نادي الموردة.. تاريخ باذخ وسيرة تستحق أن تُروى أم درمان – توثيق/ خالد فضل المولي

نادي الموردة.. تاريخ باذخ وسيرة تستحق أن تُروى  أم درمان – توثيق/ خالد فضل المولي

Loading

نادي الموردة.. تاريخ باذخ وسيرة تستحق أن تُروى

أم درمان – توثيق/ خالد فضل المولي

يعد نادي الموردة السوداني لكرة القدم إحدى الأقطاب الأربعة للكرة في السودان. هذا النادي سُمي في التقليد الشعبي بـ«شيخ الأندية» لعراقته الضاربة في جذور عشرينيات القرن الماضي.

فالتاريخ لا ترويه الوثائق فحسب، وإنما يُروى من ذاكرة الذين صنعوا الأحداث وواكبوها لحظة بلحظة، ورووا لنا عن ثقات ممن سبقوهم في مسيرة النادي، وتوارثوا تفاصيله جيلا بعد جيل.

وفي هذا السياق كانت المحاولة التوثيقية لإلقاء الضوء على جانب مهم من تاريخ نادي الموردة العريق، وصلته بالبدايات الأولى لكرة القدم السودانية، وذلك من خلال شهادات خاصة نُشرت صوتيا في إحدى القروبات الحيوية لأبناء الموردة «مورداب بالفطرة»، قدمها عدد من رواد صحوة الهلب، ممن كان لهم تأسيس وحضور مشهود في النادي عبر الرابطة المركزية لمشجعي نادي الموردة الرياضي، ونهلوا كثيرا من تاريخ نادي الموردة ونشاطه الرياضي والاجتماعي والثقافي المتوارث، وحملوا هذا الإرث. وقد آثرت نقل هذه الشهادات وتوثيقها كتابة، بعد أخذ موافقة أصحابها، إسهاما في حفظها وإتاحتها للأجيال والمهتمين.

ولا ندعي من خلال هذه الشهادات تقديم الكلمة الفصل في تاريخ كرة القدم السودانية، بقدر ما نسعى إلى فتح باب البحث والتوثيق، وحفظ ما تبقى في ذاكرة الأجيال من روايات وأسماء وأحداث تستحق أن تُدوّن، وأن تُعرض على الباحثين والمهتمين بتاريخ الرياضة والمجتمع في السودان.

ونبدأ هذه السلسلة بشهادتين للأستاذين محمد حامد الجزولي وأحمد الحنان، بما تحملانه من ذكريات وروايات حول الموردة وأبنائها وأدوارهم في البدايات المبكرة للحركة الرياضية وكرة القدم في السودان.

إنها للتوثيق والحوار، ولإضافة ما لدى الآخرين من وثائق وشهادات وتصويبات، حتى تكتمل الصورة، ويُحفظ للأجيال القادمة جانب مهم من ذاكرة الموردة ومدينة أم درمان وتاريخ الرياضة السودانية.

الموردة أسطورة الثمانينيات

وحكى محمد حامد الجزولي، أحد رواد نهضة ومشجعي رابطة نادي الموردة في عصرها الذهبي خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، أن أول من لعب كرة القدم في السودان كانوا أبناء الموردة. والقصة بدأت مع عدد من أبناء الموردة الذين كانوا ضمن الجيش المصري، ومن بينهم جنود وضباط كانوا موجودين في مصر إبان الوجود الإنجليزي. هناك شاهدوا الإنجليز وهم يمارسون كرة القدم، وتعلموا اللعبة معهم، وعندما عادوا إلى السودان نقلوا معهم كرة القدم وبدأوا في ممارستها هنا.

ويقول: ونحن عندما نتحدث عن هذه البدايات، فإننا نتحدث عن فترة مبكرة جدا تعود إلى بدايات عشرينيات القرن الماضي.

بعد ذلك بدأت كرة القدم تنتشر بين أبناء الموردة، وظهرت المنافسات بين «الحلة الفوق» و«الحلة التحت». «الحلة الفوق» كانت في جهة فريق ريد والمناطق المجاورة، بينما كانت «الحلة التحت» في الجهة الأخرى غرب الخور، ناحية حي الضباط وما امتد منها. وكان أبناء المنطقتين يلعبون ضد بعضهم البعض.

ومع مرور الوقت، تعلم الآخرون كرة القدم على أيدي أبناء الموردة الوافدين من مصر، وهكذا انتشرت اللعبة من مجموعة إلى أخرى، وبدأت الفرق تتكون بصورة تدريجية.

فرق انبثقت من الموردة

وواصل الجزولي في سرده عن الفرق التي تكونت بفضل نادي الموردة، وأوضح أن أول فريق كان «قلب الأسد»، الذي كان يعرف أيضا باسم «أشبال الموردة»، إلى أن جاءت مرحلة تسجيل الموردة بصورة رسمية في العام 1925.

وأضاف أن تاريخ الموردة يسبق التسجيل الرسمي بكثير. ففي العام 1924 كانت هناك جمعية اللواء الأبيض، وبرزت أسماء وطنية معروفة مثل علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ. وفريق الموردة نفسه ارتبط في تلك المرحلة بالنشاط الوطني، وكان يمثل ستارا لنشاط سياسي لبعض الضباط السودانيين المناهضين للاستعمار، وكانوا ضمن أعضاء النادي قبل أن يأتي التسجيل الرسمي لاحقا.

شواهد تاريخية عن النادي

وأضاف أن هناك الكثير من الشواهد التي تحتاج إلى الرجوع إليها عند الحديث عن تاريخ الأندية السودانية. وأذكر أنني اطلعت على كتاب للمريخ، وكنت قد نشرت منه في صفحتي على فيسبوك، ورد فيه أن تأسيس المريخ كان في العام 1930.

وأذكر أيضا مقابلة قديمة أُجريت مع كابتن النور مطر، أحد رجالات الموردة وكباتنها، تحدث فيها عن تلك الفترة، وقال بوضوح إنه إلى ذلك الوقت لم يكن هناك شيء اسمه الهلال أو المريخ. وهذه من الشهادات القديمة التي ينبغي البحث عنها وإعادتها إلى دائرة التوثيق.

تاريخ مدلّس

وأوضح أن بعض تاريخ كرة القدم السودانية تعرض مع مرور الزمن للتغيير والتدليس، وأصبحت بعض المعلومات غير الدقيقة تتكرر حتى تعامل معها البعض وكأنها حقائق تاريخية ثابتة.

الموردة كانت صاحبة ريادة، ومن أوجه هذه الريادة أنها من أوائل الفرق التي امتلكت ناديا، كما أن استاد الموردة شُيد بجهد أبناء الموردة وأهل المنطقة.

لاحقا تردد كثيرا من يقول إن استاد المريخ هو أول استاد، ثم تتكرر هذه المعلومة وتنتقل إلى وسائل الإعلام، ومنها إلى المعلقين العرب، فيرددونها باعتبارها حقيقة تاريخية.

وهنا تكمن أهمية التوثيق، حيث إننا لا نتحدث عن تاريخ الموردة من باب التعصب للنادي، وإنما نتحدث عن وقائع وشهادات ووثائق موجودة ويمكن الرجوع إليها. ومحاولات تغيير هذا التاريخ أو نسب ريادة الموردة إلى غيرها لا تلغي الحقيقة.

التاريخ موجود، والموردة جزء أصيل من بدايات كرة القدم السودانية، ولا يمكن محو هذا التاريخ.

معلومات مغلوطة

يقول الأستاذ أحمد الحنان، أحد الأعضاء القدامى لرابطة مشجعي نادي الموردة:

للأسف الشديد، هناك كثير من التدليس والتزوير الذي طال بعض الحقائق المتعلقة بتاريخ كرة القدم السودانية، وأصبحت معلومات غير دقيقة تتداول عبر الإعلام، بل وتصل أحيانا إلى معلقي المباريات، ثم تتكرر حتى تبدو وكأنها حقائق ثابتة.

ومن هنا يأتي واجبنا في مثل هذه المجموعات، بأن نملك الأجيال التي تأتي من بعدنا، وخاصة الشباب، الحقائق التي نعرفها، حتى تُحفظ وتوثق للتاريخ وللسودان كله.

سرديات ثقات الموردة

وفيما يتعلق بالموردة، حول مسألة أقدميتها وبداياتها، بالنسبة لنا كانت واضحة. فالجيش الإنجليزي عندما دخل السودان كان يمارس كرة القدم، وكانت لديهم الكرات الجلدية القديمة ذات الرباط، وأقاموا سكناتهم ومعسكراتهم وبدأوا يمارسون اللعبة فيما بينهم.

وفي ذلك الوقت كان عدد من شباب الأحياء يلتحقون بالجيش، وكانت منطقتنا تضم حي الضباط، وهو من الأحياء القريبة من منطقة سلاح المهندسين وقصر الشباب والأطفال، وكانت المنطقة في الأصل مرتبطة بالسكنات العسكرية.

وقد سمعت هذه التفاصيل بصورة مباشرة وشفاهية من عمنا خضر بلال، والد مزمل ضالين، والباشمهندس عصام والباشمهندس صلاح خضر بلال، رحمه الله وغفر له. وللأسف لم تكن لدينا في ذلك الوقت الوسائل التي تمكننا من تسجيل مثل هذه الشهادات وتوثيقها، ولكنني سمعتها منه شخصيا.

كان يحدثنا عن حي الضباط، وعن قربه من سلاح المهندسين، وعن سكن الضباط وأسرهم بالقرب من مواقع عملهم، ولذلك كانت هذه الأحياء من الأحياء العريقة والمميزة في المنطقة.

وكذلك كانت هناك أحياء أخرى في الموردة ارتبطت بالعسكريين وأصحاب الرتب، ومنها المنطقة المعروفة بحي الصولات، من الرتبة العسكرية «الصول». ولذلك كانت الموردة بصورة عامة منطقة ارتبطت بالعساكر وأبنائهم، وفي هذه البيئة بدأت كرة القدم وانتشرت في منطقتنا.

وذكر لي عمنا خضر بلال عددا من الأسماء التي ارتبطت بتلك البدايات. ومن الأسماء التي ما زلت أتذكرها عمنا نور مطر، الذي كان من المهتمين بكرة القدم، وكان لاعبا وكابتنا وإداريا للفريق، وكذلك شناوي، وعدد من أبناء وأسر المنطقة.

كما ارتبط حي الضباط بعدد من الشخصيات الوطنية والعسكرية، ومن الأسماء التي وردت في حديثه علي عبد اللطيف، وعدد من أبناء وأفراد أسرة الماظ، إلى جانب أسماء أخرى من أبناء المنطقة.

وحتى ثورة 1924، بحسب ما سمعناه ممن عاصر تلك الفترة، كان جانب من تنظيمها وتحركاتها مرتبطا بحي الضباط في منطقتنا، حي الموردة.

ولهذا أقول دائما: التاريخ لا ينبغي أن يُشوّه، ولا ينبغي التدليس عليه.

هذه حياتنا وذاكرتنا التي توارثناها، ومن حقنا أن نحفظها ونفتخر بها، لأنها ترتبط بتاريخ السودان نفسه.

وعندما نقول إن منطقتنا تعرضت للاستهداف، ونتحدث اليوم مع أولادنا، ومنهم ناس مجدي، عن الاتحاد والاستهداف، فإننا لا نتحدث من فراغ، وإنما عن إحساس بأن هناك استهدافا ممنهجا ومعروفا لهذه المنطقة.

لماذا الموردة؟ ولماذا كرة القدم والاجتماعيات والرياضة وكل ما ارتبط بهذه المنطقة؟

لأن هذه المنطقة كانت في نظرنا من الأسس التي قامت عليها الحياة الاجتماعية والوطنية في السودان.

دي النواة التي منها تسلل اسم السودان.

وأقول ذلك بدون عنصرية، ونتحدث فيه بكل شفافية. فالموردة كانت منطقة للنخب، ومنطقة للوعي السياسي، وهذه حقيقة ينبغي أن تُحفظ وتوثق وتكتب، بدلا من أن تتعرض للتدليس أو التلاعب.

أما بالنسبة للهلال والمريخ، فالتاريخ معروف، وقد وثق الأخ أبو الجزولي جانبا منه، وكان ذلك سببا في النقاش والخلاف الذي حدث مع عباس.

والمعروف أن حي العرب والمسالمة متجاوران، ويفصل بينهما شارع الشنقيطي الممتد من السوق، وكان الأولاد يلعبون كرة القدم في سوق القش خلف حي العرب، في المنطقة القريبة من نادي الحديد حاليا.

ومن هناك نشأت المنافسة بين أبناء الحيين، ومع حماس المنافسة ظهر الهلال والمريخ.

ومن الشواهد التي أراها مهمة كذلك أن الضباط ظلوا حاضرين في تكوين الفرق وإدارتها، وهناك أسماء وشخصيات من خلفيات مختلفة ارتبطت برئاسة وإدارة هذه الفرق في تلك الفترة.

وفي النهاية، ما أريد التأكيد عليه هو أن الموردة هي الأساس، والموردة هي الأقدم.

هذا تاريخ ينبغي ألا يُزوّر، وواجبنا أن نحفظه ونوثقه وننقله إلى الأجيال القادمة كما وصل إلينا من الذين سبقونا.

نادي الموردة.. تاريخ باذخ وسيرة تستحق أن تُروى

أم درمان – توثيق/ خالد فضل المولي

يعد نادي الموردة السوداني لكرة القدم إحدى الأقطاب الأربعة للكرة في السودان. هذا النادي سُمي في التقليد الشعبي بـ«شيخ الأندية» لعراقته الضاربة في جذور عشرينيات القرن الماضي.

فالتاريخ لا ترويه الوثائق فحسب، وإنما يُروى من ذاكرة الذين صنعوا الأحداث وواكبوها لحظة بلحظة، ورووا لنا عن ثقات ممن سبقوهم في مسيرة النادي، وتوارثوا تفاصيله جيلا بعد جيل.

وفي هذا السياق كانت المحاولة التوثيقية لإلقاء الضوء على جانب مهم من تاريخ نادي الموردة العريق، وصلته بالبدايات الأولى لكرة القدم السودانية، وذلك من خلال شهادات خاصة نُشرت صوتيا في إحدى القروبات الحيوية لأبناء الموردة «مورداب بالفطرة»، قدمها عدد من رواد صحوة الهلب، ممن كان لهم تأسيس وحضور مشهود في النادي عبر الرابطة المركزية لمشجعي نادي الموردة الرياضي، ونهلوا كثيرا من تاريخ نادي الموردة ونشاطه الرياضي والاجتماعي والثقافي المتوارث، وحملوا هذا الإرث. وقد آثرت نقل هذه الشهادات وتوثيقها كتابة، بعد أخذ موافقة أصحابها، إسهاما في حفظها وإتاحتها للأجيال والمهتمين.

ولا ندعي من خلال هذه الشهادات تقديم الكلمة الفصل في تاريخ كرة القدم السودانية، بقدر ما نسعى إلى فتح باب البحث والتوثيق، وحفظ ما تبقى في ذاكرة الأجيال من روايات وأسماء وأحداث تستحق أن تُدوّن، وأن تُعرض على الباحثين والمهتمين بتاريخ الرياضة والمجتمع في السودان.

ونبدأ هذه السلسلة بشهادتين للأستاذين محمد حامد الجزولي وأحمد الحنان، بما تحملانه من ذكريات وروايات حول الموردة وأبنائها وأدوارهم في البدايات المبكرة للحركة الرياضية وكرة القدم في السودان.

إنها للتوثيق والحوار، ولإضافة ما لدى الآخرين من وثائق وشهادات وتصويبات، حتى تكتمل الصورة، ويُحفظ للأجيال القادمة جانب مهم من ذاكرة الموردة ومدينة أم درمان وتاريخ الرياضة السودانية.

الموردة أسطورة الثمانينيات

وحكى محمد حامد الجزولي، أحد رواد نهضة ومشجعي رابطة نادي الموردة في عصرها الذهبي خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، أن أول من لعب كرة القدم في السودان كانوا أبناء الموردة. والقصة بدأت مع عدد من أبناء الموردة الذين كانوا ضمن الجيش المصري، ومن بينهم جنود وضباط كانوا موجودين في مصر إبان الوجود الإنجليزي. هناك شاهدوا الإنجليز وهم يمارسون كرة القدم، وتعلموا اللعبة معهم، وعندما عادوا إلى السودان نقلوا معهم كرة القدم وبدأوا في ممارستها هنا.

ويقول: ونحن عندما نتحدث عن هذه البدايات، فإننا نتحدث عن فترة مبكرة جدا تعود إلى بدايات عشرينيات القرن الماضي.

بعد ذلك بدأت كرة القدم تنتشر بين أبناء الموردة، وظهرت المنافسات بين «الحلة الفوق» و«الحلة التحت». «الحلة الفوق» كانت في جهة فريق ريد والمناطق المجاورة، بينما كانت «الحلة التحت» في الجهة الأخرى غرب الخور، ناحية حي الضباط وما امتد منها. وكان أبناء المنطقتين يلعبون ضد بعضهم البعض.

ومع مرور الوقت، تعلم الآخرون كرة القدم على أيدي أبناء الموردة الوافدين من مصر، وهكذا انتشرت اللعبة من مجموعة إلى أخرى، وبدأت الفرق تتكون بصورة تدريجية.

فرق انبثقت من الموردة

وواصل الجزولي في سرده عن الفرق التي تكونت بفضل نادي الموردة، وأوضح أن أول فريق كان «قلب الأسد»، الذي كان يعرف أيضا باسم «أشبال الموردة»، إلى أن جاءت مرحلة تسجيل الموردة بصورة رسمية في العام 1925.

وأضاف أن تاريخ الموردة يسبق التسجيل الرسمي بكثير. ففي العام 1924 كانت هناك جمعية اللواء الأبيض، وبرزت أسماء وطنية معروفة مثل علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ. وفريق الموردة نفسه ارتبط في تلك المرحلة بالنشاط الوطني، وكان يمثل ستارا لنشاط سياسي لبعض الضباط السودانيين المناهضين للاستعمار، وكانوا ضمن أعضاء النادي قبل أن يأتي التسجيل الرسمي لاحقا.

شواهد تاريخية عن النادي

وأضاف أن هناك الكثير من الشواهد التي تحتاج إلى الرجوع إليها عند الحديث عن تاريخ الأندية السودانية. وأذكر أنني اطلعت على كتاب للمريخ، وكنت قد نشرت منه في صفحتي على فيسبوك، ورد فيه أن تأسيس المريخ كان في العام 1930.

وأذكر أيضا مقابلة قديمة أُجريت مع كابتن النور مطر، أحد رجالات الموردة وكباتنها، تحدث فيها عن تلك الفترة، وقال بوضوح إنه إلى ذلك الوقت لم يكن هناك شيء اسمه الهلال أو المريخ. وهذه من الشهادات القديمة التي ينبغي البحث عنها وإعادتها إلى دائرة التوثيق.

تاريخ مدلّس

وأوضح أن بعض تاريخ كرة القدم السودانية تعرض مع مرور الزمن للتغيير والتدليس، وأصبحت بعض المعلومات غير الدقيقة تتكرر حتى تعامل معها البعض وكأنها حقائق تاريخية ثابتة.

الموردة كانت صاحبة ريادة، ومن أوجه هذه الريادة أنها من أوائل الفرق التي امتلكت ناديا، كما أن استاد الموردة شُيد بجهد أبناء الموردة وأهل المنطقة.

لاحقا تردد كثيرا من يقول إن استاد المريخ هو أول استاد، ثم تتكرر هذه المعلومة وتنتقل إلى وسائل الإعلام، ومنها إلى المعلقين العرب، فيرددونها باعتبارها حقيقة تاريخية.

وهنا تكمن أهمية التوثيق، حيث إننا لا نتحدث عن تاريخ الموردة من باب التعصب للنادي، وإنما نتحدث عن وقائع وشهادات ووثائق موجودة ويمكن الرجوع إليها. ومحاولات تغيير هذا التاريخ أو نسب ريادة الموردة إلى غيرها لا تلغي الحقيقة.

التاريخ موجود، والموردة جزء أصيل من بدايات كرة القدم السودانية، ولا يمكن محو هذا التاريخ.

معلومات مغلوطة

يقول الأستاذ أحمد الحنان، أحد الأعضاء القدامى لرابطة مشجعي نادي الموردة:

للأسف الشديد، هناك كثير من التدليس والتزوير الذي طال بعض الحقائق المتعلقة بتاريخ كرة القدم السودانية، وأصبحت معلومات غير دقيقة تتداول عبر الإعلام، بل وتصل أحيانا إلى معلقي المباريات، ثم تتكرر حتى تبدو وكأنها حقائق ثابتة.

ومن هنا يأتي واجبنا في مثل هذه المجموعات، بأن نملك الأجيال التي تأتي من بعدنا، وخاصة الشباب، الحقائق التي نعرفها، حتى تُحفظ وتوثق للتاريخ وللسودان كله.

سرديات ثقات الموردة

وفيما يتعلق بالموردة، حول مسألة أقدميتها وبداياتها، بالنسبة لنا كانت واضحة. فالجيش الإنجليزي عندما دخل السودان كان يمارس كرة القدم، وكانت لديهم الكرات الجلدية القديمة ذات الرباط، وأقاموا سكناتهم ومعسكراتهم وبدأوا يمارسون اللعبة فيما بينهم.

وفي ذلك الوقت كان عدد من شباب الأحياء يلتحقون بالجيش، وكانت منطقتنا تضم حي الضباط، وهو من الأحياء القريبة من منطقة سلاح المهندسين وقصر الشباب والأطفال، وكانت المنطقة في الأصل مرتبطة بالسكنات العسكرية.

وقد سمعت هذه التفاصيل بصورة مباشرة وشفاهية من عمنا خضر بلال، والد مزمل ضالين، والباشمهندس عصام والباشمهندس صلاح خضر بلال، رحمه الله وغفر له. وللأسف لم تكن لدينا في ذلك الوقت الوسائل التي تمكننا من تسجيل مثل هذه الشهادات وتوثيقها، ولكنني سمعتها منه شخصيا.

كان يحدثنا عن حي الضباط، وعن قربه من سلاح المهندسين، وعن سكن الضباط وأسرهم بالقرب من مواقع عملهم، ولذلك كانت هذه الأحياء من الأحياء العريقة والمميزة في المنطقة.

وكذلك كانت هناك أحياء أخرى في الموردة ارتبطت بالعسكريين وأصحاب الرتب، ومنها المنطقة المعروفة بحي الصولات، من الرتبة العسكرية «الصول». ولذلك كانت الموردة بصورة عامة منطقة ارتبطت بالعساكر وأبنائهم، وفي هذه البيئة بدأت كرة القدم وانتشرت في منطقتنا.

وذكر لي عمنا خضر بلال عددا من الأسماء التي ارتبطت بتلك البدايات. ومن الأسماء التي ما زلت أتذكرها عمنا نور مطر، الذي كان من المهتمين بكرة القدم، وكان لاعبا وكابتنا وإداريا للفريق، وكذلك شناوي، وعدد من أبناء وأسر المنطقة.

كما ارتبط حي الضباط بعدد من الشخصيات الوطنية والعسكرية، ومن الأسماء التي وردت في حديثه علي عبد اللطيف، وعدد من أبناء وأفراد أسرة الماظ، إلى جانب أسماء أخرى من أبناء المنطقة.

وحتى ثورة 1924، بحسب ما سمعناه ممن عاصر تلك الفترة، كان جانب من تنظيمها وتحركاتها مرتبطا بحي الضباط في منطقتنا، حي الموردة.

ولهذا أقول دائما: التاريخ لا ينبغي أن يُشوّه، ولا ينبغي التدليس عليه.

هذه حياتنا وذاكرتنا التي توارثناها، ومن حقنا أن نحفظها ونفتخر بها، لأنها ترتبط بتاريخ السودان نفسه.

وعندما نقول إن منطقتنا تعرضت للاستهداف، ونتحدث اليوم مع أولادنا، ومنهم ناس مجدي، عن الاتحاد والاستهداف، فإننا لا نتحدث من فراغ، وإنما عن إحساس بأن هناك استهدافا ممنهجا ومعروفا لهذه المنطقة.

لماذا الموردة؟ ولماذا كرة القدم والاجتماعيات والرياضة وكل ما ارتبط بهذه المنطقة؟

لأن هذه المنطقة كانت في نظرنا من الأسس التي قامت عليها الحياة الاجتماعية والوطنية في السودان.

دي النواة التي منها تسلل اسم السودان.

وأقول ذلك بدون عنصرية، ونتحدث فيه بكل شفافية. فالموردة كانت منطقة للنخب، ومنطقة للوعي السياسي، وهذه حقيقة ينبغي أن تُحفظ وتوثق وتكتب، بدلا من أن تتعرض للتدليس أو التلاعب.

أما بالنسبة للهلال والمريخ، فالتاريخ معروف، وقد وثق الأخ أبو الجزولي جانبا منه، وكان ذلك سببا في النقاش والخلاف الذي حدث مع عباس.

والمعروف أن حي العرب والمسالمة متجاوران، ويفصل بينهما شارع الشنقيطي الممتد من السوق، وكان الأولاد يلعبون كرة القدم في سوق القش خلف حي العرب، في المنطقة القريبة من نادي الحديد حاليا.

ومن هناك نشأت المنافسة بين أبناء الحيين، ومع حماس المنافسة ظهر الهلال والمريخ.

ومن الشواهد التي أراها مهمة كذلك أن الضباط ظلوا حاضرين في تكوين الفرق وإدارتها، وهناك أسماء وشخصيات من خلفيات مختلفة ارتبطت برئاسة وإدارة هذه الفرق في تلك الفترة.

وفي النهاية، ما أريد التأكيد عليه هو أن الموردة هي الأساس، والموردة هي الأقدم.

هذا تاريخ ينبغي ألا يُزوّر، وواجبنا أن نحفظه ونوثقه وننقله إلى الأجيال القادمة كما وصل إلينا من الذين سبقونا.

The post نادي الموردة.. تاريخ باذخ وسيرة تستحق أن تُروى أم درمان – توثيق/ خالد فضل المولي first appeared on مسار ميديا.