![]()
انقضت سحابة يوم الخرطوم القصير في فندق كانون بالعمارات، شارع «15»، وجمعٌ كبير من زملاء المهنة من ثلاثة أجيال، جمعتهم المهنة وفرّقت بينهم الحرب، لفظت بعضهم من يدٍ إلى يدٍ بالداخل، وشرّدت آخرين وراء الحدود، في الملاجئ الباردة والدافئة. أربعة أعوام إلا بضعة أشهر، وصنّاع محتوى الإعلام في السودان مشرّدون ومطاردون، وبلادنا ينهش عظمها النزاع الطويل.
أغلبية الإعلام كان وطنياً وداعماً للجيش كمؤسسة قومية، واجبها الدفاع عن الشعب وهويته ووجوده، ولم يدعم الإعلام الجيش ليحكم البلاد نيابةً عن المدنيين، ولكنه دعم الجيش حتى يبقى لنا وطن نختلف ونتفق تحت ظلاله، ودعم الإعلام قائد القوات المسلحة، الفريق البرهان، ليقود الجيش حتى يتحقّق النصر المرتقب.
يوم أمس كان يوماً عاطفياً من حيث التقاء الأحبة بعد طول غياب وأشواق، تدفّقت مثل مياه الأتبراوي في المواسم الماطرة؛ تعانق الباز وعروة، والتقى مجيدي بالنور، وطلال بالهندي، ونسرين النمر بسمية سيد، وجاء سامي الحاج، وما أدراك ما السجن والسجّان. ولو لم تناقش حلقة حوار الأمس إلا ذلك اللقاء لنخبة من إعلام بلادي، لكفى المنظمين هذا النجاح، الذي وجد الدعم والسند من رئيس مجلس السيادة، وترك للصحافيين والإعلاميين التحاور بينهم، والتزمت الدولة بتنفيذ ما يتفق عليه من توصيات حتى قبل أن تقرأها، وهي ثقة في نفس قائدها قالت إن هذه التوصيات ستكون موضع الاهتمام.
ولو اتجه حوار لجنة البروفيسور قاسم بدري على خطى ما جرى أمس في فندق كانون، لخرج السودان من الهاوية التي يمشي على حافتها دون السقوط في جبّها. ولكن، هل الصحافة في بلادنا متقدمة على السياسة؟ والصحافيون أكثر فئات الشعب السوداني التي هبّت لنصرة ودعم القوات المسلحة، وما أجمع عليه أكثر من مئة صحافي من الداخل والخارج يمثل قلب هذه المهنة، وحُداة ركبها، وقلبها ورحيق أقلامها، هو الجيش، حيث لم تجتمع هذه الأقلام في تاريخ السودان، قديمه وحديثه، على دعم مؤسسة ودولة وحكومة مثلما هو شاخص الآن. ولكن، هل استفادت الحكومة من هذا الدعم؟!
نعم، شهدت المناقشات أحاديث صريحة جداً حول الميثاق الذي قدمه الدكتور مزمل أبو القاسم ليتواثق عليه أهل المهنة لتنقية صفها من الأوشاب، وأن ينصرف الصحفيون لدعم الدولة في القضايا القومية، والبعد عن التهاتر واستغلال المنابر لغير الصالح العام. ووجدت مسودة الميثاق إجماعاً، مثل الورقة التي قدمها صلاح عمر الشيخ، الأمين العام لاتحاد الصحفيين، وينتظر أن تمضي مناقشات الندوة أو اللقاء اليوم في ذات القضايا، قبل ختامها غداً بتسليم التوصيات للدولة، كأول فئات المجتمع التي اتفقت على مبادئ مهمة في سياق الحوار السوداني السوداني، الذي جرّد الحوار من الوصي الأجنبي وحرّره لأهل بلادنا.