات. وقد ناقشت هذه الخطط عددًا من السيناريوهات المحتملة، أبرزها:
- من الشمال: هجوم سوري بمشاركة لبنانية.
- من الشرق: هجوم أردني بمشاركة عراقية.
- من الجنوب: هجوم مصري.
- الشمال والجنوب معًا: هجوم مصري–سوري مشترك.
- سيناريو شامل: هجوم من جميع الدول العربية المحيطة بفلسطين (8).
ناقشت هيئة الأركان والمؤسسات المعنية بالتخطيط في الجيش الإسرائيلي الاستراتيجيات اللازمة للتعامل مع مختلف الاحتمالات. وقرر رئيس الأركان آنذاك، يغآل يادين، أنه في حال وقوع هجوم مصري – سوري مشترك، ينبغي توجيه الضربة الأولى إلى مصر، انطلاقًا من تقدير مفاده أن “سقوط مصر سيؤدي إلى خروج سوريا من المعركة”.
وقد قدّر المخططون الإسرائيليون أن أي هجوم عربي شامل كان سيهدف في جوهره إلى “تدمير دولة إسرائيل”، الأمر الذي دفعهم إلى تبني مقاربة تقوم على حشد الموارد اللازمة للدفاع عن الحدود، وهزيمة الجيوش المعادية، وتفكيك تحالفاتها.
“جيش صغير وذكي”.. المفهوم الذي غيّر الجيش الإسرائيلي
تصف الأدبيات البحثية في المجال العسكري الجيش الإسرائيلي، خلال فترة التسعينيات، بأنه “منظمة تعتمد في ابتكارها العسكري النظري على الخبرة الميدانية المتراكمة، وعلى استلهام الأفكار الأميركية دون تمحيص نقدي كافٍ، مع ميل واضح إلى الحلول التكنولوجية، وتفضيل الممارسين العسكريين على المنظرين، إضافة إلى صعوبة تبني رؤية استراتيجية بعيدة المدى، نتيجة الانشغال اليومي بالعمليات العسكرية الروتينية، خاصة في ظل السيطرة على مناطق واسعة في فلسطين ولبنان آنذاك”.
دخل الجيش الإسرائيلي، منذ تسعينيات القرن الماضي، في عملية تجديد فكري وعملياتي واسعة، اتجهت به نحو تبني نظرية “الجيش الصغير والذكي” (9). ويقوم هذا التصور على بناء جيش أقل عددًا، مع الاعتماد على أن العمود الفقري لقوته منذ تأسيسه يتمثل في قوات الاحتياط، وهم الجنود والضباط الذين يؤدون الخدمة الفعلية لفترات محددة ثم يُسرّحون، على أن يتم استدعاؤهم عند الحاجة في حالات الحرب أو التدريبات.
وفي موازاة ذلك، اتجه الجيش إلى تعزيز تفوقه التكنولوجي لمواجهة التحديات الناجمة عن ظهور أعداء جدد، إضافة إلى التحولات التي شهدها المجتمع الإسرائيلي نحو مزيد من الرفاه والتطور الاقتصادي، وهو ما أسهم في تراجع مركزية فكرة “التضحية” لدى قطاعات واسعة من المجتمع، باستثناء بعض التيارات، مثل المرتبطين بـ”الصهيونية الدينية” (10).
بدأ مفهوم “الجودة”، الذي شدد عليه بن غوريون ضمن محددات العقيدة العسكرية المرتبطة ببناء القوة، بالانتقال من التركيز على الإبداع في التفكير والنظرية العسكرية إلى الاهتمام بـ”التفوق التكنولوجي” (11).
وقد افتتح هذا المسار دان شومرون، رئيس الأركان الثالث عشر للجيش الإسرائيلي، من خلال تعزيز التوجه نحو التطوير التكنولوجي وبناء “جيش صغير وذكي”، إضافة إلى إنشاء تشكيلات تنظيمية جديدة، من بينها قيادة ذراع البر، التي نُقلت إليها صلاحيات تطوير وبناء القوة البرية (12).
وفي هذه المرحلة، فصل الجيش الإسرائيلي بين قسم التخطيط وقسم العمليات، ونُقل مركز الثقل في مجالات التفكير والتخطيط إلى نائب رئيس الأركان، وهو ما اعتبره بعض الضباط الإسرائيليين عاملًا أسهم في “إضعاف التكامل بين الأجهزة المختلفة”. كما وُجهت انتقادات إلى تحول الجيش نحو اهتمام متزايد بالصناعات الأمنية والعسكرية وفتح أسواق تصدير لها في مناطق مختلفة من العالم، ما جعله يبدو في نظر بعض الباحثين كـ”كيان اقتصادي” (13) بقدر ما هو مؤسسة عسكرية.
وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي، واصل إيهود باراك، رئيس الأركان آنذاك، تعزيز هذا المسار، من خلال التركيز على تحويل الجيش إلى منظومة تعتمد بدرجة أساسية على التكنولوجيا، مع تطوير أجهزة الاستخبارات بمختلف تخصصاتها، ولا سيما تلك المرتبطة بالتقنيات المتقدمة، بالتوازي مع تقليص الاعتماد على القوات البرية التقليدية، خصوصًا المدرعات (14).
تكنولوجيا أكثر.. قوات أقل
في أبريل/ نيسان 2002، وقبل أربعة أشهر من انتهاء ولايته رئيسًا للأركان، أشرف شاؤول موفاز على إصدار وثيقة بعنوان “استراتيجية الجيش الإسرائيلي”، التي قدمت توجهات أساسية تتعلق بـ”تصميم القوة واستخدامها”.
وقد صيغت المفاهيم الواردة في الوثيقة عبر ثلاثة مسارات رئيسية منفصلة:
أولًا: عملية “ربيع الشباب” (1998–1999)، التي ركزت على “التغيير التنظيمي” داخل أجهزة الجيش.
ثانيًا: سلسلة ورش عمل مفاهيمية (1999–2000)، ناقشت التحديات التي تواجه إسرائيل، بما في ذلك الفلسطينيون، وسوريا، وما يُعرف بـ”الدائرة الثالثة” (العراق وإيران).
ثالثًا: المعرفة المتراكمة خلال فترة رئاسة أركان إيهود باراك وأمنون ليبكين شاحاك، في سياق التخطيط لمواجهة الجيش السوري (15).
وتؤكد مقدمة الوثيقة على التغيرات الاستراتيجية التي دفعت الجيش الإسرائيلي إلى إعادة صياغة مفاهيمه العسكرية، سواء على المستوى العملياتي أو في إطار الأمن القومي العام.
وتشير إلى أن “الواقع الجديد يطرح العديد من التحديات الإضافية أمام الجيش، تحديات لم تكن جزءًا من مفهوم الأمن التقليدي الذي صاغه دافيد بن غوريون. فقد خرجت دول من دائرة العداء (مثل مصر والأردن)، في حين أصبحت دول بعيدة جغرافيًا (مثل إيران والعراق وليبيا والسودان) عناصر استراتيجية مهدِّدة، ما يؤثر في طبيعة الاستجابة وتصميم القوة. كما تحولت القضية الفلسطينية من مشكلة لاجئين إلى صراع ذي سمات قومية واضحة.
وتضيف الوثيقة أن طبيعة الأعمال القتالية قد تغيرت، مع تطور المواجهة المحدودة مع الفلسطينيين، ودخول أسلحة استراتيجية جديدة إلى ساحة الصراع، مثل الصواريخ أرض-أرض والأسلحة غير التقليدية (16).
وأدرجت الوثيقة ضمن التحديات أيضًا موضوع “العلاقات المدنية – العسكرية” و”التماسك الاجتماعي” داخل إسرائيل، والذي بات يشكل شاغلًا أساسيًا في تلك الفترة، في ظل تطورات عدة، من بينها الانسحاب من جنوب لبنان في مايو/ أيار 2000، وما أثاره من جدل وانتقادات داخلية في إسرائيل، إضافة إلى العمليات الفلسطينية داخل المدن والمستوطنات.
اتجه شاؤول موفاز خلال فترة رئاسته للأركان إلى تقليص أعداد الضباط في الخدمة العسكرية الدائمة، وإغلاق بعض الوحدات المدرعة، مع تعزيز الاستثمار في تطوير الوحدات التكنولوجية. وقد واجهت هذه السياسات انتقادات داخلية وخارجية، بما في ذلك اعتراضات من ضباط وجنود تضرروا من عمليات التسريح وإغلاق الكتائب والوحدات المدرعة، في وقت كانت فيه التهديدات المحتملة للحرب ما تزال قائمة، ما جعل الحاجة إلى هذه القوات موضع جدل (17).
وفي سياق موازٍ، سعى موفاز إلى معالجة ظاهرة انتقال الضباط ذوي الخبرة التكنولوجية من الجيش إلى شركات التقانة، مدفوعين بالامتيازات العالية في قطاع “الهاي تك”. وللحد من هذا النزيف، أنشأ ما عُرف بـ”بؤر المعرفة”، وهي آلية تقوم على منح الخبراء في مجالات التكنولوجيا رتبًا ثابتة تُراجع دوريًا، مع إبقائهم ضمن تخصصاتهم، وتوفير حوافز مادية ومهنية تشجعهم على البقاء في الخدمة العسكرية بدل الانتقال إلى القطاع المدني.
العقيدة التي لم يفهمها الضباط
تعرضت إسرائيل في عهد رئيس الأركان دان حالوتس لإخفاق عسكري وسياسي كبير، عقب فشل الجيش خلال حرب لبنان في صيف عام 2006 في تحقيق أهدافه المعلنة، وعلى رأسها تدمير حزب الله أو الحسم العسكري ضده، إلى جانب تكبده خسائر كبيرة، خاصة في العمليات البرية في الجنوب اللبناني (18).
وقد قادت لجان التحقيق التي شكلتها الحكومة الإسرائيلية، وفي مقدمتها لجنة فينوغراد (19)، إلى تحديد مجموعة من أسباب هذا الإخفاق، من بينها على مستوى الجيش ذاته، جملة من المفاهيم التي تم تطويرها وإدراجها في الوثائق العسكرية التي اعتمدها الضباط والجنود خلال العمليات. ويشير التقرير أيضًا إلى أن بعض هذه المفاهيم تطور داخل مراكز التفكير العسكري، التي سعت إلى تطوير لغة عسكرية متأثرة بمصطلحات فلسفية، خاصة من المدرسة الفرنسية (20).
وقدمت الوثيقة التي نُشرت في أبريل 2006 مجموعة من المفاهيم التي اعتُبرت جديدة في حينه داخل الجيش الإسرائيلي، ومن أبرزها مفهوم “استخدام النيران على المستوى العملياتي” لحسم المعارك بدلًا من المناورات البرية داخل أراضي العدو، وذلك بهدف تقليل خسائر الجيش في مواجهة حروب العصابات.
وقد واجه هذا المفهوم انتقادات واسعة لاحقًا، خاصة بعد إخفاق الجيش في العمليات البرية خلال حرب لبنان، في ظل خلافات وتردد داخل القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية بشأن خيار التوغل البري مقابل الاكتفاء بالقصف الجوي، وهو الخيار الذي كان يفضله رئيس الأركان دان حالوتس، القادم من سلاح الجو، متأثرًا بمفاهيم العقيدة العسكرية الأميركية التي ركزت على حسم الحروب الحديثة عبر القوة الجوية والحملات الجوية المكثفة (21).
واستندت الوثيقة في صياغتها إلى دراسة تجربة الجيش الأميركي بعد احتلال العراق، إضافة إلى العمليات العسكرية التي خاضها الجيش الإسرائيلي خلال الانتفاضة الثانية، والتي عُدت أحد العوامل التي كشفت عن قصور في القتال البري. فقد تحولت قوات المشاة والمدرعات خلال تلك الفترة إلى تنفيذ عمليات اقتحام واجتياح للمدن والقرى الفلسطينية، ما أدى إلى تراجع مستوى التدريبات والمناورات المنتظمة، وبالتالي فقدان جزء من الخبرات التراكمية في القتال النظامي وعلى مختلف الجبهات (22).
كما استقت الوثيقة بعض مفاهيمها من النقاشات التي قادها موشيه يعلون خلال توليه قيادة المنطقة الوسطى ثم منصبي نائب رئيس الأركان ورئيس الأركان، والتي شارك فيها كل من دان حالوتس وضباط آخرين. ولم يقم يعلون بنشر هذه الرؤى خلال فترة خدمته، معتبرًا أن “المعرفة عملية تطورية لا تختزل في وثيقة نهائية مغلقة” (23).
تزامنت ورش النقاش داخل الجيش الإسرائيلي مع وثيقة قدمها عضو الكنيست آنذاك دان مريدور (24)، الذي ركز في جهوده على تطوير مفهوم للأمن القومي الإسرائيلي، مع إيلاء اهتمام خاص للجوانب العسكرية. وقد تقاطعت أفكاره مع ما ورد في وثيقة الجيش الإسرائيلي، خاصة فيما يتعلق بتزايد أهمية “الدفاع عن الجبهة الداخلية”، في ظل امتلاك وتطوير الجهات المعادية لإسرائيل لقدرات صاروخية ومقذوفات قادرة على تهديد التجمعات السكانية داخل إسرائيل. كما أكد هذا التوجه على ضرورة الاعتماد المتزايد على النيران بعيدة المدى، مقابل تقليص الاعتماد على المناورات البرية واحتلال الأراضي.
وثيقة غانتس.. التعامل مع الواقع أكثر من ابتكار المفاهيم
على خلاف الوثائق السابقة، لم يسع رئيس الأركان السابق بيني غانتس، في وثيقته الاستراتيجية الصادرة في أكتوبر/ تشرين الأول 2013، إلى ابتكار مفاهيم جديدة، بل ركّز على عكس صورة الوضع الأمني الذي واجهته إسرائيل في تلك المرحلة (25)، في ظل التحولات الإقليمية في البيئة العربية، والمفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى تداعيات حرب غزة عام 2012 (26)، التي جاءت ضمن سلسلة جولات قتالية بين فصائل المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي، والتي كانت في معظمها قصيرة نسبيًا.
وجاءت الوثيقة في سياق ترسيخ مفهوم “المعركة بين الحروب”، القائم على تنفيذ ضربات محدودة ضد قدرات الخصوم بهدف إحباطها وعرقلة تطورها، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. غير أن هذا المفهوم واجه لاحقًا انتقادات واسعة، خاصة بعد عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، التي وجهت ضربة عميقة للبنية المفاهيمية والتخطيطية في المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.
لم تخضع مفاهيم وثيقة غانتس لنقاشات موسعة داخل ورش عمل تنظيمية، بل جاءت في إطار ما يمكن وصفه بـ”التعلم الشخصي” خلال فترة توليه رئاسة الأركان، وشكلت في جوهرها منصة لـ”لغة مشتركة” داخل الجيش، أكثر من كونها إطارًا مباشرًا لتوجيه استخدام القوة أو تصميمها.
وقد قدمت الوثيقة ثلاثة أنماط تشغيلية، مع إضافة “حالة الطوارئ” إلى حالتي “الروتين” و”الحرب”، اللتين كان قد حددهما رئيس الأركان السابق غابي أشكنازي، الذي لم يصدر وثيقة استراتيجية رسمية خلال فترته، في ظل توجه عام داخل الجيش نحو “العودة إلى الأساسيات”، الذي أعقب إخفاقات حرب لبنان الثانية (27).
وتنص الوثيقة على أن “استخدام القوة” في حالة الطوارئ يتضمن توظيفًا مكثفًا للقوة العسكرية، مع حصر العمليات قدر الإمكان في ساحة أو جبهة واحدة، والعمل على الحد من الأضرار التي قد تطال الجبهة الداخلية الإسرائيلية إلى أقصى درجة ممكنة.
كما يشمل مفهوم الطوارئ ما يُعرف بـ”الردع الانتقامي”، والذي يقوم على استخدام قوة عسكرية كبيرة بهدف دفع العدو إلى الاقتناع بأن كلفة المواجهة تفوق قدرته على التحمل. وقد جرى تطبيق هذا المفهوم في عدد من العمليات العسكرية الواسعة، لا سيما في حملات إسرائيل العدوانية على قطاع غزة منذ عام 2008 (28).
كما أولت الوثيقة أهمية لمفهوم “العمل في العمق العملياتي”، أي تنفيذ عمليات داخل مناطق العدو، وهو ما تُرجم لاحقًا بإنشاء “قيادة العمق” في عام 2012. وفي السياق ذاته، تعزز الاهتمام بمجال “السايبر” بوصفه أحد ميادين الحرب الحديثة.
أيزنكوت.. أول استراتيجية معلنة للجيش
مثّلت الوثيقة الاستراتيجية التي نشرها رئيس الأركان الإسرائيلي السابق غادي أيزنكوت في 13 أغسطس/ آب 2015 مرحلة مفصلية في التاريخ العسكري الإسرائيلي، إذ أثارت تفاعلات واسعة بين مؤيدين ومنتقدين. وقد وصفها المحلل العسكري الإسرائيلي رون بن يشاي بأنها “معلم في تاريخ الأمن القومي لدولة إسرائيل”، لكونها المرة الأولى التي ينشر فيها الجيش استراتيجية عسكرية شاملة، ويبلغ المستوى السياسي بما يحتاج إليه لضمان فاعلية عمله (29).
ولم تكن الوثيقة أول صياغة استراتيجية داخلية للجيش، إذ سبقتها وثائق أخرى، لكنها كانت الأولى التي نشرت بهذه الصورة الواسعة وقدمت إطارًا معلنًا للعلاقة بين التهديدات واستخدام القوة وبناء الجيش.
وأطلق أيزنكوت على خطة تطوير الجيش، التي وُضعت بالتوازي مع استراتيجية الأمن القومي، اسم “خطة جدعون”، نسبة إلى القاضي جدعون الوارد في التوراة، والذي تُصوّره الرواية التوراتية “قائدًا عسكريًا قاد بني إسرائيل بجيش صغير قوامه 300 مقاتل فقط” (30).
في مقاله المنشور في المجلة العسكرية “معرخوت” الصادرة عن الجيش الإسرائيلي، أكد أيزنكوت أن “التغير الجوهري في صورة التهديدات الإقليمية” فرض الحاجة إلى بلورة عقيدة استراتيجية وخطة واضحة لـ”بناء القوة”. وأشار إلى وجود صعوبات تواجه الجيش في تنفيذ برامج تدريب متواصلة، نتيجة انخراطه في “عمليات عسكرية دائمة”، إلى جانب تآكل المخزون العملياتي، في ظل ما وصفه بـ”تغير سلم الأولويات” داخل المجتمع الإسرائيلي، باتجاه زيادة الاهتمام بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية، بالتوازي مع استمرار المطالب المرتبطة بمستوى عالٍ من الأمن.
كما أوصى المقال بضرورة إجراء تغيير جوهري في البنية التنظيمية للجيش، استجابة لتحديات “الحرب الحديثة”. واعتبر أيزنكوت أن تقليص الميزانيات من قبل المستوى السياسي أسهم في تراجع موارد الجيش، ما أدى إلى توتر في العلاقة بين الجيش ووزارتي الأمن والمالية، قبل التوصل لاحقًا إلى اتفاق يضمن ميزانية مستقرة وثابتة ضمن إطار خطة “جدعون”.
سعى أيزنكوت من خلال خطته إلى بناء “جيش نوعي، جاهز وكفء، قادر على هزيمة أعداء إسرائيل”، مع تطوير قدرات للتعامل مع التهديدات المستقبلية التي تتطور في ساحة الحرب، بالاعتماد على جنود وضباط “نوعيين، ملتزمين ومدرّبين”.
وعلى الرغم من استخدامه لمفهوم “جيش الشعب”، في إطار تأكيده على “الأسطورة الإسرائيلية” التي تنظر إلى الجيش بوصفه ممثلًا لمختلف فئات المجتمع وبوتقة صهر تتعزز عبر الخدمة العسكرية الإلزامية، فإن أحد أبرز مخرجات خطة “جدعون” تمثل في تقليص حجم القوات والاعتماد على جيش أصغر، يرتكز بدرجة أساسية على وحدات نخبوية متخصصة في العمل داخل عمق أراضي العدو.
وفي هذا السياق، اتجه أيزنكوت إلى تعزيز دور القوات الخاصة، وزيادة وتيرة المناورات التدريبية، بالتوازي مع تقليص أعداد القوات وإغلاق بعض الوحدات التي اعتُبرت “غير ضرورية”، بهدف ترشيد الموارد وتوجيه الميزانيات نحو بناء “جيش صغير، ذكي وفتاك”. غير أن هذه التوجهات واجهت انتقادات من بعض ضباط الاحتياط، الذين رأوا أن تقليص القوات وإغلاق وحدات مثل المدرعات قد يضعف القدرة على خوض حرب برية واسعة متعددة الجبهات.
أفيف كوخافي.. “جيش فتاك” لحسم الحرب
يُلاحظ المتابع للصياغات النظرية والنقاشات والتصريحات الصادرة عن قيادات الجيش الإسرائيلي وجود تحدٍّ جوهري شكّل محورًا رئيسيًا للجهود التخطيطية والعملياتية، يتمثل في التغير في طبيعة الأعداء، وتصاعد تهديد “الجبهة الداخلية الإسرائيلية” بفعل الصواريخ والمقذوفات التي طورتها قوى مثل المقاومة الفلسطينية، وحزب الله في لبنان، وإيران.
وقد اعتُبر هذا التحول تهديدًا مباشرًا لقدرة إسرائيل على الاستمرار في العمليات العسكرية وتنفيذ أهدافها السياسية، في ظل الانتقادات المتكررة للجيش بشأن عدم تحقيق “الحسم” في مواجهة فصائل مسلحة لا تمتلك قدرات دولاتية، خلال العمليات العسكرية التي شنتها إسرائيل على غزة ولبنان منذ عام 2006.
تكررت هذه المفاهيم في مقال أفيف كوخافي، رئيس الأركان الإسرائيلي، الذي تناول فيه خطة “تنوفا” التي تبلور مفهومها العملياتي خلال عام 2019، قبل أن يبدأ تنفيذ الخطة متعددة السنوات عام 2020.
وتمحور المفهوم المركزي فيها حول “التفعيل من أجل النصر”، بهدف تمكين الجيش الإسرائيلي من امتلاك قدرات عسكرية فتاكة تتيح له “تدمير العدو وتقويض بنيته العسكرية” في أقصر وقت ممكن، وبأقل أثمان ممكنة على الجانب الإسرائيلي. (31).
وصُممت خطة “تنوفا” لتحقيق مجموعة من الأهداف العملياتية والاستراتيجية، من أبرزها:
- تعزيز القدرة الهجومية والفتك، من خلال تطوير أدوات الكشف عن “العدو” وأساليب استهدافه وتدميره في مختلف الميادين، رغم تشتته الواسع.
- ربط مختلف مكونات ساحة المعركة (الطائرات، الدبابات، القادة الميدانيون، والطائرات المسيّرة) ضمن منظومة واحدة مترابطة، بما يحقق تنسيقًا أعلى وكفاءة قتالية أكبر.
- تعزيز التعاون بين الأذرع المختلفة في الجيش، بهدف رفع كفاءة كل ذراع عبر التكامل مع غيره.
- نقل جزء من القدرات من هيئة الأركان والقيادات المركزية، مثل الاستخبارات والنيران، إلى الوحدات المقاتلة في الميدان.
- تنفيذ تدريبات تحاكي القتال في بيئات مدنية وحضرية معقدة.
ويرتكز جوهر خطة كوخافي على بناء قوة قادرة على “الفتك والتدمير”، عبر الاعتماد على وحدات نخبوية متخصصة في العمل داخل عمق أراضي العدو، إلى جانب تعزيز القدرات الاستخباراتية بمختلف مستوياتها، بهدف الوصول إلى “الحسم” السريع في ساحة المعركة.
هرتسي هليفي.. خطة سبقت 7 أكتوبر ولم ترَ التنفيذ
وجد هرتسي هليفي نفسه أمام السيناريو الذي حاولت الخطط والاستراتيجيات الإسرائيلية طوال السنوات السابقة منع وقوعه.
ففي صباح السابع من أكتوبر 2023، استيقظ هليفي، إلى جانب المنظومة الأمنية والعسكرية والسياسية الإسرائيلية، على واحد من أكبر الإخفاقات في التاريخ الإسرائيلي الحديث، بعد أن نجحت حركة حماس وجناحها العسكري في تنفيذ عملية عسكرية نوعية في منطقة “غلاف غزة”، عقب تمكنها من تضليل المنظومة الاستخباراتية الإسرائيلية، وإلحاق خسائر كبيرة بالقوات الميدانية (32).
في بداية توليه رئاسة الأركان عام 2023، أعلن هرتسي هليفي عن خطة حملت اسم “معالوت” (أي “الارتقاء” أو “الدرجات”). وقد انبثقت توصياتها ومحدداتها التنفيذية من ورش عمل داخلية داخل الجيش.
حددت خطة هليفي أربعة محاور مركزية، هي:
أولًا: “الأفراد والجيش – المجتمع”، ويركز هذا المحور على أن الجيش سيكون قادرًا على مواجهة التحديات من خلال اختيار أفضل العناصر وأكثرها ملاءمة لأداء خدمة عسكرية ذات معنى.
ثانيًا: “الواقع الأمني”، ويهدف إلى تعزيز الجاهزية لمواجهة “التهديد الإيراني” و”وحدة الساحات”.
ثالثًا: رفع القدرة الدفاعية، عبر تحسين تدريب الجنود وتعزيز الجاهزية للمناورة البرية، من خلال تنسيق وتكامل بين مختلف أذرع الجيش.
رابعًا: “تعزيز القيادة الشابة”، من خلال دعم وتمكين الضباط الشباب داخل المؤسسة العسكرية (33).
ووجّهت خطة هليفي نحو تعزيز الاستثمار الواسع في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتطوير البنى التحتية والقواعد العسكرية، إضافة إلى إقامة منظومات ليزرية على الحدود مع لبنان وقطاع غزة، بهدف مواجهة تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب التوجه نحو شراء طائرات مقاتلة متطورة (34).
غير أن هجوم 7 أكتوبر وقع قبل اكتمال الخطة ودخولها حيز التنفيذ، وفرض على الجيش مراجعة كثير من افتراضاتها، ولا سيما ما يتعلق بالدفاع الحدودي، وحجم القوات، والاستجابة السريعة، ودور التكنولوجيا في الإنذار والمراقبة.
“حوشن”.. إعادة بناء الجيش بعد الصدمة
تحمل خطة “حوشن”، التي أعلنها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، خصوصية كونها صيغت في أعقاب حرب ممتدة تعد من أطول الحروب التي خاضتها إسرائيل وأكثرها اتساعًا من حيث تعدد الجبهات.
وتولى زامير المنصب خلفًا لهرتسي هليفي، الذي استقال على خلفية مسؤوليته عن الإخفاقات التي رافقت هجوم 7 أكتوبر.
وامتدت تداعيات الحرب وعملياتها من غزة ولبنان إلى إيران واليمن والعراق وسوريا، بعدما بدأت بمرحلة من الإخفاقات الكبيرة في منظومات الإنذار والدفاع والقيادة.
وصيغت الخطة، التي تغطي الفترة بين 2026 و2030، وفقًا لزامير على أساس “دروس السابع من أكتوبر”، وتهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية والعملياتية، من أبرزها (35):
- تطوير مكونات القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي عبر خطط تنظيمية وتدريبية.
- رفع جاهزية الجيش لمواجهة حرب مفاجئة متعددة الساحات والحفاظ على القدرات القتالية.
- إعادة ترميم البنية العسكرية بعد عامين من الحرب، بما يشمل منصات القتال والذخائر والمخازن والبنية التحتية، إلى جانب تعزيز برامج التدريب للحفاظ على الجاهزية.
- منع تموضع الخصوم قرب “الحدود الإسرائيلية”، وتعزيز التحصينات الحدودية، مع تطوير قدرات الاستجابة السريعة لأي هجوم.
- تعزيز وتطوير منظومات الدفاع الجوي لمواجهة التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة من مختلف الجبهات.
- الاستمرار في الاستعداد لمواجهة التهديدات في “الدائرة الثالثة” والعمق الاستراتيجي، وعلى رأسها إيران.
- تعزيز قدرات المناورة البرية متعددة الأبعاد في ضوء دروس الحرب.
- تطوير قدرات الاستخبارات للعمل في مختلف الساحات واستخلاص الدروس من أحداث 7 أكتوبر.
- تطوير القدرات الفضائية والاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لمواجهة التهديدات بعيدة المدى.
صيغت خطة إيال زامير على أساس “دروس السابع من أكتوبر” – غيتي
غياب استراتيجية ثابتة.. تعدد الخطط وتخطيط الضرورة
وعلى الرغم من استمرار حضور مبادئ ديفيد بن غوريون بوصفها مرجعية عامة في العقل العسكري والأمني، فإن التغيرات التي شهدتها العقود الأخيرة، إلى جانب طبيعة الحملات العسكرية والمواجهات التي خاضتها إسرائيل في غزة ولبنان وغيرها، وضعت المؤسسة العسكرية والأمنية أمام تحديات متكررة.
وتجلت هذه التحديات في تعدد الخطط الاستراتيجية التي صيغت خلال مراحل متعاقبة، إذ جاءت كل خطة محاولة لمعالجة أوجه القصور التي كشفتها الحرب السابقة، قبل أن تظهر المواجهة التالية تهديدات ونقاط ضعف جديدة.
فمنذ بن غوريون، راهنت إسرائيل على الردع والإنذار المبكر والحسم السريع، ثم أضافت الدفاع وحماية الجبهة الداخلية ومنع الخصوم من تطوير قدراتهم.
غير أن 7 أكتوبر أصاب معظم هذه الركائز في وقت واحد. فقد أخفق الردع في منع الهجوم، وفشل الإنذار في توقعه، وعجز الدفاع الحدودي عن احتوائه، ولم يكن الجيش الصغير المعتمد على التكنولوجيا والاستخبارات الدقيقة مستعدًا للاستجابة السريعة على امتداد الجبهة.
كما تعرضت فرضية إمكان فصل الساحات وإدارة التهديدات عبر جولات محدودة وعمليات ضمن “المعركة بين الحروب” لضربة كبيرة، بعدما وجدت إسرائيل نفسها أمام حرب ممتدة ومتعددة الجبهات.
ومع ذلك، سيبقى الاختبار الحقيقي متعلقًا بقدرة المؤسسة العسكرية على مراجعة افتراضاتها وطريقة فهمها للخصوم، لا بمجرد زيادة التكنولوجيا والذخائر أو إعادة بناء الوحدات التي قلصتها خطط سابقة.
المراجع:
- – تعريف مصطلح هشومير – المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية
- بناء الدولة اليهودية، 1897ـ1948: الأداة العسكرية – مؤسسة الدراسات الفلسطينية
- من مقال للضابط في الجيش الإسرائيلي مائير فينكل مسؤول مركز “داودو” للتفكير العسكري
- نظرية الأمن في منظومة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي (الخلفية والتحولات والأسس)، أشرف بدر، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات
- مفهوم معدل للأمن القومي الإسرائيلي: المكونات والجبهات والمحددات، شاؤول شاي وأليكس مينتس، استراتيجيا الجيش الإسرائيلي في ضوء المتغيرات الإقليمية والتهديدات المستجدة (دراسات لجنرالات وباحثين إسرائيليين كبار)، مؤسسة الدراسات الفلسطينية
- التماسك المفاهيمي كمركب في الجيش الإسرائيلي، مائير فينكل، مجلة “معرخوت” العسكرية
- تطور مفهوم بناء القوة داخل هيئة الأركان العامة، يوفال بازاك، مجلة “بين القطبين” الصادرة عن مركز “دادو” للتفكير العسكري
- أنظر دراسة: جيش صغير وذكي؟ استراتيجية القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي والقدرة على الانتصار في الحرب، حاييم عمراني وبنحاس داهان، مجلة “بين القطبين”
- الصهيونية الدينية وصعودها في إسرائيل.. بين الحاخامات والجنرالات – 29 سبتمبر 2025 / موقع التلفزيون العربي
- مصدر سابق
- https://www.israeldefense.co.il/node/37302
- مقال يوفال بازاك، مصدر سابق
- أنظر كتاب الصحفي الإسرائيلي بن كاسبيت عن باراك “الجندي الأول”
- مقال مائير فينكل، مصدر سابق
- مصدر سابق
- https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=167927
- أنظر كتاب “أسرى في لبنان” للصحفيين الإسرائيليين عوفر شيلح ويوآف ليمور
- https://www.madarcenter.org/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A/465-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D9%81/23-%D9%88%D8%AB%D8%A7%D8%A6%D9%82-%D9%88%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1/876-%D9%85%D9%84%D8%AE%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%A9-%D9%81%D9%8A%D9%86%D9%88%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D8%AF
- https://babelwad.com/article/%D8%A3%D9%81%D9%8A%D9%81-%D9%83%D9%88%D8%AE%D8%A7%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%B9%D8%A8%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%A8
- مصدر سابق
- حرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل، مات ماثيوز، ورقة صادرة عن مركز الأسلحة المشتركة للجيش الأميركي، ترجمة مؤسسة الدراسات الفلسطينية
- مصدر سابق، مقال مائير فينكل
- https://www.inss.org.il/he/publication/t-security-sisrael-of-formulation-on-report-committee-the-committee-meridor-concept-security-the-later-years-t/
- مصدر سابق، مقال يوفال بازاك
- https://www.alzaytouna.net/2022/10/11/%D9%88%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%AD%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AC%D9%8A%D9%84-2012-%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%B9%D9%83%D8%A7%D8%B3%D8%A7/
- مصدر سابق
- https://info.wafa.ps/pages/details/29828
- من مقدمة كتاب “اسراتيجيا الجيش الإسرائيلي في ضوء المتغيرات الإقليمية والتهديدات المستجدة”، مؤسسة الدراسات الفلسطينية
- من مقال غادي أيزنكوت في مجلة “معرخوت” العسكرية الصادرة عن الجيش الإسرائيلي
- مقال لأفيف كوخافي في مجلة “بين القطبين” الصادرة عن مركز “دادو” للتفكير العسكري قدم فيه شرحاً عن خطته
- https://www.alaraby.com/news/%D8%A5%D8%AE%D9%81%D8%A7%D9%82%D8%A7%D8%AA-7-%D8%A3%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%A8%D8%B1-%D9%85%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%A5%D9%84%D8%B2%D8%A7%D9%85-%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D9%86%D8%AA%D9%86%D9%8A%D8%A7%D9%87%D9%88-%D8%A8%D9%81%D8%AA%D8%AD-%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82-%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%8A
- https://www.inn.co.il/news/610176?utm_source=chatgpt.com
- https://hodhodpal.ps/post?id=19713&slug=%25d9%2585%25d8%25a7-%25d9%2587%25d9%258a-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ae%25d8%25b7%25d8%25a9-%25d9%2585%25d8%25aa%25d8%25b9%25d8%25af%25d8%25af%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b3%25d9%2586%25d9%2588%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d9%2584%25d9%2580-%25d8%25ac%25d9%258a%25d8%25b4-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b9%25d8%25af
- من مقال على موقع الجيش الإسرائيلي يشرح أهداف الخطة
- https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=167927
