32 عامًا على وادي عربة.. ماذا تنظّم المعاهدة وما الذي تتركه معلّقًا؟

32 عامًا على وادي عربة.. ماذا تنظّم المعاهدة وما الذي تتركه معلّقًا؟

Loading

حدود رُسمت، ومياه نُظّمت، وملفات أُحيلت إلى التفاوض. بعد 32 عامًا على وادي عربة، ماذا تقول المعاهدة فعلًا عن القدس واللاجئين.

 لم تُغلق معاهدة وادي عربة ملفات الحدود والمياه والقدس واللاجئين بالطريقة نفسها. ففي بعضها رسمت خطوطًا وحدّدت كميات وآليات عمل، وفي بعضها الآخر أثبتت أدوارًا وأحالت الحل إلى مفاوضات لم تضع نتائجها مسبقًا. ومن هذا الفارق تبدأ قراءة ما أنجزته المعاهدة، وما بقي خارج قدرتها على الحسم.

في 26 أكتوبر/ تشرين الأول 1994، وقّع رئيس الوزراء الأردني عبد السلام المجالي ونظيره الإسرائيلي إسحاق رابين المعاهدة في وادي عربة، بحضور الملك حسين والرئيس الأميركي بيل كلينتون. وبعد 32 عامًا، تتيح العودة إلى النص وملحقاته فصل الالتزامات التي وُضعت يومها عن الاتفاقات والمشاريع التي جاءت لاحقًا.

فالمعاهدة، المؤلفة من 30 مادة، أقامت إطارًا للسلام والعلاقات الدبلوماسية والتعاون الأمني والاقتصادي بين الدولتين. أما القضايا المرتبطة بالفلسطينيين، فاحتفظت في نصها بمساحة واضحة لتسوية أوسع من الاتفاق الأردني الإسرائيلي. 



قراءة في نص معاهدة وادي عربة عبر أربعة ملفات: الحدود والمياه والقدس واللاجئون


الحدود والباقورة والغمر


تحدّد المادة الثالثة الحدود الدولية بالاستناد إلى تعريف الحدود في عهد الانتداب، وتفصّل الخرائط والملحق الأول مسارها. لكنها تضيف قيدًا أساسيًا: ألا يمسّ هذا التحديد وضع الأراضي التي خضعت للحكم العسكري الإسرائيلي عام 1967.

ويترجم ملحق الحدود هذا القيد على الخرائط؛ إذ يميّز الخط الفاصل بين الأردن والضفة الغربية بوصفه حدًا إداريًا، مع التنبيه إلى أن التعامل معه لا يحسم وضع الأرض. وبذلك، لا يصحّ اعتبار المعاهدة تسوية للسيادة على الضفة الغربية أو إقرارًا بضمّها إلى إسرائيل.

أما الباقورة والغمر، فخضعتا لنظامين خاصين نصّ عليهما الملحقان 1(ب) و1(ج). وأثبت النص السيادة الأردنية، مع حقوق ملكية خاصة لإسرائيليين في الباقورة وحقوق استعمال في الغمر، وترتيبات للدخول والعمل. وحدّد مدة كل نظام بـ25 عامًا، تتجدد تلقائيًا ما لم يبلّغ أحد الطرفين الآخر بإنهائه قبل سنة.

أعلن الأردن قرار الإنهاء في أكتوبر 2018، ثم أعلن الملك عبد الله الثاني انتهاء العمل بالملحقين في نوفمبر 2019. فالذي انتهى هو النظام الخاص بالمنطقتين؛ لم تكن مدة السنوات الـ25 أجلًا لانتهاء معاهدة السلام كلها، ولم تكن السيادة الأردنية مؤجلة حتى ذلك التاريخ.


المياه وترتيبات تتجاوز رقمًا واحدًا


تعالج المادة السادسة مياه نهري الأردن واليرموك والمياه الجوفية لوادي عربة، وتحيل التفاصيل إلى الملحق الثاني. وهذا الملحق جزء من المعاهدة الأصلية، ويتضمن توزيعًا موسميًا للمياه، وترتيبات للتخزين والتحويل، وحماية النوعية، ولجنة مشتركة للتنفيذ.

ومن بين ترتيباته أن تضخ إسرائيل من اليرموك 12 مليون متر مكعب صيفًا و13 مليونًا شتاءً، ويكون الباقي للأردن وفق أحكام الملحق. ويسمح لها بضخ 20 مليون متر مكعب إضافية شتاءً، مقابل تحويل الكمية نفسها إلى الأردن صيفًا من نهر الأردن. ولهذا الترتيب تكاليف نقل وتشغيل وصيانة يحدّدها النص.

ويتضمن الملحق أيضًا تزويد الأردن بـ10 ملايين متر مكعب سنويًا من مياه يجري تحليتها، مع إمداد بديل من نهر الأردن إلى حين تشغيل مرافق التحلية. أما المياه الجوفية، فيقرّ بخضوع آبار داخل الأراضي الأردنية لسيادة المملكة، مع استمرار استعمال إسرائيل لها وفق الشروط والكميات المتفق عليها.

وفي بند منفصل، يلتزم الطرفان بالتعاون لإيجاد مصادر توفّر للأردن 50 مليون متر مكعب إضافية سنويًا من المياه الصالحة للشرب، وإعداد خطة تُعرض على الحكومتين. والصياغة هنا تفرض التزامًا بالتعاون والتخطيط، ولا تحدّد وحدها مصدرًا جاهزًا أو عقد شراء مكتمل الشروط.

لذلك، لا يكفي تداول رقم إجمالي واحد لشرح ما ورد في 1994، كما لا يجوز إرجاع شروط كل اتفاق مائي لاحق إلى المعاهدة الأصلية. وهي نفسها تقرّ بعدم كفاية موارد الطرفين، فتضع إدارة الندرة وتنمية موارد إضافية ضمن مهام التعاون بينهما. 


القدس ودور في المقدسات لا يحسم السيادة


في المادة التاسعة، تتعهد إسرائيل باحترام الدور الأردني الخاص القائم في المقدسات الإسلامية بالقدس، وإعطاء أولوية كبرى للدور الأردني التاريخي فيها عند مفاوضات الوضع النهائي. وتنص المادة أيضًا على حرية الوصول إلى الأماكن ذات الأهمية الدينية والتاريخية.

هذه صياغة تعترف بدور قائم، ولا تنشئه من الصفر. لكنها لا ترسم حدود القدس، ولا تقرّر السيادة على المدينة، ولا تتضمن تسوية نهائية للاحتلال. كما أن الفقرة الخاصة بالدور الأردني تتحدث تحديدًا عن المقدسات الإسلامية، وهو نطاق يجب تمييزه من الإطار الأوسع للوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية. 


قبة الصخرة في حرم المسجد الأقصى بالقدس، في 25 فبراير 2026 – غيتي


تعترف المعاهدة بالدور الأردني الخاص في المقدسات الإسلامية من دون حسم السيادة على المدينة

وهنا تبرز أهمية فصل المعاهدة عن الاتفاق الأردني الفلسطيني الموقّع في 31 مارس 2013. فهذا الاتفاق أعاد تأكيد الوصاية الهاشمية وحدّد مهام حماية المقدسات وإدارة الأوقاف، مع تأكيد حق دولة فلسطين في ممارسة السيادة على أراضيها، بما فيها القدس. وهو وثيقة بين طرفين مختلفين، لا ملحق جديد لاتفاق 1994 مع إسرائيل. 


اللاجئون وإحالة الحل إلى مسارات أخرى


تعترف المادة الثامنة بأن مشكلات اللاجئين والنازحين لا يمكن حلّها بالكامل على المستوى الثنائي. وتحيل ملف النازحين إلى لجنة رباعية تضم الأردن وإسرائيل ومصر والفلسطينيين، وملف اللاجئين إلى مجموعة العمل متعددة الأطراف ومفاوضات تُجرى بالتزامن مع مفاوضات الوضع الدائم.

لكن المادة لا تقتصر على ذكر التفاوض؛ فهي تتناول أيضًا تنفيذ برامج أممية ودولية متفق عليها، بما يشمل المساعدة على استيطان اللاجئين والنازحين. وهذه فقرة لا ينبغي إسقاطها من القراءة، كما لا يصحّ تحويلها وحدها إلى اتفاق تفصيلي ونهائي على توطين الفلسطينيين في الأردن.

فالنص لا يضع آلية تنفيذية للعودة، ولا يحدّد تعويضات أو أعدادًا أو جدولًا زمنيًا لحل القضية. ومن ثمّ، لا يمكن تقديمه بوصفه إنجازًا لحق العودة أو تسوية نهائية تلغيه؛ ما وضعه هو مسارات لمعالجة الملف وفق القانون الدولي، مع إبقاء الحل مرتبطًا بأطراف ومفاوضات أخرى. 


ملحقا الحدود والمياه من المعاهدة الأصلية، فيما تخضع الاتفاقات اللاحقة لنصوصها وأطرافها وشروطها.


الاتفاقات اللاحقة ليست نص 1994


توضّح المادة 27 أن ملاحق المعاهدة ومرفقاتها أجزاء لا تتجزأ منها. وهذا ينطبق على ملحقي الحدود والمياه، ويختلف عن اتفاق مستقل يُبرم بعد سنوات، حتى لو استند إلى إطار التعاون الذي فتحته المعاهدة.

في 8 يوليو 2021، أُعلن اتفاق لتزويد الأردن بـ50 مليون متر مكعب من المياه الإضافية المشتراة. وتشابه هذا الرقم مع كمية وردت في ملحق 1994 لا يجعل الوثيقتين شيئًا واحدًا؛ فلا تُستخرج أسعار الاتفاق اللاحق ومدته وشروطه من رقم ورد في النص الأصلي. 

وفي 22 نوفمبر من العام نفسه، وقّعت الإمارات والأردن وإسرائيل إعلان نوايا بشأن الطاقة الشمسية وتحلية المياه، لاستكشاف التعاون في مشروع عُرف بالطاقة مقابل المياه. كان ذلك مسارًا لاحقًا، ولم يكن مشروعًا مفصّلًا ألزمت به معاهدة وادي عربة عام 1994. كما أن إعلان النوايا لا يعني بحد ذاته أن المشروع دخل التنفيذ. 

ويهمّ هذا الفصل عند تقييم الالتزامات أو الخلافات: هل يتعلق الأمر بحصة أو ترتيب في المعاهدة، أم باتفاق شراء إضافي، أم بمشروع لم تتجاوز وثيقته مرحلة النوايا؟ ولكل منها نص يجب الرجوع إليه. أما نزاعات تفسير المعاهدة وتطبيقها، فتنص المادة 29 على معالجتها بالتفاوض، ثم بالتوفيق أو التحكيم إذا تعذّر الاتفاق.

بعد 32 عامًا، تُظهر هذه القراءة أن وادي عربة حسمت إطار العلاقة الثنائية، وقدّمت ترتيبات تفصيلية للأرض والمياه، لكنها لم تُنجز التسوية الفلسطينية التي أحالت إليها بعض موادها. وبين حدود رُسمت وحقوق وقضايا بقيت تنتظر حلًا، يظهر الفارق بين تنظيم السلام بين دولتين وإنهاء الصراع الذي يحيط بهما.