![]()
بعد عشرين عامًا على حرب يوليو/ تموز 2006 بين إسرائيل وحزب الله، لم تعد معركة الصورة والخبر تُدار بالطريقة نفسها، ففي ذلك الوقت كانت القنوات الفضائية المصدر الرئيسي لمعرفة ما يجري، أما اليوم فأصبحت الهواتف والمنصات الرقمية ساحات مفتوحة تتنافس فيها الصور والمقاطع والروايات، وأصبح الصراع لا يدور فقط حول تفسير الحدث، بل حول إثبات حقيقته أصلًا.
حرب 2006.. زمن الفضائيات وصناعة الرواية
لم يكن الإنترنت غائبًا بالكامل، إذ نشر لبنانيون وإسرائيليون يومياتهم وصورهم عبر المدونات، لكن تأثيرها بقي محدودًا مقارنة بالقنوات الفضائية التي امتلكت القدرة على الوصول إلى جمهور واسع وصياغة الرواية العامة للحرب.
كانت المؤسسات الإعلامية تحدد الصور التي تصل إلى المشاهد، وتختار الضيوف والمصادر، وتضع الأحداث داخل إطار سياسي وعسكري واضح، وحتى مع اختلاف توجهات القنوات، كان الجمهور يعرف الجهة التي تقدم الرواية وخلفيتها.
وشكل تلفزيون “المنار” التابع لحزب الله جزءًا من المواجهة الإعلامية، إذ استخدم الحزب القناة لنقل خطاباته ورسائله خلال الحرب، بينما استهدفت إسرائيل منشآت مرتبطة بها باعتبارها جزءًا من منظومة إعلامية تابعة للحزب.
دخول المدونات والهواتف إلى ساحة الحرب
بالتوازي مع هيمنة القنوات الفضائية، بدأت ملامح نمط إعلامي جديد بالظهور عبر المدونات والهواتف المحمولة، فقد نقل لبنانيون يومياتهم من قلب الحرب، موثقين تفاصيل لم تكن تظهر دائمًا في التغطيات التقليدية، مثل ظروف الحياة تحت القصف، وانقطاع الخدمات، ومحاولات البحث عن الأقارب والتواصل معهم، ليقدموا رواية إنسانية موازية للخطاب الرسمي الذي تصدر المشهد الإعلامي.
لكن هذا التحول كان محدودًا مقارنة بما حدث لاحقًا، ففي عام 2006 لم يكن الهاتف الذكي قد أصبح منصة متكاملة للتصوير والتحرير والنشر، ولم تكن الخوارزميات قادرة على إيصال مقطع واحد إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق.
كان المواطن قد دخل إلى المشهد الإعلامي، لكنه لم يصبح بعد طرفًا رئيسيًا في صناعة رواية الحرب.
من أزمة الصورة إلى عصر التضليل الرقمي
كشفت حرب 2006 مبكرًا مشكلة ستصبح أكثر تعقيدًا لاحقًا، وهي أن كثرة المصادر لا تعني بالضرورة وضوح الحقيقة، فخلال الحرب، ظهرت قضية تعديل صور نشرتها وكالة “رويترز” بعد اكتشاف تلاعب في صور التقطها أحد المصورين المتعاونين معها، ما أدى إلى سحب الصور وإنهاء التعاون معه.
أظهرت الحادثة قدرة الجمهور الرقمي على مراجعة عمل المؤسسات الإعلامية وكشف الأخطاء، لكنها ساهمت أيضًا في انتشار ثقافة الشك تجاه الصور عمومًا.
أما اليوم، فقد أصبحت المشكلة أكبر مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج صور وأصوات ومقاطع فيديو تبدو واقعية، ما جعل التحقق من المحتوى جزءًا أساسيًا من العمل الصحافي.
الحرب في عصر المنصات
وتصل هذه المواد إلى المستخدمين وفقًا للخوارزميات وتاريخ التفاعل، ما يعني أن الناس لا يشاهدون الحرب نفسها ثم يختلفون في تفسيرها، بل قد يعيش كل منهم نسخة إعلامية مختلفة من الصراع.
كما أصبحت الأطراف المتحاربة تنشر بياناتها ومقاطعها مباشرة، متجاوزة المؤسسات التقليدية، بينما بات الصحافي مطالبًا بفحص المحتوى المنتشر بدل الاكتفاء بنقله.
الصحافي.. من ناقل للحدث إلى محقق
لم تلغ المنصات دور الصحافة، لكنها غيّرته، فلم يعد السبق مرتبطًا دائمًا بالوصول إلى الصورة الأولى، بل بقدرة الصحافي على التحقق من مصدرها ومكانها وزمانها وسياقها.
وليست المشكلة دائمًا في صحة الصورة بحد ذاتها، إذ قد تكون أصلية، لكن توظيفها خارج سياقها الزمني أو المكاني، أو ربطها بادعاء غير دقيق، قد يحولها إلى أداة لتضليل الجمهور.
خلال عقدين، انتقلت رواية الحرب من منافسة بين قنوات محدودة إلى صراع بين آلاف الصور والحسابات والخوارزميات، وأصبحت المعلومات أكثر انتشارًا وقربًا من الناس، لكنها أيضًا أكثر عرضة للتضليل والتجزئة.
ولذلك لم تعد مهمة الصحافة نقل ما حدث فقط، بل حماية الحقيقة من أن تضيع وسط سرعة النشر، ووضع كل صورة وخبر في سياقه قبل أن يتحولا إلى سلاح في معركة الروايات.
