![]()
ليس كل من مر في دروب الفن خلدته الخطى، ولا كل من أودع صوته في آذان الناس استطاع أن يترك له مقاما في الوجدان. فثمة فنانون يعبرون الذاكرة كما يعبر المسافرون العابرون، لا يلبث أثرهم أن تخفوه الأيام، وثمة آخرون لا يكون حضورهم عابرا ولا أصواتهم طارئة؛ يستقرون في أعماق الناس استقرار النخلة في تربة النوبة، تضرب جذورها في سر الأرض، وتعلو هامتها في فضاء الذاكرة، فلا تنال منها عواصف النسيان، ولا يطفئ وهجها تعاقب السنين. وبين هؤلاء وأولئك، يجيء نفر قليل لا تستوعبهم صفة «الفنان» وحدها، لأن الفن في أرواحهم ليس حرفة تؤدb، ولا موهبة تستعرض، ولا صوتا يسمع ثم ينتهي صداه؛ وإنما هو ضرب من القدر، ورسالة تتجاوز صاحبها، وهوية تنطق بلسان المكان، وذاكرة تمشي على قدمين. أولئك الذين إذا غنوا لم تكن الأغنية وحدها هي التي تتكلم، بل تكلمت الأرض، واستيقظت الحكايات، وتحركت في وجدان السامعين أشياء قديمة حسبوها ماتت، فإذا بها ما تزال حية تحت رماد السنين.
وفي هذا المقام يطل اسم يوسف خيري جاويش لا كاسم آخر يضاف إلى سجل الفن النوبي، وإنما كقامة أخذت من الفن جوهره، ومن المكان روحه، ومن الموهبة سرها الخفي. لم تصنعه المصادفة، ولم تهبه الأضواء ما ليس فيه؛ بل صعد اسمه من عمق الموهبة ذاتها، متكئا على صوت آسر، وحضورٍ طاغٍ، وملكة فنية تعرف كيف تنفذ إلى القلب قبل الأذن، وكيف تجعل من الصوت أكثر من نغم، ومن الحضور أكثر من وقوف على خشبة، ومن الأغنية نافذة يطل منها الإنسان على شيء من نفسه وذاكرته وانتمائه.
ولذلك لم يكن يوسف خيري مجرد فنان يغني للنوبة؛ بل بدا، في لحظات كثيرة، وكأن النوبة نفسها قد استعارت حنجرته لتقول ما عجزت عنه الكلمات، وأن المكان وجد في صوته صدى لروحه، وفي حضوره صورة من صور بقائه. وهنا تكمن فرادة الفنان الحقيقي: أن يتجاوز حدود موهبته الفردية، فيصبح صوته جزءا من وجدان الجماعة، وتغدو تجربته صفحة من صفحات الذاكرة التي لا تقرأ فحسب، بل تعاش.
من شياخة شدة، تلك الرقعة التي اختزلتها الجغرافيا في مساحة، بينما أنصفتها الموهبة فجعلت منها فضاء رحبا للإبداع، ومهدا تتعاقب فيه الأصوات الجميلة كما تتعاقب المواسم على أرضٍ خصبة، لا تضيق بما تنبته من أصوات وملامح وفنون، جاء يوسف خيري جاويش حاملا في ملامحه شيئا من المكان، وفي وجدانه شيئ من أهله، وفي صوته صدى خفيًا لذلك العالم الذي نشأ بين دفئه وتفاصيله.
فالأمكنة التي تستحق أن تسمى أوطانا لا تكتفي بأن تمنح أبناءها أسماءها، ولا أن تحدد لهم مواضعهم على الخرائط؛ إنها تفعل ما هو أبقى من ذلك وأعمق : تسكن فيهم. تترك في أرواحهم مناخها، وفي طباعهم شيئا من صبرها، وفي ذاكرتهم ظلال شوارعها وبيوتها ووجوه أهلها، حتى ليغدو الإنسان، أينما مضى، يحمل مكانه الأول في داخله كما يحمل القلب سره الذي لا يبوح به. وهكذا كانت شدة بالنسبة إلى يوسف خيري؛ لم تكن مجرد مسقط رأس، وإنما كانت الفصل الأول في كتاب تكوينه، والمهد الذي تشكلت فيه ملامح الحس الذي سيظهر لاحقا في فنه.
وإذا كان لكل فنان نسب فني لا يكتب في دفاتر الأنساب، فإن يوسف خيري ينحدر من أسرة فنية أصيلة، كأن الموهبة في أفرادها لم تكن ضيفا عابرا، بل كانت فردا من أفراد العائلة؛ تتوزع بينهم بالفطرة، وتنتقل من روح إلى روح، حتى غدا الإبداع عندهم أشبه بلغة لا تحتاج إلى معلم، ولا إلى قاموس، لأن أهلها يولدون وهم يعرفون حروفها الأولى.
غير أن الموهبة، مهما كان معدنها نفيسا، تحتاج إلى عقل يعرف كيف يصونها، وإرادة تعرف كيف تمنحها الطريق، وبصيرة تدرك متى ينبغي للصوت أن يخرج من حدود البيت إلى رحابة العالم. وهنا تتجلى خصوصية يوسف خيري؛ فقد امتلك إلى جانب موهبته الفطرية ذكاء فنيا نافذا وحسا استثنائيا في قراءة ذاته وقدراته، فلم يرض أن تظل موهبته حبيسة المحيط الذي نشأت فيه، بل أخذ يشق لها طريقا خاصا، ويمنحها ملامحها المستقلة، حتى استطاع أن ينتقل من كونه واحدا من أبناء أسرة مبدعة إلى أن يصبح اسما قائما بذاته، وصوتا له بصمته، وحضورا له مكانه في المشهد الفني النوبي.
وهكذا لم يكن صعود يوسف خيري خروجا من ظلال أسرته، بقدر ما كان امتدادا مضيئا لذلك الإرث؛ حمل الشعلة التي توارثها البيت، لكنه لم يكتف بأن يحملها، بل عرف كيف يرفعها عاليا، حتى صار وهجها يرى أبعد من حدود المكان، وصار اسمه مألوفا في وجدان جمهور النوبة، لا بوصفه ابن شدة فحسب، ولا بوصفه فردا من أسرةٍ فنية، وإنما بوصفه تجربة فنية لها شخصيتها، وصوتا استطاع أن يصنع لنفسه موضعا في الذاكرة.
واللافت في سيرة يوسف خيري أن طريقه إلى الفن لم يبدأ من خشبة المسرح، بل من قاعة الدرس؛ فهو خريج كلية التربية بجامعة المنصورة، بكالوريوس اللغة الإنجليزية، وقد بدأ حياته معلما، يحمل المعرفة إلى طلابه كما يحمل المرء أمانة لا مهنة. غير أن الموهبة الصادقة لا تعرف السكون؛ فكما يبحث النهر عن مجراه الأرحب، وجد يوسف خيري في الفن امتدادا آخر لرسالته. انتقل من تعليم الكلمة إلى تعليم الإحساس، ومن مخاطبة طلاب في فصل إلى مخاطبة وجدان مجتمعٍ بأسره. ولذلك لم يغادر يوسف خيري رسالة المعلم حين غادر الفصل؛ بل وسع مداها. استبدل السبورة بخشبة المسرح، والطباشير بالحنجرة، والدرس بالأغنية، وظل جوهر رسالته واحدا : أن يترك في نفوس الناس أثرا لا ينتهي بانتهاء اللحظة.
أما صوت يوسف خيري، فتلك حكاية لا تختصر في قوته؛ إذ تجتمع فيه فخامة النبرة وعذوبة الإحساس، وعنفوان الشباب ونضج التجربة، حتى يغدو الغناء على لسانه أكثر من صوت يصل إلى الأذن؛ إنه شعور يجد طريقه إلى القلب. حين يغني، لا تبدو الكلمات محفوظة تؤدى، بل كأنها تولد من حنجرته ولادتها الأولى، فيمنحها من روحه ما يجعلها أبقى من لحظة الغناء. ولذلك قيل عنه: سبيكة ذهبية ودرة نوبية تختزن حنجرته لآلئ لا تنفد؛ غير أن قيمة صوته الحقيقية ليست في جماله وحده، بل في الأثر الذي يوقظه، والذاكرة التي يستدعيها، والحنين الذي يتركه وراءه. ويكتمل هذا السحر بحضورٍ مسرحي لا يقل توهجا عن صوته؛ فهو لا يقف أمام الجمهور ليغني فحسب، بل يستولي على اللحظة ويحول المسرح من خشبة تفصل الفنان عن جمهوره إلى جسرٍ تلتقي عليه الأرواح. هناك يصبح المستمع شريكا في الأغنية، ويغدو التصفيق امتدادا للصوت، ويصبح يوسف خيري لا مؤديا للأغنية فحسب، بل صانعا للحظة لا تنتهي بانطفاء أضواء المسرح.
ولأن الفنان الأصيل ابن بيئته، مهما اتسعت به الآفاق، ظل يوسف خيري يحمل في صوته شيئا من روح النوبة؛ من حنينها إلى الأرض، واعتزازها بالهوية، ووفائها لذاكرة الآباء والأجداد. ومن هنا سر تلك المنزلة التي استحقها في وجدان جمهورها؛ فالجمهور لا يهب قلبه لصوت جميل فحسب، وإنما لمن يجد في صوته شيئا منه، وشيئا من حكايته. لذلك لم يعد يوسف خيري مجرد مطرب من أبناء المحس، ولا مجرد اسم نجح في المشهد النوبي؛ بل غدا واحدا من أولئك الذين يجعلون الفن مرآة للمكان، والمكان روحا للفن. خرج من شدة، من بيت يتنفس الإبداع، وحمل موهبته إلى فضاء أرحب، حتى صار صوته امتدادا لذاكرة لا تريد أن تنسى.
ولعل أجمل مفارقات سيرته أن من بدأ معلما للغة الانجليزية، انتهى إلى تعليم الناس لغة أعمق من كل اللغات : لغة الشعور؛ فالفنان الكبير لا يقاس بكثرة ما يغني، وإنما بما يتركه غناؤه في الذاكرة.
ويوسف خيري ترك صوته هناك. صار صوته ذاكرة، وأغنيته جسرا يصل الحاضر بالماضي، وحضوره امتدادا للنهر النوبي الذي يحمل الحكايات من جيل إلى جيل. ولهذا، حين يذكر الفن في المحس، لا يجيء اسم يوسف خيري عابرا بين الأسماء؛ بل يجيء كقامة لها ظل، وصوت له ملامح، وحكاية لم يكتب فصلها الأخير بعد.
يوسف خيري جاويش… خرج من رحم المكان، فحمل المكان في حنجرته، ومضى به إلى الناس. وهكذا يفعل الكبار : لا يغادرون أوطانهم حين يرحلون؛ إنما يحملونها معهم.