![]()
في أواخر القرن التاسع عشر، وفي ظل واقع اجتماعي وسياسي كانت مصر تعيش فيه تحت وطأة الاحتلال البريطاني، ولدت امرأة برزت لاحقًا بوصفها واحدة من أبرز وجوه الحركة النسوية والوطنية في البلاد.
كانت هدى شعراوي واحدة من أبرز رائدات الحركة النسوية المصرية. خرجت من صعيد مصر ووهبت جانبًا كبيرًا من حياتها لقضية المرأة، قبل أن تصبح في طليعة أول مظاهرة نسائية ضد الاحتلال البريطاني، فاتحة صفحة جديدة في تاريخ النضال النسائي.
ولم تكتفِ شعراوي بالعمل الميداني والتنظيمي، إذ كانت من أوائل النساء العربيات اللواتي وثّقن مسيرتهن وتجاربهن من خلال كتابة المذكرات.
هدى شعراوي في محطات
من ولادتها عام 1879 إلى مظاهرات ثورة 1919، وتأسيس الاتحاد النسائي المصري، وصولًا إلى نشاطها العربي دفاعًا عن فلسطين.
النشأة والطفولة.. بين القيود وثراء الثقافة
ولدت نور الهدى محمد سلطان عام 1879، واشتهرت لاحقًا باسم هدى شعراوي. ونشأت في بيئة أرستقراطية محافظة تحكمها عادات “الحريم والسلاملك”، حيث كانت فرص الفتيات في التعليم محدودة، فيما كان تعليم الذكور يحظى بالأولوية، وفق ما ترويه سنية شعراوي، حفيدة هدى ومؤلفة كتاب “وكشفت وجهها”.
ويشير الناقد والمترجم المصري طارق النعمان إلى أن هدى فقدت والدها محمد سلطان باشا، الذي تولى رئاسة مجلس النواب، وهي في سن الخامسة، فتولى شقيقها عمر محمد سلطان رعاية شؤون الأسرة.
تلقّت هدى شعراوي تعليمها المنزلي على أيدي مربيات ومدرسين من ثقافات مختلفة، بينها الفرنسية والتركية، وهو ما أسهم في تشكيل وجدانها ووعيها الفكري، الذي ظهر بوضوح في المراحل اللاحقة من حياتها، بحسب أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس سامية قدري.
وفي مذكراتها، عبّرت شعراوي عن معاناتها خلال تلك الفترة قائلة:
“صرت أكره أنوثتي؛ لأنها حرمتني متعة التعليم وممارسة الحياة الرياضية التي كنت أحبها، كما كانت تحول بعد ذلك بيني وبين الحرية التي كنت أعشقها”.
الزواج والانفصال.. بداية الاستقلال الشخصي
في الثالثة عشرة من عمرها، تزوجت هدى سلطان من ابن عمتها علي شعراوي باشا، الذي كان يكبرها بنحو أربعين عامًا، وحملت بعد الزواج لقبه لتصبح معروفة باسم هدى شعراوي.
وبعد فترة من الزواج، انفصلت عن زوجها قرابة سبع سنوات، قبل أن تستأنف حياتها الزوجية معه مطلع القرن العشرين.
ومثّلت سنوات الانفصال نقطة تحول في حياتها، إذ منحتها مساحة أوسع للاعتماد على نفسها وبناء شخصيتها المستقلة، بعيدًا عن سلطة الشخصيات التي أحاطت بها خلال سنوات طفولتها المبكرة.
البدايات.. العمل الاجتماعي والخيري
بدأت هدى شعراوي نشاطها الاجتماعي والخيري في سن مبكرة. وخلال الحرب العثمانية اليونانية، شكّلت لجنة نسائية صغيرة لمساعدة الجرحى الأتراك، في تجربة مثّلت إحدى إرهاصاتها الأولى في العمل العام.
وتعاونت لاحقًا مع الأميرة عين الحياة أحمد في تأسيس “جمعية ومستشفى محمد علي” لتقديم الرعاية الطبية، وظلت الأميرة تنفق على الجمعية إلى أن توقف نشاطها مؤقتًا مع اندلاع الحرب العالمية الأولى.
وبحسب طارق النعمان، يمكن تلخيص أبرز إنجازات هدى شعراوي خلال مرحلة العمل المدني، الممتدة بين عامي 1907 و1918، في:
- تأسيس جمعية لرعاية الطفولة وإنشاء عدة مستوصفات طبية (مبرة محمد علي).
- تأسيس “جمعية الرقي الأدبي للسيدات”.
- المطالبة بتخصيص قاعة في الجامعة الأهلية لإلقاء محاضرات عامة للنساء يوم الجمعة.
من العمل الخيري إلى النشاط السياسي
بدأت مسيرتها بجمعيات الرعاية والمستوصفات، ثم انتقلت إلى النشاط الوطني خلال ثورة 1919، قبل أن تؤسس إطارًا نسائيًا منظمًا عام 1923.
ثورة 1919.. النساء يخرجن إلى الشارع
عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، وفي 8 مارس/ آذار 1919، نفت سلطات الاحتلال البريطاني زعيم الحركة الوطنية المصرية سعد زغلول وثلاثة من رفاقه إلى جزيرة مالطا.
وأشعل القرار مظاهرات سرعان ما تحولت إلى ثورة واسعة جابت شوارع القاهرة ومحافظات مصر. ولم تقف هدى شعراوي موقف المتفرج، إذ كانت في طليعة المظاهرة النسائية التي خرجت في 16 مارس/ آذار 1919، وضمّت نحو 300 امرأة في مواجهة جنود الاحتلال البريطاني.
ويرى طارق النعمان أن هذه الخطوة كانت بمثابة إعلان خروج المرأة المصرية من “عالم الحريم” إلى الفضاء العام، للمشاركة في المطالبة بالحرية والاستقلال.
وخلّد شاعر النيل حافظ إبراهيم المظاهرة في قصيدته الشهيرة التي جاء فيها:
“خَرَجَ الغَواني يَحتَجِجنَ وَرُحتُ أَرقُبُ جَمعَهُنَّ فَإِذا بِهِنَّ يَتَخِذنَ مِن سودِ الثِيابِ شِعارَهُنَّ
فَطَلَعنَ مِثلَ كَواكِبٍ يَسطَعنَ في وَسَطِ الدُجُنَّه وَأَخَذنَ يَجتَزنَ الطَريقَ وَدارُ سَعدٍ قَصدُهُنَّ”.
تأسيس لجنة سيدات الوفد
أدركت هدى شعراوي أهمية تحويل المشاركة النسائية في ثورة 1919 إلى عمل منظم، فأسست بالتعاون مع زميلاتها “اللجنة المركزية للسيدات في حزب الوفد” عام 1920.
وانتُخبت شعراوي رئيسة للجنة عبر الاقتراع السري، فيما اختيرت الكاتبة والناشطة إستر فهمي ويصا وكيلة لها.
وقادت اللجنة عملًا منظمًا لمتابعة التطورات السياسية والاجتماعية في البلاد، إلى جانب المطالبة بتعديل القوانين المجحفة بحق المرأة، وفق ما ترويه سامية قدري.
واهتمت شعراوي في تلك المرحلة بقضايا تعليم المرأة وعملها وحقوقها السياسية، كما سعت إلى تعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية، وطالبت برفع سن زواج الفتيات، بعدما كانت قد عاشت بنفسها تجربة الزواج في سن الثالثة عشرة.
الاتحاد النسائي المصري وكشف الوجه
رغم وفاة زوجها علي شعراوي باشا مطلع عام 1922، واصلت هدى شعراوي نشاطها الوطني والنسائي.
وفي 16 مارس/ آذار 1923، أسست “الاتحاد النسائي المصري” وتولت رئاسته. وبعد أقل من شهرين، سافرت برفقة سيزا نبراوي ونبوية موسى إلى روما، للمشاركة في المؤتمر التاسع للتحالف النسائي الدولي وتمثيل مصر.
وخلال المؤتمر، ظهرت المندوبات المصريات مكشوفات الوجوه، بعدما رأين أن تغطية الوجه تعوق التواصل وتحد من فاعلية مشاركتهن.
وعند عودة الوفد إلى القاهرة، كشفت هدى شعراوي وسيزا نبراوي وجهيهما لدى نزولهما من القطار، بعدما نزعتا اليشمك الذي كان يغطي الوجه، أمام النساء اللواتي احتشدن في محطة القاهرة لاستقبالهما.
وتوضح سنية شعراوي أن هدى لم تلقِ غطاء الوجه أرضًا أو تدسه بقدميها، كما شاع في بعض الروايات، وإنما رفعته ولفّته حول رأسها.
وترى سامية قدري أن هذه الخطوة مثلت إعلانًا رمزيًا عن مرحلة جديدة في تاريخ المرأة المصرية.
بين التأثر بالغرب وخصوصية المجتمع المصري
تأثرت هدى شعراوي بالحركات النسوية الأوروبية، لكنها لم ترَ أن على الحركة النسوية المصرية أن تتبع نظيرتها الغربية في جميع مطالبها ومظاهرها.
وبحسب طارق النعمان، اقترح الكاتب سلامة موسى سن قانون يساوي بين المرأة والرجل في الميراث، وطالب شعراوي بتقديم المقترح إلى وزارة العدل، لكنها رفضته، مؤكدة تمسكها بأحكام الشريعة الإسلامية.
ورأت شعراوي أن تأثر النهضة النسوية المصرية بالحركة الأوروبية لا يعني تبعيتها الكاملة لها، وحذرت من أن يتحول الدين إلى سلاح يُستخدم ضد قضية المرأة.
دعم الاقتصاد الوطني
لم يقتصر نشاط هدى شعراوي على الملفات السياسية والنسائية، بل امتد إلى دعم فكرة تأسيس اقتصاد وطني مستقل.
وتروي سنية شعراوي أن فكرة إنشاء بنك مصري برأس مال وطني كانت من المشروعات التي شغلت شقيق هدى، عمر سلطان باشا، الذي كان يرى أن الطريق إلى تحرير البلاد يمر عبر بناء اقتصاد وطني حر.
ودعمت هدى شعراوي مشروع تأسيس بنك مصر، وعملت على حشد التأييد له، بالتزامن مع الجهود التي قادها الاقتصادي المصري طلعت حرب لجمع رأس المال وتأسيس البنك.
القضية الفلسطينية والعمل النسائي العربي
أدت هدى شعراوي دورًا بارزًا في الدفاع عن القضية الفلسطينية وحشد النساء العربيات لمساندتها.
وفي عام 1935، اختيرت نائبة لرئيسة الاتحاد النسائي الدولي خلال مؤتمر إسطنبول، لتصبح واحدة من أوائل النساء الشرقيات اللواتي يتولين هذا المنصب.
وفي عام 1938، نظمت في القاهرة مؤتمرًا نسائيًا للدفاع عن فلسطين، شاركت فيه نساء من عدد من الدول العربية، كما عملت على جمع التبرعات لدعم الشعب الفلسطيني.
وفي عام 1944، دعت إلى عقد مؤتمر نسائي عربي تناول قضايا المرأة والقضية الفلسطينية، ومهّد لتأسيس الاتحاد النسائي العربي، الذي تولت هدى شعراوي رئاسته.
وواصلت شعراوي خلال سنواتها الأخيرة مخاطبة الرأي العام الدولي دفاعًا عن عروبة فلسطين، ومعارضة المشروع الصهيوني ووعد بلفور.
هدى شعراوي وفلسطين
نظمت مؤتمرًا نسائيًا للدفاع عن فلسطين عام 1938، وحشدت التبرعات والتضامن العربي، ثم واصلت رفض مشروع التقسيم حتى أيامها الأخيرة.
رحيل هدى شعراوي
عقب صدور قرار تقسيم فلسطين عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1947، شعرت هدى شعراوي بحزن شديد، وواصلت كتابة بيانات ورسائل تعترض فيها على القرار.
وبينما كانت تدون مذكراتها وتكتب بيانًا باللغة الإنكليزية للاعتراض على القرار وإرساله للرأي العام العالمي، داهمتها ذبحة صدرية حادة وتوفيت على إثرها في 12 ديسمبر/ كانون الأول 1947، تاركة وراءها إرثًا وطنيًا ونسائيًا امتد تأثيره من مصر إلى عدد من الدول العربية.
وخلال مسيرتها، حصلت على عدد من الأوسمة والتكريمات، من بينها:
- وسام الكمال من مصر.
- القلادة الذهبية الفخرية من لبنان.
- وشاح الجدارة من سوريا.
- وسام التحرير من الأردن.
