مولانا أحمد سليمان العوض يكتب حول تأشيرة البرهان: قراءة في اتفاقية مقر الأمم المتحدة

مولانا أحمد سليمان العوض يكتب حول تأشيرة البرهان: قراءة في اتفاقية مقر الأمم المتحدة

Loading

أثارت واقعة عدم اصدار الولايات المتحدة الامريكية تأشيرة دخول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني وممثل جمهورية السودان القانوني للمشاركة في أعمال الدورة (81) للجمعية العامة مسألة قانونية تتجاوز الخلافات السياسية بين البلدين والسؤال هنا هل يجوز للدولة المضيفة لمقر الامم المتحدة أن تمنع ممثل دولة عضو من الوصول الي مقر المنظمة وأن تربط ذلك الحضور بقبول موقف سياسي معين؟ وهل رئيس مجلس السيادة يزور الولايات المتحدة الامريكية أم أنه يشارك في اعمال الجمعية العامة للامم المتحدة؟؟

 

الولايات المتحدة الامريكية ليست مجرد دولة وأنما هي الدولة المضيفة لمقر الامم المتحدة بموجب اتفاقية المقر التي وقعتها مع المنظمة في 26 يونيو 1947 وأقرتها الجمعية العمومية في 31أكتوبر 1947م ودخلت حيز النفاذ في 21 نوفمبر 1947م ومسجلة في معاهدات الامم المتحدة تحت الرقم (147) وهو ليس اتفاقاً لتنظيم مبني الامم المتحدة.

وجمهورية السودان دولة عضو في الامم المتحدة ورئيس مجلس سيادتها يمثلها قانوناً في المناسبات الرسمية والمحافل الدولية، وسبق له ان خاطب الجمعية العمومية بصفته هذه ، فتبدل النظرة الساسية للدولة المضيفة للمقر لايمنحها الحق القانوني في منعه والا أعتبرت نفسها تقوم مقام الامم المتحدة وبالتالي تصبح مُغتصبه ومُصادره لارادة الكيان الاممي بأكمله.

 

ولبيان طبيعة هذا الرفض نستعرض بشكل مختصر الجزء الاهم من اتفاقية المقر الذي يناقش المسألة :

ينص القسم (11) من المادة (4) من الاتفاقية علي ألتزام السلطات الفيدرالية والولائية والمحلية في الولايات المتحدة بعدم وضع عوائق أمام أنتقال ممثلي الدول الاعضاء الي مقر المنظمة أو منها، وتشمل هذه الحماية ( ممثلي الدول الاعضاء- مسئولي الامم المتحدة- الوكالات المتخصصة وغيرهم يلي ( the federal, state or local authorities of united states shall not impose any impediments to transit to or from the headquarters disttrict….)

وترجمته الي العربية ( لايجوز للسلطات الفيدرالية أو سلطات الولايات أو السلطات المحلية في الولايات المتحدة أن تفرض اي عوائق أمام العبور الي منطقة مقر المنظمة أو منها….) واستخدم النص عبارة لايجوز للالزام، اي ليس للولايات المتحدة اي صلاحيات أو سلطات جوزاية في ذلك، ومن ثم تكون الدولة المضيفة قد أرتكبت خرقاً وفعلاً مخالفاً للقانون في الولايات المتحدة ، ومخالفاً للاتفاقية الدولية.

 

وتأتي الاهمية الاكبر في هذا الصدد التي ينص عليها القسم (12) وهي استقلال الحق عن العلاقات السياسية بين الدول ، فالحماية المقررة بموجب القسم (11) لاتتأثر بطبيعة العلاقات الثنائية بين الحكومتين ( اي الدولة المضيفة والدول التي مُنع ممثلها) وهنا يكون الغرض أن الدولة المضيفة عند استخدامها لعلاقاتها السيئة بالدولة الاخري ستتحول المنظمة الدولية الي مكان يخضع الوصول اليه لارادة الدولة المضيفة ويتعارض هذا الحكم مع الغرض الاساسي من أنشاء مقر المنظمة الدولية في أقليم.الدولة المضيفة والنص يقرأ كمايلي:

the provisions of section 11 shall be applicable irrespective of the relation existing between the governments of the persons referred to in that section and the government of the united states…

وترجمتة للعربية ( تطبق أحكام القسم 11 بغض النظر عن العلاقات القائمة بين حكومات الاشخاص المشار اليهم في ذلك القسم وحكومة الولايات المتحدة.) وبذلك فأن الخلاف السياسي بين الدولتين لايشكل أساساً لاسقاط الحماية التني تمنحها أتفاقية المقر لممثل جمهورية السودان ، والنص واضح جداً ووضع تحديداً لمنع ان تتحول العلاقات السياسية بين الدولة المضيفة والدول الاخري الي وسيلة لتعطيل حقوق الوصول الي مقر الامم المتحدة.

 

والمادة (2) من ميثاق الامم المتحدة تنص علي ( تقوم الهيئة علي مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها) والفقرة (4) من ذات المادة ( يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو أستخدامها ضد سلامة الاراضي أو الاستغلال السياسي لاي دولة أو علي أي وجه آخر لايتفق مع مقاصد الامم المتحدة وكذلك الماده ( 1) مقاصد الامم المتحدة الفقرة (2) أنماء العلاقات الودية بين الامم علي أساس أحترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها حق تقرير مصيرها.

 

وكذلك الفقرة (7) ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للامم المتحدة أن تتدخل في الشئون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما وليس فيه ما يقتضي الاعضاء أن يعرضوا مثل هذه المسائل لان تُخل بحكم هذا الميثاق.

 

وفي تقديري أن الولايات المتحدة لم تنتهك أتفاقية المقر فحسب بل امتد الانتهاك ليشمل مقاصد الامم المتحدة ومبادئها فضلاً عن ذلك ان مبدأ السيادة بين جميع الاعضاء لايمكن من خلاله تبرير تصرف الولايات المتحدة فكونها الدولة المضيفة ومن الاعضاء الدائمين لايمنحها ذلك الحق في محاولات سلب السيادة والمشاركة في الاجتماعات الدولية لدولة عضواً في الامم المتحدة.

لقد صممت اتفاقية المقر خصيصاً لكي تستمر اعمال الامم المتحدة حتي في ظل الخلافات السياسية ، والقسم (13) يمنع تطبيق قوانين الهجرة بطريقة تتعارض مع هذه الحماية وينص القسم علي منح التاشيرات المطلوبة باسرع مايمكن للاشخاص المشمولين بالقسم (11) .

Laws and regulation in force in the united states regarding the entry of aliens shall not be applied in such manner as to interfere with the privileges referred to in section 11

When visas are required for persons referred to in that section ,they shall be granted without charge and as promptly as possible.

وترجمته للعربية (لايجوز تطبيق القوانين واللوائح النافذه في الولايات المتحدة والمتعلقة بدخول الاجانب علي نحو يتعارض مع الامتيازات المشار اليها في القسم (11) وعندما تكون التاشيرات مطلوبة للاشخاص المشار اليهم في ذلك القسم ، يجب منحها دون رسوم في أسرع وقت) ووجوب المنح معلوم في القوانين الوطنية والدولية.

 

وتقديري هنا أننا لانتحدث عن منع الرئيس عبدالفتاح البرهان فحسب وهو يمثل الدولة السودانية ، وشعب السودان لايغفر مثل هذه التصرفات، لكن كافة النصوص تستبعد جعل الخلاف السياسي سبباً تتعطل بموجبه هذه الحماية ، وتصريحات الخارجية الامريكية بأن قائد القوات المسلحة لايمثل حكماً دستورياً والقوات المسلحة السودانية تحكم بقوة السلاح ، هي أراء سياسية تخص دولتهم ، ومما يؤسف له استخدام هذه الاراء كذريعة لتبرير =منع ممثل دولة من حضور محفل دولي ممثلاً لدولته وشعبه، كأنها تنُصب نفسها مكان الامم المتحدة مما أحرجها ووضعها في موضع الوصاية من حكومة الولايات المتحدة الامريكية، التي قررت أن تحدد من يشارك في أجتماعات الجمعية العمومية ومن لايشارك وبالفعل فأن الهيئة الدولية تحتاج الي عملية أصلاح عميقة.

لقد شارك الرئيس البرهان في اجتماعات الجمعية العامه في العام 2022م والعام 2024م وسُجل في الوثائق الرسمية للهيئة الاممية بصفتة رئيس مجلس السيادة لجمهورية السودان وتعاملت معه الامم المتحدة رسمياً بهذه الصفة.

 

والرئيس البرهان ليس زائراً للولايات المتحدة الامريكية حتي تستخدم الخارجية الامريكية رأيها السياسي في منع الحصول علي تأشيرة ، ومعلوم أنه كان سيشارك في الاجتماع الدولي ، والدولة المضيفة ليست هي الجهه التي تختار قانوناً من يمثل دولة ومن لايمثلها ولايمكنها سلب جمهورية السودان سيادتها وأستقلالها ولا التقرير في مصير شعبها ومن يحكمه بهذه التصرفات ، وحل مشكلة السودان يظل دائماً حلاً داخلياً سودانياً.

والجيش السوداني مؤسسة دولة تمارس حقها الدستوري في الدفاع عن مواطنيها وتقوم بوظيفتها الدستورية في حماية استقلال الدولة السودانية وحماية شعبها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان.

واراء الولايات المتحدة السياسية قادتها في انهاية الامر الي مخالفات قانونية جسيمة سلبت دولتهم شخصيتها القانونية واستقلال مؤسساتها القانونية.

 

*عضو النيابة العامة