![]()
في خامس أيام عيد الفطر سافر لطفي إلى الأبيض، كانت المسافة إلى الأبيض عبر كوستي رحلة في جغرافيا تتربع في كل الكتب المنهجية، وأنت تغادر من الميناء البري تحمل ضجيج الخرطوم، حقائب يملؤها الحنين إلى تلك العروس التي تفترش الذهب رمالًا.
كانت شهيرة نجمة الأبيض، وفريحة يلبس نظارات عبد الرحمن عبدالله ويغني، تلاقي القمري لابس الطوق يغني يفرح الوجدان، وجدي الريل أبو قزيمة تعال نتمشى في الغيمة، زميلنا الأخ عبدالرحمن أيضًا كان يجلس بيننا والرمال تغطي أرجله، فيتعفر مدرج العدوى بتلك الغيوم مع تامر ومحمد إسماعيل، كان القاش مع آمنة حمد ووصال النايب، كان مدرج العدوى تلخيص قارات العالم وتقاطع الخرائط وغناء أحمد عجيب وراشد والدويم.
أنا مأخوذ بالنيل الأبيض من فكتوريا وحتى المتوسط، حيث ترقد مياه الأبيض تعانق زرقة المتوسط في توادٍّ ووجد. لم تكن هناك صراعات ولا حروب تعلمنا، وكان الكون يغشاه السكون والخير، كنا نستمتع بجغرافيا المناخ والأمطار والمنخفضات الجوية والتيار النفاث، الفصول منتظمة، والخريف يعم البلد لا يتوقف إلا أمام جبال البحر الأحمر والصحراء شمال عطبرة.
نسيج رائع، وغيوم تحرم الشمس من ممارسة هواياتها.
غابة السنط قطعت، فصارت قاعًا فارغًا يحكي جشعًا لا يخاف الله.
كنت دومًا حين أتوجه إلى أم درمان عن طريق كبري الفتيحاب أفتح النافذة وأعتلي قمم أشجار الغابة كطائر فرح يغرد مع كل عصافير الغابة.
وفي جزيرة صغيرة في وسط النيل تغرق أشجار السنط في مرأى بهيج يمتد على الأبيض يحيي المقرن ويحمل طبول الجنوب وأفواج فرس النهر والأسماك، النيل الأبيض يتسكع في الخرطوم فيضفي رونقًا لمدينة تحمل توتي بين ذراعي النيل قربانًا أخضر للشمس، والطوابي تصفق للتاريخ والنضال وتفتح شهية السمك في الموردة، وتوتي عروس تتدثر بضحكات أميمة وجنينة ناس فيروز، حيث كنا نقيم تلك الرحلات الجميلة التي ألفت بيننا وكتبت أغاني لم تغنَّ.
النيل في تعاريجه، في كل زاوية ذكرى صديق، في حلة كوكو أولاد دكبن، وحينما تسافر على الأزرق ترقد الحصاحيصا ورفاعة، وتلك مدينتان لا أملك إلا أن أذكر حواء وسارة وآسيا وعواطف والشيخ فوزي، وهو الآن في جنات الخلد يرفل في النعيم، وزميلتنا خالدة، رفاعة منارة التعليم وتعليم المرأة التي تزين جيد السودان منذ كوش، وأمنا هاجر زوج سيدنا إبراهيم وولده النبي المطيع إسماعيل أبو العربية، والتي شربها من أمنا هاجر، والتي أرضعت كل العرب، لسان السودان الكوشي من حام بن نوح، نحن تاريخ البشرية…
أذكر أنني عندما كنت في الولايات المتحدة كانت تدرسنا أستاذة أمريكية لها دراسات في علم نفس الأديان، كانت تطرح أسئلة شديدة التعقيد، مثلًا كانت تقول لنا: كيف تشعر تجاه العالم؟ وكان الصمت دومًا يخيم علينا، أذكر مرة وجهت لي السؤال فقلت لها: We feel in Sudan that we are the Fathers and Mothers of the World، قلت لها: في السودان نحن نشعر أننا آباء وأمهات كل العالم.
سألتني: كيف؟ قلت لها: بعد الطوفان أول مجموعة بشرية عمرت الأرض كانت في كوش، وكوش قديمًا هي السودان الحالي… لم تقل شيئًا سوى أن قالت لي: Perfect، وهي تعني الصواب المطلق، شكرتها على ما قالت، وقد تعجب الزملاء من أكثر من عشرين دولة من كل قارات العالم من مزاعمي، وكيف أن الأستاذة اتفقت معي، حتى إن أحدهم مسلم من بنغلاديش كان يقول: علي اسمه افتكار الدين، فكنت أصححه بأنه افتخار الدين، وكانت معنا أستاذة اسمها سلطانة من طاجيكستان، وجنات من أوزبكستان، ومريم من بنغلاديش، وتحمينا ونصرة، وكانت زميلاتي من أميركا الجنوبية: هيسا من فنزويلا، ومونيكا من الإكوادور.
والأعجب كان معي زميل من موزمبيق اسمه وايس مان، وأنا عثمان، وجبريل وزينب من مالي، ومن بيرو خوليو الذي كان يقاسمني السكن، وكان يتكلم الإسبانية ويدرس اللغة الإنجليزية، ومن قرغيزستان شودي كون، وهو مسلم، وسنجار من أوزبكستان، كان العالم مجتمعًا، وعندما قلت تلك المقولة قال لي زميلي من بنغلاديش: أنت أفريقي، ما هي لغتك؟ قلت له: العربية لغة أم، لم نتعلمها في المدرسة، بل نحن ندرس اللغة العربية والدين في مكة المكرمة، وانتهت المحاضرة على ما ذكرت.
أعود إلى لطفي، وهو في طريقه إلى الأبيض، قضى ليلة جميلة في تندلتي، وكان الشتاء في آخره، نام لطفي على عنقريب مجلد بحبل من قماش، وكأنما نام على غربال من البرد هو وأفراد أسرته…
دمتم بخير، وسنواصل رحلة الأبيض من فكتوريا وقطع غابة السنط وجهجهة الطيور المهاجرة، فالغابة كانت سكنًا للطيور المهاجرة شتاءً، والتي تأتي من الصقيع فترتاح في الغابة في الخرطوم، ثم تواصل ترحالها إلى شتاء دافئ وغابات أكثر كثافة…