![]()
من كسلا إلى السودان.. هل تنجح اليونسكو في تحويل مواجهة خطاب الكراهية إلى مشروع للسلام؟
تقرير. – هادية صباح الخير
هل تنجح اليونسكو في محاربة خطاب الكراهية وتوحيد جهود السودانيين حول قيم الحوار والتعايش والسلام؟ سؤال يفرض نفسه بقوة مع إطلاق حملة جديدة من مدينة كسلا لمواجهة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة والاستقطاب، في وقت يواجه فيه السودان تحديات عميقة تمس النسيج الاجتماعي وتختبر قدرة المؤسسات والمجتمعات على إعادة بناء الثقة.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: هل تستطيع اليونسكو إطلاق حملة ضد خطاب الكراهية؟ بل: هل تستطيع تحويل الحملة إلى مشروع مجتمعي مستدام، تشارك فيه المدرسة والإعلام والقانون والثقافة والمجتمع، ويصل إلى مختلف مكونات السودان؟
من كسلا، جاءت الرسالة التي تطرحها اليونسكو وشركاؤها واضحة: لا يمكن لمؤسسة واحدة أن تواجه خطاب الكراهية بمفردها، ولا يمكن لرسالة إعلامية واحدة أن تعالج جذور ظاهرة مرتبطة بالتوترات الاجتماعية والمعلومات المضللة والاستقطاب. المطلوب هو توحيد الجهود، والاستماع إلى المجتمعات، وفهم أسباب الانقسام، وفتح مساحات للحوار والتعارف.
اليونسكو أمام اختبار حقيقي
أكد جنيد سوروش والي، مدير مكتب اليونسكو في السودان، أن مواجهة خطاب الكراهية مسؤولية مشتركة، تتطلب تعاون الحكومة ومؤسسات التعليم والإعلام والثقافة والمجتمعات المحلية والمجتمع المدني والشركاء.
وشدد على أن الحملة لا ينبغي أن تكون حدثاً ينتهي بانتهاء فعاليات إطلاقها، وإنما بداية لمسار طويل يستمر داخل المدارس والمؤسسات الإعلامية والمجتمعات والمساحات الثقافية.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي: هل تتحول الرسائل إلى ممارسة؟ وهل تنتقل من قاعات الورش إلى المدارس والأحياء والمنصات الإعلامية؟ وهل تصل إلى المجتمعات المختلفة بلغاتها وثقافاتها وتجاربها المتباينة؟
خطاب الكراهية.. نتيجة أم بداية؟
ترى اليونسكو أن مواجهة خطاب الكراهية لا تبدأ فقط من الكلمات التي يتم تداولها، وإنما من فهم البيئة التي أنتجتها.
فالمعلومات المضللة والاستقطاب والخوف والإقصاء يمكن أن تغذي خطاباً يستهدف الآخر، بينما يمكن للحوار والمعرفة والتواصل أن تفتح مسارات مختلفة.
ولهذا شدد ممثل اليونسكو على أهمية الاستماع إلى المجتمعات وفهم احتياجاتها، ومعرفة الفئات الأكثر تأثراً بالأزمات، والعمل معها للوصول إلى حلول تستجيب لواقعها.
هل يمكن للمدرسة أن تعيد بناء ما هدمه الصراع؟
في رؤية اللجنة الوطنية للتربية والعلم والثقافة، تبدأ المواجهة من المدرسة.
وأكد محمد مصطفى أهمية استخدام التعليم لتعريف الطلاب بالتنوع السوداني وثقافاته ومناطقه وتجارب مجتمعاته المختلفة، باعتبار أن الإنسان قد يرفض ما لا يعرفه، بينما يمكن للمعرفة أن تقود إلى الفهم والقبول.
فالمدرسة هنا ليست مجرد مكان للتحصيل الأكاديمي، وإنما مساحة لبناء شخصية قادرة على الحوار واحترام الاختلاف والتعايش مع الآخر.
الإعلام.. سلاح ذو اتجاهين
في معركة خطاب الكراهية، يقف الإعلام في موقع بالغ الحساسية.
فهو قادر على نشر المعلومات الموثوقة وتعزيز الحوار، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى الالتزام بالمهنية والدقة والحذر عند تناول قضايا الهوية والمجتمع، خصوصاً في بيئة تنتشر فيها المعلومات المضللة.
ومن هنا تبرز أهمية التربية الإعلامية والمعلوماتية، حتى لا يكون المواطن مجرد متلقٍ للمحتوى، بل قادراً على تقييمه وتمييز المعلومات الموثوقة من المضللة.
هل يوحد التنوع السوداني أهله؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكبر.
السودان بلد متعدد الثقافات واللغات والتقاليد، وهو تنوع يمكن أن يكون مساحة للتعارف والتواصل إذا أُدير باعتباره ثروة اجتماعية.
وترى اليونسكو أن الموسيقى والحكايات والفنون والأنشطة المجتمعية يمكن أن تفتح نوافذ للتعارف بين المكونات المختلفة، وأن حماية التنوع الثقافي يمكن أن تكون جزءاً من جهود بناء السلام.
لكن تحويل التنوع إلى قوة للتقارب يحتاج إلى برامج مستمرة، لا فعاليات موسمية.
اللاجئون والمجتمعات المضيفة.. اختبار آخر
وفي كسلا، يكتسب الحديث عن الحوار والتعايش بعداً إضافياً مع وجود اللاجئين والمجتمعات المضيفة.
وشدد ممثل اليونسكو على أهمية الاستماع إلى اللاجئين والتعلم من تجاربهم، والعمل مع المجتمعات المضيفة للوصول إلى حلول تستجيب لاحتياجات الطرفين.
وهنا يصبح إشراك المجتمع شرطاً أساسياً لنجاح أي مبادرة؛ فالحلول التي لا تستمع إلى أصحاب القضية قد تواجه صعوبة في الاستمرار.
القانون والثقافة والاتصالات.. حلقات في السلسلة
لا يكتمل المشروع بالتعليم والإعلام وحدهما.
فالقانون يوفر الحماية لمبدأ المساواة وعدم التمييز، بينما تمنح الثقافة والفنون مساحة للتفاعل والتعبير، ويساعد قطاع الاتصالات على إيصال الرسائل إلى شرائح أوسع وبأكثر من لغة.
وبذلك تصبح مواجهة خطاب الكراهية منظومة مترابطة، لا حملة منفردة.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً
هل تفلح اليونسكو في محاربة خطاب الكراهية وتوحيد أهل السودان حول الحوار والتعايش؟
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمجرد إطلاق الحملة.
الإجابة ستظهر في قدرتها على الاستمرار، وفي مدى وصول رسائلها إلى المدارس والمجتمعات والإعلام، وفي قدرة الشركاء على تحويل الحوار إلى ممارسة، وفي مدى مشاركة المجتمعات نفسها في تحديد احتياجاتها وصناعة الحلول.
فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المنصة وانطفاء مكبرات الصوت.
إذا استمرت الرسائل في المدارس، وإذا أصبح الإعلام أكثر قدرة على مواجهة التضليل، وإذا تحولت الثقافة إلى جسر للتعارف، وإذا شاركت المجتمعات واللاجئون والشباب والنساء في الحوار، وإذا تكاملت الأدوار بين المؤسسات، عندها يمكن قياس أثر المبادرة بصورة أكثر واقعية.
أما توحيد أهل السودان، فلا يمكن أن تصنعه مؤسسة واحدة؛ لكنه يمكن أن يبدأ من مشروع مشترك يؤكد أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن التنوع لا يعني الانقسام، وأن الحوار يمكن أن يصبح طريقاً لإعادة بناء الثقة والسلام.
ومن كسلا، يبدأ السؤال.. فهل تتحول الحملة إلى مسار سوداني طويل لمواجهة خطاب الكراهية وبناء السلام؟
The post من كسلا إلى السودان.. هل تنجح اليونسكو في تحويل مواجهة خطاب الكراهية إلى مشروع للسلام؟ تقرير. – هادية صباح الخير first appeared on مسار ميديا.