![]()

بروفيسور/ عمار حسن خميس
هل وقفت يومًا أمام نفسك وقفة صدق، وسألتها السؤال الذي لا يهرب منه أحد:
بماذا سأقابل ربّي؟
يروي الدكتور مصطفى محمود، صاحب السبعين كتابًا المفعمة بالتأملات والإشراقات، أنّه جلس يومًا مع صديقه الفنان الكبير محمد عبد الوهاب في لحظة صفاء نادرة، فقال له:
«الكلام ده كله فاضي… ما ينفع نقابل ربنا بشوية كلام».
فابتسم عبد الوهاب وقال بثقة الفنان: «ده اسمه فن… وفيها إيه؟ ما أنا ح أقابل ربنا بشوية غنا».
فضحك مصطفى محمود وقال: «تقابله بإيه؟ بلاش تبوسني في عنيي… أو تقولّي الدنيا سيجارة وكأس! وبرضو يا عبد… موقفك مش مضمون».
ثم أخذ الحوار بينهما يتعمّق، فقال مصطفى محمود:
«طيب، إيه رأيك في لاعب كورة يقابل ربنا ومعاه شوية أجوان؟ أو لاعب أولمبيات كل محصوله ميداليات؟ أو ملاكم كل حصيلته لكمات؟ ح تقولّي فن؟ ما هو ده برضو فن. شوف محمد علي كلاي… فنان في شغله».
ثم أردف قائلاً: «بس في فرق كبير بين الأقوال… وبين الأفعال».
فسأله عبد الوهاب: «يعني إيه أفعال؟»
فقال مصطفى محمود: «يعني إطعام جائع، كسوة عريان، كفالة يتيم، أو عمل ينفع الناس ويظل صدقة جارية بعد موتك. واحد بيموت… ح تسعفه بإيه؟ بأغنية؟ مش ح تنفع».
وتلا عليه الآية الكريمة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا • يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾
ثم قال له: «الأعمال… هي المهمة».
انتهى الحوار بين الرجلين، لكن أثره لا ينتهي.
فهذا الحوار لعمري ينبغي أن يجريه كل واحد منّا مع نفسه، ومع من يحب.
أن يسأل السؤال الذي يوقظ القلب:
«أنا ح أقابل ربنا بشنو؟»
لسنا نسأل عن حجم العمل ولا نوعه، ولا عن نيّته ولا عن مظهره.
نسأل فقط:
هل جلس أحدنا مع نفسه وقال بصدق:
**بماذا سأقف بين يدي الله؟**
كم آية خالفنا معناها؟
كم نهيًا ارتكبناه؟
كم فضيلة طُلبت منا فأهملناها؟
كم حقًا ضيّعناه؟
وكم جرمًا اقترفناه في حق الله، أو حق أنفسنا، أو حق الآخرين؟
يا نفسي… ويا صديقي…
الموقف غير مضمون.
الرحمة واسعة، والرجاء متاح، والشفاعة واردة…
لكن الطريق ليس مضمونًا، والخسارة يومها لا تُعوَّض.
والتدريب يبدأ من القلب السليم.
نحن اليوم نكتب ونقرأ، بينما كثير من أحبابنا رحلوا إلى الرفيق الأعلى.
الله وحده يعلم كيف قابلوه، وهل وجدوا فرصة يسألوا أنفسهم هذه الأسئلة التي نسألها الآن.
الأمر خطير، وحتمي، وقد قال الله تعالى:
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾
أي أنّه آتٍ لا محالة.
فلنرفع شأن هذه الأسئلة في حياتنا:
بأي أقوال سنقابل الله؟
وبأي أفعال؟
وبأي أخطاء؟
وهل غُفرت… أم لا تزال في صحائفنا؟
اللهم سلّم… اللهم سلّم.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
اللهم هل بلّغت؟ اللهم فاشهد.
عمار حسن خميس.