![]()
لم يكن القرار إجراءً إداريًا محدودًا، بل شكّل تحولًا سياسيًا وقانونيًا أعاد تعريف العلاقة بين الأردن والفلسطينيين، وأنهى صيغة بدأت عام 1950 عندما أصبحت الضفة الغربية جزءًا من المملكة الأردنية الهاشمية، قبل أن تتغيّر المعادلة بعد احتلالها من قبل إسرائيل عام 1967.
وجاء القرار في ظل الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وصعود مكانة منظمة التحرير الفلسطينية عربيًا ودوليًا بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، في وقت كان فيه سؤال التمثيل السياسي ومستقبل الضفة الغربية يزداد حضورًا.
من وحدة الضفتين إلى الاحتلال الإسرائيلي
بدأ الارتباط بين الأردن والضفة الغربية بعد حرب عام 1948، وفي أبريل/ نيسان 1950 أقر البرلمان الأردني، بمشاركة ممثلين عن الضفتين، وحدة الضفتين الشرقية والغربية.
وبموجب هذا القرار، اندمج سكان الضفة الغربية في مؤسسات الدولة الأردنية، وحصلوا على الجنسية الأردنية وحقوق الانتخاب والتمثيل البرلماني، وأصبحت الضفة جزءًا من البنية السياسية والقانونية للمملكة.
لكن حرب يونيو/ حزيران 1967 أحدثت تحولًا جذريًا، بعدما احتلت إسرائيل الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وفقد الأردن السيطرة الفعلية عليها، مع استمرار ارتباطها القانوني والإداري به لسنوات لاحقة.
واصلت عمّان إدارة بعض الملفات المرتبطة بالضفة، من بينها الأوقاف والتعليم والخدمات، كما بقي لسكانها تمثيل في مجلس النواب الأردني، ما خلق وضعًا استثنائيًا لأرض تحت الاحتلال لكنها مرتبطة قانونيًا بالأردن.
صعود منظمة التحرير وسؤال التمثيل
مع تنامي دور منظمة التحرير الفلسطينية، برز الخلاف حول الجهة التي تمثل الشعب الفلسطيني سياسيًا، خصوصًا مع استمرار الأردن في الاحتفاظ بدور رسمي تجاه الضفة الغربية.
وفي قمة الرباط عام 1974، اعترفت الدول العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني، وهو ما قلّص الدور الأردني في التمثيل السياسي للفلسطينيين، لكنه لم يُنهِ الارتباط القانوني بالضفة بشكل فوري.
وحاول الأردن والمنظمة التوصل إلى صيغة تعاون سياسي عام 1985، تقوم على حق الفلسطينيين في تقرير المصير، مع تصور لعلاقة كونفدرالية مستقبلية، إلا أن الخلافات حول المسار السياسي أدت إلى تعثر الاتفاق.
الانتفاضة عجّلت بقرار فك الارتباط
مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، ظهرت قيادة فلسطينية ميدانية داخل الأراضي المحتلة، وأصبح واضحًا أن الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة يسعون إلى إدارة قضيتهم وتمثيل أنفسهم سياسيًا.
رأى الأردن أن استمرار الروابط القانونية والإدارية مع الضفة قد يعيق إبراز الهوية الوطنية الفلسطينية، ويؤثر في قدرة منظمة التحرير على قيادة المشروع السياسي الفلسطيني.
وسبقت إعلان القرار خطوات عدة، بينها إلغاء خطة تنمية للضفة الغربية، وحل مجلس النواب الأردني الذي كان يضم نوابًا عن دوائر الضفة.
آثار القرار على السياسة والجنسية
أنهى فكّ الارتباط تمثيل الضفة الغربية داخل المؤسسات الدستورية الأردنية، وأصبحت الانتخابات البرلمانية الأردنية بعد عام 1989 مقتصرة على الدوائر الواقعة داخل المملكة شرق نهر الأردن.
كما أعيد تنظيم المؤسسات الأردنية التي كانت تدير شؤون الضفة، وتوقفت عمّان عن دفع رواتب معظم الموظفين هناك، مع استمرار بعض الملفات، خصوصًا المتعلقة بالأوقاف الإسلامية.
وكان ملف الجنسية من أكثر القضايا تعقيدًا، إذ فصل القرار بين سكان الضفة الغربية المقيمين تحت الاحتلال وبين المواطنين الأردنيين داخل المملكة، ومنح بعض سكان الضفة جوازات سفر أردنية مؤقتة لا تُعد دليلًا على الجنسية، ما خلق لاحقًا إشكاليات قانونية مرتبطة بالإقامة والوثائق.
القدس.. استثناء مستمر
رغم إنهاء الارتباط الإداري والقانوني بالضفة الغربية، استمر الدور الأردني في رعاية المقدسات الإسلامية في القدس، وبقيت دائرة الأوقاف الأردنية تدير شؤون المسجد الأقصى والأوقاف الإسلامية.
وتأكد هذا الدور لاحقًا في معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية عام 1994، ثم في الاتفاق الموقع بين الأردن والسلطة الفلسطينية عام 2013 بشأن الوصاية الهاشمية على المقدسات.
علاقة جديدة بين الأردن وفلسطين
أنهى قرار فك الارتباط مفهوم الوحدة القانونية بين الأردن والضفة الغربية، لكنه لم ينهِ العلاقات التاريخية والاجتماعية بين الشعبين.
فبعد عام 1988، انتقلت العلاقة من إطار الدولة الواحدة إلى علاقة بين طرفين سياسيين، يقوم فيها الأردن بدور داعم للقضية الفلسطينية، بينما أصبحت منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية لاحقًا مسؤولة عن تمثيل الفلسطينيين ومشروعهم السياسي.
