![]()


من عطبرة، مدينة الحديد والنار، ومن قلب قاعة التأمين الصحي، جاء الخبر الذي يستحق أن نتوقف عنده طويلا، ليس لأنه مجرد خبر عابر عن منتدى طبي، بل لأنه يكشف عن تحول كبير في طريقة تفكير الدولة تجاه الصحة، تحول يبدأ من حيث يجب أن يبدأ، من المعمل، من التشخيص، من الحقيقة العلمية قبل وصف الدواء.
عندما يقف الأستاذ مصطفى محمد عثمان الشريف نائب والي ولاية نهر النيل وزير الصحة المكلف، ليخاطب المنتدى الأول لمختبر الإتقان الطبي حول أمراض الجهاز التناسلي للذكور والإناث، فإنه لا يخاطب مجرد مجموعة من فنيي المختبرات والأطباء، بل يخاطب كل المجتمع السوداني، ويضع يده على الجرح الحقيقي الذي تعاني منه المنظومة الصحية في السودان كله منذ عشرات السنين، جرح التشخيص الخاطئ والفحص المتأخر والخجل الاجتماعي من الحديث عن أمراض الجهاز التناسلي.
نحن في السودان تعودنا أن نفكر في الصحة على أنها سرير في مستشفى وطبيب يرتدي سماعة ودواء في صيدلية، ونسينا أن كل هذا لا يساوي شيئا بدون تشخيص سليم. فالطبيب بدون نتيجة معمل دقيقة هو مثل قاض يحكم بدون بينة، ومثل طيار يطير بدون بوصلة. وكم من مريض في السودان مات ليس لأن مرضه خطير، بل لأن تشخيصه كان خاطئا؟ وكم من امرأة فقدت رحمها ليس لأن السرطان كان منتشرا، بل لأنها اكتشفته متأخرة بعد أن خجلت من الذهاب للفحص؟ وكم من شاب أصيب بعقم دائم بسبب التهاب بسيط في المسالك البولية لم يعالج في وقته لأنه لم يجد معملا يثق في نتيجته؟
لذلك فإن أهم جملة قالها وزير الصحة بنهر النيل في هذا المنتدى هي قوله إن هناك ازديادا في حالات الإصابة بسرطانات الرحم والمسالك البولية وأمراض القلب والكبد الوبائي بالولاية. هذه الجملة قد يراها البعض عادية، لكنها في الحقيقة جملة شجاعة جدا، لأنها اعتراف رسمي بوجود المشكلة، والاعتراف بالمشكلة هو نصف الحل. فكثير من المسؤولين في السودان يخفون الأرقام الحقيقية خوفا من المساءلة، لكن هذا الوزير قال الحقيقة كما هي، وقال إن هناك ازديادا، وقال إننا نحتاج إلى توعية مجتمعية، ونحتاج إلى نشر ثقافة الفحص المبكر.
وهنا يكمن جوهر القضية، ثقافة الفحص المبكر. فالمجتمع السوداني بطبيعته المحافظة يخجل من الحديث عن أمراض الجهاز التناسلي، ويعتبرها من العيب. فالمرأة تخجل أن تقول إنها تعاني من إفرازات أو نزيف، والرجل يخجل أن يقول إنه يعاني من التهاب أو ألم، وكلاهما يصمت حتى يتفشى المرض ويصبح علاجه مستحيلا أو مكلفا جدا. وما قام به مختبر الإتقان الطبي في عطبرة من تنظيم منتدى متخصص حول أمراض الجهاز التناسلي للذكور والإناث هو كسر لهذا الحاجز من الصمت، هو إعلان بأن هذه الأمراض هي أمراض عادية مثلها مثل الضغط والسكري، يجب أن نتحدث عنها بصراحة وبعلم، وأن نفحصها مبكرا، وأن نعالجها مبكرا.
إن سرطان عنق الرحم مثلا هو من أكثر السرطانات التي يمكن الوقاية منها والشفاء منها إذا تم اكتشافها مبكرا، لكنه يصبح قاتلا إذا تم اكتشافه متأخرا. والفحص المبكر له لا يكلف أكثر من فحص معملي بسيط، لكنه ينقذ حياة امرأة، وينقذ أسرة كاملة من الضياع. وكذلك التهابات المسالك البولية والبروستاتا عند الرجال، هي أمراض بسيطة في بدايتها لكنها تتحول إلى فشل كلوي وعقم إذا أهملت. لذلك فإن التوعية المجتمعية التي تحدث عنها الوزير هي ليست رفاهية، بل هي واجب وطني وديني وأخلاقي.
والنقطة الثانية المهمة في خطاب الوزير هي تأكيده على أهمية دور المختبرات الطبية في المنظومة الصحية، وأنها هي التي توجه التدخلات العلاجية، وضرورة الالتزام بمعايير الجودة وضبط الأداء المخبري. وهذه نقطة في غاية الأهمية، لأننا في السودان نعاني من فوضى كبيرة في مجال المختبرات، فهناك معامل بلا ترخيص، ومعامل بلا أجهزة حديثة، ومعامل بلا كوادر مدربة، ومعامل تعطي نتائج مختلفة لنفس العينة في نفس اليوم. وهذا يفقد المواطن الثقة في كل المنظومة الصحية. فعندما يذهب المواطن إلى طبيب ويقول له الطبيب اذهب وافحص، ثم يأتي بنتيجة غير دقيقة، ثم يأخذ علاجا خاطئا، ثم لا يشفى، فإنه سيفقد الثقة في الطبيب وفي المعمل وفي الدواء وفي الدولة كلها.
لذلك فإن حديث الوزير عن توفير أجهزة حديثة للمعامل بالولاية وتطوير الكوادر العاملة هو حديث يبعث على الأمل، لأنه يضع الإصلاح في مكانه الصحيح. فما فائدة مستشفى كبير جميل بلا معمل دقيق؟ وما فائدة طبيب خريج جامعة عالمية بلا نتيجة مختبر موثوقة؟ إن المختبر هو عقل المستشفى، وإذا كان العقل مريضا فكل الجسد سيكون مريضا.
ونحن هنا لا بد أن نحيي مبادرة مختبر الإتقان الطبي في عطبرة، فهو مختبر خاص لكنه يفكر بعقلية الدولة، يفكر في خدمة المجتمع، يفكر في نشر العلم، وليس فقط في جمع المال. فتنظيم منتدى علمي يجمع الأطباء وفنيي المختبرات وطلاب الطب والمجتمع المدني لمناقشة أمراض الجهاز التناسلي هو عمل كبير يستحق الإشادة والدعم، لأنه يرفع الوعي، ويبادل الخبرات، ويطور الكوادر. وهذا هو الدور الحقيقي للقطاع الخاص، أن يكون شريكا للدولة وليس منافسا لها.
وتحية أكبر لوزير الصحة بنهر النيل وهو يعلن رعايته لمثل هذه المنتديات ولكل البحوث والمؤشرات التي يقدمها المختصون لتطوير العمل المعملي. فالرعاية هنا ليست رعاية شكلية يأتي الوزير ويقطع الشريط ويذهب، بل هي رعاية علمية، حيث قال إن مخرجات هذا المنتدى ستكون نواة لعمل كبير نهتدي به من أجل صحة مواطني الولاية. وهذا يعني أن هناك خطة، وأن هناك متابعة، وأن هناك إرادة لتحويل التوصيات إلى واقع.
والأجمل من ذلك كله هو إعلان الوزير عن جهود الولاية لقيام عدد من المراكز المتخصصة، منها مستشفى خاص للقلب بمنطقة كنور لتقديم خدمات طبية متميزة لمواطني الولاية والولايات الأخرى. فهذا يدل على أن الولاية تفكر في التخصص، وتفكر في اللامركزية، وتفكر في تخفيف الضغط على الخرطوم. فلماذا يسافر مريض القلب من عطبرة إلى الخرطوم أو إلى القاهرة بتكلفة عالية ومشقة كبيرة، بينما يمكن أن يجد العلاج في كنور؟ إن قيام المراكز المتخصصة في الولايات هو قمة العدالة الصحية.
إن ما حدث في عطبرة اليوم يجب أن يكون نموذجا لكل ولايات السودان. فكل ولاية يجب أن تنظم منتديات مماثلة حول الأمراض الأكثر انتشارا فيها، وكل وزير صحة يجب أن يعلن عن خطته لتطوير المعامل، وكل مختبر خاص يجب أن يتحول إلى مركز إشعاع علمي وليس فقط مكان لسحب الدم.
رسالتنا لوزارة الصحة الاتحادية: إن أكبر استثمار يمكن أن تقوم به الدولة اليوم هو الاستثمار في التشخيص. ابنوا المعامل قبل أن تبنوا المستشفيات، دربوا فني المختبر قبل أن تستوردوا أحدث جهاز رنين مغناطيسي، انشروا ثقافة الفحص المبكر قبل أن تنشروا ثقافة العلاج المجاني، لأن الفحص المبكر أرخص من العلاج المتأخر بعشرات المرات، والتشخيص السليم أوفر من الدواء الخاطئ بمئات المرات.
ورسالتنا للمجتمع السوداني في نهر النيل وفي كل السودان: اكسروا حاجز الصمت، لا تخجلوا من الفحص، فالمرض ليس عيبا، والعيب هو إخفاء المرض حتى يقتلك. اذهبوا وافحصوا، علموا بناتكم وأولادكم ثقافة الفحص المبكر، فالمرأة التي تفحص مبكرا تنقذ حياتها وحياة أسرتها.
ورسالتنا للكوادر الصحية في نهر النيل الذين حياهم الوزير وأشاد بأدوارهم المتعاظمة في الفترة الماضية رغم الظروف الاستثنائية: أنتم الأبطال الحقيقيون، أنتم الذين تعملون بلا كهرباء وبلا مرتبات كاملة وبلا أجهزة حديثة، لكنكم تؤدون الأمانة على أكمل وجه. لكم منا كل التحية والتقدير.
في الختام، ما حدث في عطبرة في الثاني من نوفمبر 2026 ليس مجرد منتدى، بل هو بداية لثورة تشخيصية، ثورة معملية، ثورة وعي. نتمنى أن تستمر هذه الثورة، وأن تنتقل من عطبرة إلى الدامر وبربر وأبو حمد وشندي والمتمة، وأن تشمل كل محليات الولاية كما وعد الوزير، وأن تتحول من مجرد كلام في قاعة إلى أجهزة حديثة في كل معمل، وإلى فني مدرب في كل قرية، وإلى مواطن واع يذهب للفحص قبل أن يمرض.
شكرا لوزارة الصحة بنهر النيل، شكرا للتأمين الصحي، شكرا لمختبر الإتقان الطبي، شكرا لكل من حضر وشارك وناقش. فبمثل هذه المنتديات تبنى الأوطان، وبمثل هذه العقول الساعية للتطوير يشفى الإنسان، ويبقى السودان معافى رغم كل الجراح.