![]()
❝حين تخاف السلطة من الكلمة، لا تكتفي بملاحقة الأصوات؛ بل تبحث عن قانونٍ يجعل الخوف واجباً، والصمت فضيلة، والاعتراض جريمة.. وحين يرتدي الحزب جلباب الدولة، يصبح السؤال عن الحاكم سؤالاً عن الوطن، ويغدو كشف الحقيقة مغامرةً تستحق المشانق.❞
في أثينا القديمة، وقف سقراط أمام محكمة اتهمته بإفساد عقول الشباب ومخالفة ما استقر عليه المجتمع.. لم يحمل سيفاً، ولم يقد جيشاً، ولم يحاصر مدينة؛ كان يسأل، والسؤال حين يوقظ العقول أشد إزعاجاً للسلطة من صليل السيوف.. صدر الحكم، وشرب سقراط السم، فظنت أثينا أنها أغلقت فم الفيلسوف إلى الأبد.. لكنها لم تعرف أنها فتحت باباً للتاريخ لم تستطع إغلاقه.. مات صقراط، وبقي السؤال، وتبدلت الأجيال، وصار الذين أدانوه موضع إدانة الضمير الإنساني.. هكذا تتصرف السلطة حين تخاف الحقيقة: تنتصر في لحظة، ثم تترك للتاريخ أن يقول كلمته الأخيرة.
من أثينا إلى السودان، يعود السؤال، لكن المشانق هذه المرة ترتدي ثوب القانون.
(1)
المادة (51/أ) من القانون الجنائي لسنة 1991، أدخل عليها نظام البرهان تعديلا، حيث تمت إضافة النشر عبر الوسائط الإلكترونية والإعلامية إلى أوجه التأييد المجرّمة في باب إثارة الحرب ضد الدولة، وهي جريمة ترتبط بعقوبات تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد..
وتقول وزارة العدل إن الغرض مكافحة تأييد الحرب وجرائمها..
بينما حذرت نقابة الصحفيين السودانيين من أن اتساع الصياغة قد يفتح الباب لملاحقة الصحافة والتعبير المشروع.. وهنا لا يجوز أن نغفل السؤال:( من يحدد الحد الفاصل بين التحريض والجريمة، وبين الصحفي الذي يكشف الحقيقة والسلطة التي لا تريد سماعها؟).. حين تبلغ العقوبة حبل المشنقة، تصبح دقة الكلمات واجباً لا يحتمل المجاملة.
(2)
لكن الحكاية أوسع من مادة قانونية، وأعمق من خلاف حول تفسيرها.. إنها حكاية دولة يتنازعها مشروعان: دولة المواطنين، ودولة الحزب الذي يريد أن يكون المواطن فيها تابعاً، والوطن ملكيةً خاصة.. الدولة ليست الحكومة، والحكومة ليست الحزب، والحزب ليس الوطن.. غير أن مشروع الحزب الواحد لا يعيش إلا حين يمحو هذه الفواصل، فيجعل نقد الحاكم عداءً للدولة، ومعارضة التنظيم خيانةً للوطن، ويضع الولاء السياسي في مقام الوطنية.. عندها يصبح القانون، بدلاً من أن يحمي الجميع، سيفاً يتدلى فوق رؤوس المختلفين، ويغدو الخوف حارساً على أبواب الكلام.
(3)
ولنقلها كما يقتضي المقام، بلا مواربة ولا دوران حول المعنى: المؤتمر الوطني الذي خلع جلباب البشير لم يخلع مشروعه في احتكار الدولة؛ بل لبس، في قراءة (أفق الحرف) للمشهد، جلباب البرهان. تبدلت الواجهة، وبقي السؤال عن المشروع الذي يريد أن يضع الحزب فوق الدولة، ويستعيد النفوذ الذي انتزعته ثورة ديسمبر المجيدة منظومة حكم امتدت ثلاثة عقود.. إننا لا نتحدث عن تشابه أسماء أو مصادفة سياسية، بل عن إرث التمكين، وشبكات المصالح، ومحاولة إعادة ترتيب السلطة بما يسمح بعودة المشروع القديم إلى الحياة.. والحرب، بما صنعته من اضطراب وغياب للرقابة المدنية، ليست بريئة من هذا المشهد؛ فهي تفتح أبواباً واسعة أمام من يريدون إعادة تقديم أنفسهم حراساً للوطن، بعدما كانوا حراساً للنظام.
(4)
أما البرهان، فلا تكفي تصريحاته عن استقلال المؤسسة العسكرية عن الأحزاب لإغلاق هذا الملف.. فالسياسة لا تُقرأ بما تقوله الألسنة وحدها، بل بما تكشفه الممارسة، وبمن يملك القرار، ومن يتحرك داخل مؤسسات الدولة، ولصالح أي مشروع تُدار السلطة.. وهنا تتقدم مسؤولية الحكم: هل تُبنى مؤسسات قومية لا تخضع لتنظيم، أم يُترك المجال لعودة التمكين تحت لافتة الحرب والضرورة؟.. إن السؤال عن نفوذ المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية ليس تلفيقاً سياسياً، ولا يجوز إسكات أصحابه بتهمة الخيانة. ومن يرفض هذا السؤال، فليقدم للناس ما يطمئنهم من وقائع ومؤسسات مستقلة، لا أن يطالبهم بإغماض أعينهم والتصفيق.
(5)
إن مناهضة الحركة الإسلامية ممثلة في المؤتمر الوطني ليست خصومةً مع أفراد بسبب معتقداتهم، ولا حرباً على الدين، بل رفضٌ لاحتكار الوطن باسم الدين أو الأمن أو التاريخ. فالحركة الإسلامية لا تملك السودان، والمؤتمر الوطني لا يرث الدولة، والبرهان لا يصبح مالكاً للوطن لأنه يقود الجيش.. كما أن رفض عودة الحزب الواحد لا يمنح أي قوة أخرى حق الاستبداد أو مصادرة مستقبل السودانيين.. مقياسنا واحد: دولة المواطنة، وعدالة لا تنتقي خصومها، ومؤسسات لا تُختطف، وحرية تسمح للناس بمحاسبة حكامهم.. ومن أراد حماية البلاد، فليحمها من كل مشروع يريد تحويلها إلى ملكية حزبية، مهما تبدلت الأسماء وتعددت الشعارات.
(6)
وهنا يلتقي القانون بالسياسة، وتنكشف خطورة اللحظة.. فإذا كان المقصود تجريم التحريض على الحرب وتأييد جرائمها، فلتكن الأفعال محددة، والأدلة واضحة، والمحاكمة أمام قضاء مستقل. أما إدراج النشر الإلكتروني والإعلامي ضمن أوجه التأييد، مع ما أثارته الصياغة من مخاوف لدى الصحفيين، فيستوجب ضمانات تمنع تحويل التغطية والنقد وتوثيق الانتهاكات إلى (اتهامات فضفاضة). فالسلطة التي تخشى الصحافة لا تحمي الدولة بإسكاتها؛ إنها تحرم المجتمع من عينيه، وتمنح أصحاب النفوذ فرصة العمل في الظلام.. ولا تُصان هيبة القانون بشدة العقوبة، بل بإنصاف الناس، ومحاسبة الجناة أياً كانوا، ومنع توظيف العدالة في الخصومات السياسية.
(7)
لا نريد للسودان أن يخرج من حرب السلاح إلى حرب على العقول، ولا من استبداد البندقية إلى استبداد النصوص.. لا نريد للمؤتمر الوطني أن يعود إلى الدولة من نافذة البرهان، ولا أن تصبح تضحيات السودانيين جسراً يعبر عليه مشروع الحزب الواحد إلى مستقبلٍ يظن أنه ملكه.. لقد دفع الناس من أرواحهم وأرزاقهم وبيوتهم ما يكفي ليدرك الجميع أن الوطن لا يُبنى بإقصاء أبنائه، ولا بحبس أسئلتهم، ولا بإعدام أصواتهم.. والسودان أكبر من البشير والبرهان والمؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وأبقى من كل مشروع يريد اختزاله في رجل أو تنظيم.. فمن يحكم؟ ولصالح من؟ وبأي حق تُصادر الكلمة؟ هذه أسئلة الشعب، ولا يملك أحد حق مصادرتها.
مطر الحصو
لسنا رعايا في مزرعة حزب، ولا شهود زور على عودة الاستبداد بأسماء جديدة.. نحن أصحاب كلمة، نرفض المؤتمر الوطني حين يطلب احتكار الدولة، ونرفض كل سلطة تفتح له الطريق، ونرفض قانوناً يجعل الصحفي متهماً لأنه رأى وكتب وكشف.. لا نخلط بين الوطن والحاكم، ولا بين الجيش والحزب، ولا بين نقد السلطة وخيانة البلاد. إن السودان الذي نحلم به وطنٌ لا يخاف فيه الحاكم من السؤال، ولا يخشى فيه المواطن من الكلمة، ولا يحتاج فيه الصحفي إلى إذنٍ كي يقول الحقيقة.
ومضة:
علّقوا ما شئتم من مشانق؛ فالفكرة التي تسكن ضمير الأحرار لا يبلغها حبل.
توقيع أفق الحرف..
أفق يترفق باتساعه ليقول: لن ترهبنا المشانق، ولن تُخرسنا البنادق، ولن نمنح الخوف قلماً يكتب مستقبل السودان.. فالحقيقة أوسع من حبالهم، والحرية أبقى من سجونهم، والوطن لا يرثه حزب ولا يحتكره حاكم.
الله غالب