25 مايو في لبنان.. كيف تحوّل التحرير إلى ذاكرة سياسية متنازع عليها؟

25 مايو في لبنان.. كيف تحوّل التحرير إلى ذاكرة سياسية متنازع عليها؟

Loading

في الذكرى السنوية للخامس والعشرين مايو/ أيار، يعود لبنان إلى محطة انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوبه عام 2000، وهي لحظة مفصلية في تاريخ البلاد، حيث تحوّلت من “عيد تحرير” جامع إلى ذاكرة سياسية متنازع عليها حول مفهوم السيادة ودور الدولة والمقاومة.

التحرير عام 2000.. نهاية الاحتلال وبداية الأسئلة

في 25 مايو/ أيار من كل عام، يستعيد اللبنانيون ذكرى انسحاب الجيش الإسرائيلي من معظم مناطق الجنوب عام 2000، وفق ما عُرف لاحقًا بـ”الخط الأزرق”، في سياق تنفيذ القرار الدولي 425 الصادر عام 1978، والذي دعا إلى وقف العمليات العسكرية والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.

لكن رغم وضوح الحدث من الناحية العسكرية، فإن دلالاته السياسية لم تستقر، فبينما يُنظر إليه كتحرير للأرض، تحوّل مع مرور الوقت إلى نقطة خلاف حول من يملك رواية الإنجاز الدولة اللبنانية أم قوى المقاومة.

عيد وطني تحوّل إلى ساحة تنازع سياسي

في سنواته الأولى، بدا 25 مايو/ أيار مناسبة وطنية جامعة، عادت خلالها القرى الجنوبية إلى أهلها بعد سنوات من الاحتلال، وانتهت معها منظومة “جيش لبنان الجنوبي”، وسط مشاهد عاطفية لعودة السكان إلى منازلهم وحقولهم.

لكن هذا الإجماع لم يدم طويلًا، وسرعان ما برز نقاش مركزي حول ما بعد التحرير، وما إذا كان الانسحاب الإسرائيلي قد أنهى مرحلة الاحتلال فحسب، أم أنه فتح مسارًا أوسع للنقاش حول السلاح ودور الدولة واحتكار القرار الأمني.

ومع الوقت، انقسمت القراءة السياسية للحدث، ففريق اعتبره دليلًا على فعالية المقاومة في تحرير الأرض، فيما رأى آخرون أنه كان يجب أن يفتح الباب أمام حصرية السلاح بيد الدولة.

الدولة اللبنانية وسؤال السيادة غير المكتملة

لم ينتقل الجنوب بعد التحرير إلى مرحلة استقرار سياسي وأمني كامل، في ظل دولة لبنانية خرجت من حرب أهلية طويلة، وبنية سياسية هشة، وتوازنات داخلية معقدة.

هذا الواقع جعل 25 مايو/ أيار نقطة انطلاق لنقاش مستمر حول مفهوم السيادة، بدل أن يكون خاتمته، فبينما ربطت أطراف سياسية التحرير بالمقاومة ودورها، رأت أطراف أخرى أن استمرار السلاح خارج الدولة يبقي البلاد في حالة استثنائية.

وهكذا، تحوّلت الذكرى إلى مساحة لإعادة إنتاج الانقسام اللبناني حول الدولة ووظائفها.

مزارع شبعا وتلال كفرشوبا بعد التحرير

زاد ملف مزارع شبعا وتلال كفرشوبا من تعقيد المشهد، إذ بقي الخلاف قائمًا حول وضع هذه المناطق بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.

وبينما يؤكد لبنان لبنانية الأراضي، اعتبرت الأمم المتحدة أن الانسحاب الإسرائيلي تم وفق الحدود المعترف بها دوليًا. هذا الخلاف أبقى جزءًا من التوتر قائمًا، وأبقى معه نقاش السلاح والمقاومة حاضرًا في الخطاب السياسي.

حرب 2006 وما بعدها.. إعادة تعريف معنى التحرير

جاءت حرب يوليو/ تموز 2006 لتضيف طبقة جديدة إلى معنى 25 مايو/ أيار، إذ أعادت مشاهد الدمار والتهجير إلى الجنوب، وطرحت أسئلة جديدة حول حدود الردع وقرار الحرب والسلم.

ومنذ ذلك الوقت، لم يعد التحرير حدثًا منفصلًا، بل أصبح جزءًا من سلسلة أحداث متواصلة تشمل التصعيد على الحدود، والقرارات الدولية، والنزاعات الإقليمية.

ومع تجدد المواجهات في السنوات الأخيرة، عاد السؤال ليطرح بحدة: هل تحرر الجنوب بالكامل، أم أن الاحتلال تغير شكله فقط؟

ذاكرة منقسمة بين الفخر والانقسام

اليوم، لم تعد ذكرى 25 مايو/ أيار تحمل معنى واحدًا، فهي بالنسبة لفريق سياسي تمثل انتصارًا تاريخيًا للمقاومة، بينما يراها آخرون محطة وطنية تم احتكار تفسيرها سياسيًا.

وفي الجنوب تحديدًا، تبدو الذكرى أكثر تعقيدًا، إذ ترتبط بتجربة يومية من القصف والتهديد وإعادة الإعمار والنزوح، ما يجعل معنى التحرير مرتبطًا بالقدرة على البقاء الآمن في الأرض، لا فقط بالخروج من الاحتلال.

ذكرى مفتوحة على مستقبل الدولة

بعد أكثر من 25 عامًا، لا يزال 25 مايو/ أيار حدثًا حاضرًا في الذاكرة اللبنانية، ليس فقط لأنه أنهى احتلالًا مباشرًا، بل لأنه فتح أسئلة لم تُحسم بعد حول هوية الدولة ودورها، فالتحرير تحقق عسكريًا، لكن النقاش حول السيادة لم يُحسم سياسيًا.

وبين هذا وذاك، يبقى الجنوب شاهدًا على أن الذاكرة في لبنان ليست مجرد تاريخ، بل ساحة مستمرة للصراع على معنى الدولة نفسها.