4 أوراق وأحاديث صريحة.. ماذا دار في ورشة الدراميين بأم درمان؟

4 أوراق وأحاديث صريحة.. ماذا دار في ورشة الدراميين بأم درمان؟

Loading

4 أوراق وأحاديث صريحة.. ماذا دار في ورشة الدراميين بأم درمان؟

الخرطوم: النورس نيوز- في الوقت الذي ما زالت فيه الحرب تلقي بظلالها الثقيلة على المشهد السوداني، برزت قناعة متزايدة في الأوساط السياسية والثقافية بأن معركة استعادة الوطن لن تحسم بالسلاح وحده، بل بحوار سوداني- سوداني يعيد بناء ما مزقته الحرب، وفي هذا السياق، احتضن مركز الفضاء العالمي بأم درمان، يوم السبت، ورشة نوعية للدراميين حول دور الدراما في الحوار السوداني- السوداني، في خطوة تعكس تحولا استراتيجيا في النظر للثقافة كأداة لإعادة البناء وليس مجرد نشاط ترفيهي.

الورشة انعقدت بحضور رفيع، تقدمه عضو مجلس السيادة، مساعد القائد العام للقوات المسلحة الفريق مهندس إبراهيم جابر إبراهيم، ووزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار خالد الإعيسر، ووزير الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم، ممثل الوالي الطيب سعد الدين، وبحضور نخبة واسعة من الدراميين والمسرحيين والإعلاميين، ولم تكن مجرد فعالية ثقافية عابرة، بل محاولة جادة لوضع الفن في صلب مشروع وطني كبير.

رسالة وطنية وجسر عبور

في كلمته التي جاءت معبرة عن رؤية الدولة في أعلى مستوياتها، وضع الفريق إبراهيم جابر إطارا فكريا لدور الدراما في المرحلة القادمة، مؤكدا أن الدراما السودانية تمثل “رسالة وطنية عظيمة وجسر العبور لوطن موحد”. ولم يتوقف عند التوصيف البلاغي، بل ذهب إلى تحديد وظائفها الاستراتيجية في تشكيل وجدان المجتمع وبناء الأجيال ورتق النسيج الاجتماعي الذي مزقته الحرب.

وأشار جابر إلى أن الدراما هي “المرآة الحقيقية والصادقة للمجتمع السوداني ولسان حال الناس”، واصفا إياها بـ”السلاح الناعم والقوة الناعمة” التي تعبر عن قيم المجتمع وتقاليده وأصالته.

وشدد عضو مجلس السيادة على أن المسؤولية الملقاة على عاتق المبدعين هي “مسؤولية جبارة وضخمة”، معتبرا أن الأمل معقود على أهل الفن بكافة ضروبه لتقديم أعمال تليق بتاريخ الأمة السودانية العريق. ودعا في هذا السياق إلى تكاتف الجهود لنقل الخبرات التراكمية من جيل الرواد إلى الأجيال الوسطى والشابة، معتبرا أن استمرار تبادل الخبرات هو “الضمانة الأساسية والوحيدة لتطوير المشهد الفني وضمان عدم انقطاع حبل التواصل بين الأجيال”.

جابر يزور معرض ود الجاك المصاحب

من النظرية إلى التنفيذ

أحد أهم ما ميز خطاب جابر هو انتقاله من العموميات إلى المطالب العملية، فقد شدد على ضرورة وضع “خطط علمية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، وليست مجرد أوراق نظرية”، مطالبا بإيجاد آلية مستدامة للتواصل بين الدولة وأهل الفن، وجدول زمني محدد للتنفيذ عبر ورش العمل والأوراق البحثية التي تناقش قضايا الفن والدراما بعمق.

وأكد أن الدراما لم تكن يوما للترفيه فقط، بل هي أداة لـ”تقويم وتعديل وبناء المجتمعات وتهذيب سلوكها”. وفي لفتة لها دلالتها التربوية، أشار إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه الدراما والموسيقى والمسرح المدرسي في تربية النشء وغرس القيم الوطنية ومواجهة خطاب الكراهية والعنصرية، مؤكدا أن الفن قادر على إعادة الأمور إلى نصابها وتعزيز قيم التسامح والوحدة والحوار مع الآخر.

وجدد جابر حرص الدولة على مواصلة دعم ومساندة الدراميين ماديا ومعنويا وتذليل كافة العقبات التي تواجههم، معربا عن ثقته الكاملة في قدرتهم على النهوض بالعمل الدرامي. ووجه رسالة وطنية جامعة: “السودانيون أمة عظيمة ولن تهزمها كل الدنيا لو اجتمعت عليها”، داعيا إلى التعاون والمحبة، ومطالبا بالإسراع في إعداد جدول بالتوقيتات والبدء في التنفيذ، مقترحا أن تكون البداية بفعالية في المسرح القومي، بل ومازح الدرامي د. فيصل أحمد سعد قائلا إنه “سيفتح فيه بلاغ إذا لم ينفذ هذا الأمر”- في إشارة عكست الأجواء الإيجابية التي سادت الورشة.

جانب من الورشة

الحوار ملك للسودانيين

من جانبه، قدم وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار خالد الإعيسر رؤية الحكومة للحوار السوداني- السوداني، مؤكدا أن السودان في مرحلة ما بعد الحرب يحتاج إلى استعادة قيمة الحوار بوصفه “طريقا وحيدا لبناء التوافق الوطني وتجاوز مرارات الصراع وفتح المجال أمام وطن يسع جميع السودانيين دون إقصاء”.

وحسم الإعيسر الجدل حول دور الحكومة في هذا الحوار، مشددا على أن دورها “يقتصر فقط على تهيئة المناخ والبيئة المناسبة والآمنة للحوار”، وأنها “لا تتدخل في موضوعاته ولا تفرض أجندته أو تشرف على مفرداته أو توجه مخرجاته”. وأضاف: “الحوار ملك للسودانيين وحدهم، وينبغي أن يظل مساحة وطنية مفتوحة بين السودانيين، تستمع فيها الأطراف إلى بعضها بعضا، وتدير اختلافاتها باحترام، وصولا إلى توافقات حقيقية تعبر عن الإرادة الوطنية الخالصة”.

وفي ربط ذكي بين الثقافة والحوار، أشار الإعيسر إلى أن الثقافة والفنون والإعلام تمثل من أهم مساحات وأدوات الحوار، لما تمتلكه من قدرة فريدة على الوصول إلى وجدان الناس وقلوبهم وتحويل الاختلاف من مصدر للصراع إلى فرصة للتفاهم والتكامل، واستعادة ما يجمع السودانيين من ذاكرة مشتركة وقيم راسخة وتاريخ طويل من التعايش.

ووجه الوزير رسالة مباشرة ومؤثرة للدراميين، قائلا إن الفن لا يكتفي بوصف الواقع ونقله، بل يمكن أن يسهم في تغييره وصناعة واقع جديد، وأن المسرح والدراما قادران على أن يكونا “جسرا متينا بين السودانيين ومنبرا للوعي ومساحة آمنة للتعبير عن آلام الناس وآمالهم بعيدا عن خطاب الكراهية والاستقطاب السياسي والجهوي”. وختم بجملة لخصت فلسفة المرحلة: المطلوب هو حوار “لا يبحث عن منتصر ومهزوم، وإنما عن وطن ينتصر فيه الجميع”.

تكامل اتحادي ولائي ودور “الفضاء العالمي”

بدوره، أكد وزير الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم الطيب سعد الدين، أهمية توحيد الجهود بين المؤسسات الاتحادية والولائية لدعم قضايا الوسط الثقافي والدرامي والشبابي، مشددا على ضرورة العمل المشترك بروح الشراكة لخدمة البلاد ومعالجة هموم العاملين في هذه المجالات. وأشاد بدور مركز الفضاء العالمي في استقطاب المبدعين وتنظيم الفعاليات داخل الأندية والمراكز الشبابية، مؤكدا استمرار التواصل والتفاكر حول قضايا الوسط الثقافي.

أما ممثل مركز الفضاء العالمي الدرامي والمسرحي د. فيصل أحمد سعد، فقد افتتح الورشة معبرا عن سعادة المركز بهذا اللقاء، مؤكدا أن الدراميين أفرغوا عصارة جهدهم في 4 أوراق عمل قدمت توصيات عملية من أجل المشاركة في اتخاذ القرار وفي قيادة وإدارة الدولة، داعيا إلى تقديم كل ما يساعد الدراميين على أداء دورهم الوطني.

وتكمن أهمية هذه الورشة في كونها نقلت النقاش حول الحوار السوداني- السوداني من القاعات السياسية المغلقة إلى فضاءات الثقافة والمجتمع، لتؤكد أن استعادة السودان لن تتم عبر اتفاقات النخب فقط، بل عبر استعادة القصة الجامعة والوجدان المشترك، وهي مهمة لا يستطيع أن ينجزها إلا الفن.