![]()
في صيف عام 1941، كانت ليودميلا بافليتشينكو طالبة تاريخ في الرابعة والعشرين عندما قررت ترك حياتها الجامعية والتطوع للقتال ضد الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي.
حاول مسؤولو التجنيد توجيهها إلى العمل ممرضة أو موظفة إدارية، لكنها رفضت وقدمت شهادات تثبت مهارتها التي اكتسبتها في نوادي الرماية ودورات القنص.
بعد قبولها في صفوف الجيش الأحمر، حصلت بافليتشينكو على بندقية “موسين ناغانت” من عيار 7.62 مليمترات، مزودة بمنظار من طراز PE. وخلال نحو عام من القتال، نسب إليها السجل العسكري السوفيتي قتل 309 من جنود وضباط قوات المحور، غالبيتهم من الألمان، بينهم 36 قناصًا.
أصيبت بافليتشينكو بشظايا قذيفة هاون في يونيو/ حزيران 1942، وسُحبت بعد ذلك من الجبهة. سرعان ما تحولت إلى واحدة من أشهر رموز الدعاية السوفيتية، واشتهرت في الصحافة الغربية بلقب “سيدة الموت”.
أرسلها الاتحاد السوفيتي في جولة شملت الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا، حيث دعت إلى فتح جبهة غربية ثانية لتخفيف الضغط عن الجيش الأحمر. لكن شهرتها لم ترتبط بسجلها العسكري وحده، وإنما أيضًا بالبندقية التي رافقتها في ساحات القتال.
فكيف تحولت بندقية وُلدت في عهد القياصرة إلى أحد أشهر رموز القنص السوفيتي في الحرب العالمية الثانية؟
فيديو | شاهد حلقة “ترسانة” كاملة
من الحرب الروسية العثمانية إلى بندقية موسين
تعود بداية القصة إلى الحرب الروسية العثمانية بين عامي 1877 و1878، حين اكتشف الروس ثغرات كبيرة في تسليح قواتهم وعقيدتهم القتالية.
استخدمت قطاعات واسعة من القوات العثمانية بنادق “بيبودي–مارتيني” المصنّعة في الولايات المتحدة، فيما حملت بعض الوحدات غير النظامية بنادق “وينشستر” التكرارية. ومنحت هذه الأسلحة المدافعين العثمانيين، ولا سيما خلال حصار بلفنا، قدرة نارية أظهرت قصور الاعتماد الروسي التقليدي على الهجوم بالحربة.
لم تكن المشكلة في البنادق الروسية وحدها؛ فقد امتلكت وحدات عدة بنادق “بردان” القادرة على إصابة أهداف بعيدة نسبيًا. لكن ضعف التدريب، وتفاوت نوعية السلاح بين الوحدات، واستمرار العقيدة التي منحت الحربة أولوية على الرماية، جعلت التفوق التقني العثماني أكثر تأثيرًا.
خرج الجيش الروسي من الحرب بدرس واضح: لم تعد الحربة قادرة على تعويض بندقية حديثة وجندي مدرّب على استخدامها.
بدأت روسيا خلال ثمانينيات القرن التاسع عشر البحث عن بندقية أصغر عيارًا تعمل بالبارود عديم الدخان وتحتوي على مخزن يسمح بإطلاق عدة طلقات قبل إعادة التلقيم.
قدم الضابط والمهندس الروسي سيرغي إيفانوفيتش موسين تصميمه، في مقابل تصميم منافس قدمه البلجيكي ليون ناغانت. وبعد سلسلة من الاختبارات، اعتُمد تصميم موسين الأساسي مع عناصر مأخوذة من نظام ناغانت، خصوصًا في آلية التغذية ومشبك الذخيرة.
أصدر القيصر ألكسندر الثالث عام 1891 مرسوم اعتمادها باسم “البندقية ثلاثية الخطوط، نموذج 1891”. ويشير تعبير “ثلاثية الخطوط” إلى قياس روسي قديم يساوي في هذه الحالة عيار 7.62 مليمترات.
أما اسم “موسين ناغانت”، الذي شاع خارج روسيا، فلم يكن الاسم الرسمي للبندقية داخل الجيش الروسي، حيث عُرفت غالبًا باسم “بندقية موسين” أو “M1891”.
“موسين ناغانت”.. المتانة في مواجهة الصقيع
كانت “موسين ناغانت” بندقية تكرارية تعمل بالمزلاج، وتحتوي على مخزن داخلي يسع خمس طلقات. بلغ وزن نسختها الأساسية نحو أربعة كيلوغرامات، وزُودت النسخ الأولى بحربة طويلة للقتال القريب.
لم تمثل البندقية ثورة تقنية مقارنة بأفضل بنادق عصرها، لكنها امتازت بالمتانة وبساطة التصنيع والاستخدام والصيانة، إضافة إلى قدرتها على العمل في البرد والثلوج والطين، وهي خصائص شديدة الأهمية بالنسبة إلى جيش ينتشر عبر مساحة روسيا الواسعة.
دخلت البندقية أول اختبار كبير لها خلال الحرب الروسية اليابانية بين عامي 1904 و1905. غير أن امتلاك سلاح أحدث لم يعالج وحده مشكلات التعبئة والتدريب والقيادة والإمداد التي واجهها الجيش الروسي.
أظهرت الحرب أن البندقية يمكن أن تكون موثوقة، فيما يظل أداء الجيش الذي يحملها ضعيفًا. فقد وصل كثير من جنود الاحتياط إلى الجبهة بتدريب محدود، واستمر جزء من القيادة في منح الهجوم بالحربة أهمية أكبر من الرماية الدقيقة.
كشفت الحرب العالمية الأولى المشكلة نفسها على نطاق أوسع. امتلكت روسيا ملايين الجنود، لكنها عانت نقص البنادق والذخيرة وضعف التدريب لدى قطاعات واسعة، في مواجهة جيوش ألمانية ونمساوية استفادت من الرماية المنظّمة والقناصة والتحصينات الميدانية.
حمل المشاة الروس “موسين ناغانت” في الحرب العالمية الأولى، لكن السلاح لم يعالج ضعف التدريب والإمداد – غيتي
السوفيت يحولون بندقية المشاة إلى سلاح قنص
بعد الثورة ووصول البلاشفة إلى الحكم، بدأت القيادة السوفيتية إعادة بناء القوات المسلحة وتوسيع برامج التدريب العسكري والرماية.
لم يتخل السوفيت عن بندقية موسين، وإنما عملوا على تحديثها. وفي عام 1930 اعتمدوا نسخة M1891/30، المبنية على نموذج أقصر كان مخصصًا في الأصل لجنود الفرسان.
لم تكن النسخة الجديدة بندقية قنص حصرًا، فقد أصبحت بندقية المشاة القياسية في الجيش الأحمر. لكن المصانع بدأت منذ عام 1932 اختيار البنادق الأعلى دقة من خطوط الإنتاج وتحويلها إلى نسخ للقنص.
زُودت النماذج الأولى بمناظير PE وPEM التي توفر تكبيرًا يقارب أربع مرات. كما عُدل مقبض المزلاج في بنادق القنص ليصبح منحنيًا إلى الأسفل، بما يسمح بتحريك المزلاج من دون أن يعترضه المنظار المثبت فوق جسم البندقية.
أظهرت الاختبارات قدرة النسخ المختارة على إصابة أهداف بعيدة، لكن نجاحها لم يكن نتيجة المنظار وحده. فقد أنشأ السوفيت برامج ومدارس لاختيار الرماة وتدريبهم على تقدير المسافات والرياح والتمويه وتغيير مواقع الإطلاق.
إسبانيا تختبر البندقية قبل الحرب الكبرى
شكلت الحرب الأهلية الإسبانية، التي اندلعت عام 1936، محطة مبكرة لاختبار الأسلحة السوفيتية خارج حدود الاتحاد السوفيتي.
أرسل السوفيت كميات كبيرة من البنادق إلى القوات الجمهورية التي قاتلت القوميين بقيادة فرانسيسكو فرانكو، وشكلت نسخ “موسين ناغانت” القديمة والمحدثة جزءًا بارزًا من هذه الشحنات.
كان الروائي البريطاني جورج أورويل من المتطوعين الذين قاتلوا إلى جانب الجمهوريين. وفي كتابه تحية إلى كتالونيا، وصف فحصه إحدى “البنادق الروسية”، معتبرًا أنها لم تكن مثالية، لكنها أفضل بكثير من الأسلحة القديمة التي حملها المقاتلون في بداية وجوده على الجبهة.
كشفت التجربة الإسبانية أهمية القناص في الدفاع والهجوم، كما أظهرت مشكلات في إحكام بعض المناظير ضد الغبار والرطوبة. دفعت هذه الملاحظات السوفيت إلى تحسين تصميم المناظير وتبسيطها، بالتوازي مع توسيع برامج تدريب الرماة.
زايتسيف.. القناص الذي صنعته ستالينغراد
مع الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي عام 1941، دخلت “موسين ناغانت” المرحلة الأشهر من تاريخها. وبعد بافليتشينكو، برز اسم قناص آخر ارتبط بها بقوة: فاسيلي زايتسيف.
نشأ زايتسيف قرب جبال الأورال داخل عائلة تمارس الصيد والزراعة، وتعلم استخدام السلاح وتتبع الآثار منذ طفولته. التحق لاحقًا بأسطول المحيط الهادئ السوفيتي، حيث عمل في مهام إدارية، قبل أن يطلب نقله إلى الجبهة بعد الغزو الألماني.
وصل زايتسيف إلى ستالينغراد في سبتمبر/ أيلول 1942، مع الفرقة 284 للبنادق، ليجد مدينة مدمرة تحولت مصانعها ومبانيها وأنابيبها وأنقاضها إلى مواقع للقتال والاختباء.
طور زايتسيف مهارته في تقدير المسافات وحركة الرياح والعوامل المؤثرة في مسار الرصاصة، واستفاد من أنقاض المدينة لتغيير مواقع الاختباء والإطلاق.
لم تكن قيمة القناص في عدد الإصابات وحده. فقد أجبر وجوده الجنود الألمان على التحرك بحذر، وجعل الضباط ومراقبي المدفعية وناقلي الإمدادات أهدافًا يصعب تعويضها، ما منح طلقة واحدة أحيانًا أثرًا يتجاوز الشخص الذي تصيبه.
بحسب السجلات السوفيتية، نُسب إلى زايتسيف قتل 225 من جنود وضباط قوات المحور خلال معركة ستالينغراد. كما درب قناصة آخرين على أساليب التمويه والعمل في مجموعات صغيرة وتغيير الموقع بعد إطلاق النار.
من بندقية عسكرية إلى رمز دعائي
استثمرت الدعاية السوفيتية شهرة القناصة، فنشرت قصصهم ومنحتهم الأوسمة والألقاب، ووصلت صور بعضهم إلى طوابع البريد، كما حدث مع بافليتشينكو.
كان الاتحاد السوفيتي في حاجة إلى أبطال يرفعون معنويات الجنود والمدنيين خلال أصعب سنوات الحرب. وقدمت قصص القناصة نموذجًا مناسبًا: جندي واحد، وبندقية واحدة، وقدرة على مواجهة آلة عسكرية متفوقة وسط الأنقاض.
ارتبط زايتسيف بعبارة “لا أرض لنا وراء الفولغا”، التي تحولت إلى شعار للصمود في ستالينغراد، وإن بقيت الصياغة الدقيقة والظروف التي قيلت فيها جزءًا من الرواية البطولية السوفيتية أكثر من كونها واقعة موثقة مستقلًا.
ساعدت هذه الدعاية على تحويل “موسين ناغانت” من بندقية مشاة منتشرة بالملايين إلى رمز للقنص، مع أن دقتها لم تكن استثنائية في كل نسخة. فقد كانت بنادق القنص تُنتقى من خطوط الإنتاج بعد اختبارها، ثم تزود بالمناظير ويستخدمها رماة خضعوا لتدريب خاص.
منظار أصغر وبندقية أقصر
طور السوفيت خلال الحرب منظارًا أصغر وأخف عُرف باسم PU. صُمم المنظار أساسًا للبندقية نصف الآلية SVT-40، ثم اعتمد منذ عام 1942 على نسخ القنص من “موسين ناغانت”.
وفر المنظار تكبيرًا ثابتًا بمقدار 3.5 مرات، وكان أبسط وأسرع إنتاجًا من منظاري PE وPEM. لذلك أصبح مع بندقية M1891/30 أحد أكثر أشكال سلاح القنص السوفيتي شهرة خلال الحرب.
ظهرت أيضًا نسخة M1944 الأقصر، وهي بندقية قصيرة مزودة بحربة قابلة للطي. صُممت لتكون أسهل حملًا واستخدامًا من البندقية الطويلة، لكنها لم تحل محل النسخة M1891/30 فورًا، ولم تكن في الأساس نسخة مخصصة للقنص.
انتهى إنتاج M1891/30 في الاتحاد السوفيتي عام 1945، فيما استمر إنتاج M1944 حتى أواخر الأربعينيات. وتواصل تصنيع نسخ من البندقية في دول أخرى، بينها بولندا والمجر ورومانيا والصين.
من سلاح الحرب إلى نهاية العصر
بدأ تراجع “موسين ناغانت” قبل أن تنتهي الحرب العالمية الثانية، مع توسع استخدام الرشاشات الخفيفة من سلسلة PPSh، التي وفرت كثافة نيران أعلى في القتال القريب.
بعد الحرب، اتجه الجيش السوفيتي إلى بندقية SKS نصف الآلية، ثم إلى بندقية كلاشينكوف الهجومية AK-47، في انتقال يعكس تغير طبيعة المعركة من الرماية البعيدة ببندقية طويلة تعمل بالمزلاج إلى سلاح أقصر قادر على إطلاق النار بسرعة أكبر.
مع ذلك، لم تختف “موسين ناغانت” فورًا. فقد واصلت الظهور في جيوش ودول مختلفة، وحضرت في الحرب الكورية وحروب أخرى، مستفيدة من سهولة صيانتها وتوافر الذخيرة والأعداد الكبيرة التي أُنتجت منها.
بقيت “موسين ناغانت” في ساحات القتال بعد انتهاء إنتاجها السوفيتي، ومنها الحرب الكورية.
لم تصنع البندقية أساطير القنص السوفيتي وحدها. فقد اجتمعت متانتها وسهولة إنتاجها مع اختيار النسخ الأدق، وإضافة المناظير، وتدريب عشرات آلاف الرماة، ثم جاءت معارك المدن والدعاية لتمنح السلاح رمزيته.
هكذا انتقلت “موسين ناغانت” من بندقية اعتمدها القيصر ألكسندر الثالث في نهاية القرن التاسع عشر إلى سلاح ارتبط ببافليتشينكو وزايتسيف وأشهر صور القنص السوفيتي، قبل أن تتراجع أمام جيل جديد غيّر شكل القتال الحديث.
المصادر
