45 عامًا على مجزرة الفاكهاني.. حين قصفت إسرائيل قلب بيروت

45 عامًا على مجزرة الفاكهاني.. حين قصفت إسرائيل قلب بيروت

Loading

في ظهيرة 17 يوليو/ تموز 1981، لم تكن الغارات الإسرائيلية تتجه إلى قرى حدودية أو مواقع بعيدة عن التجمعات السكانية، بل وصلت الطائرات إلى قلب ما عُرف بيروت، وألقت قنابلها على منطقة الفاكهاني المكتظة بالمكاتب والشقق السكنية والمارة.

خلال دقائق، انهارت مبانٍ وتحولت شوارع الحي إلى ساحة من الركام والحرائق وسيارات الإسعاف. تباينت تقديرات أعداد الضحايا، لكن المصادر تتفق على أن غالبية الضحايا كانوا من المدنيين، وأن القصف شكّل واحدًا من أشد الاعتداءات الإسرائيلية على العاصمة اللبنانية قبل اجتياح عام 1982.

بعد 45 عامًا، لا تُستعاد مجزرة الفاكهاني باعتبارها حادثة منفصلة في الحرب الأهلية اللبنانية، وإنما بوصفها لحظة أظهرت كيف يمكن لتحويل حي سكني إلى “هدف عسكري” أن يمحو الحدود بين المقاتلين والمدنيين.

تصعيد وصل إلى قلب العاصمة

جاءت الغارات وسط تصاعد المواجهة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في جنوب لبنان وعلى الحدود. وكانت إسرائيل تقول إن القصف جاء ردًا على إطلاق صواريخ فلسطينية باتجاه شمالها، بينما كانت منظمة التحرير تتهمها بتوسيع الحرب واستهداف السكان ومؤسساتها المدنية والسياسية.

بلغ التصعيد ذروته في 17 يوليو/ تموز، عندما شن الطيران الإسرائيلي غارات واسعة على بيروت والجنوب، واستهدف بصورة خاصة منطقة الفاكهاني، التي كانت تضم مكاتب تابعة لمنظمة التحرير وفصائل فلسطينية، إلى جانب مبانٍ سكنية ومتاجر ومؤسسات مدنية.

لم تكن طبيعة المنطقة سرًا. فقد تحولت الفاكهاني خلال تلك السنوات إلى مركز سياسي وإداري فلسطيني، لكنها بقيت في الوقت نفسه حيًا يعيش فيه لبنانيون وفلسطينيون، ويتنقل في شوارعه الموظفون والأطفال والعمال والمرضى.

مكاتب سياسية داخل حي سكني

قالت إسرائيل إن طائراتها استهدفت مقار تابعة لحركة “فتح” والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وإن وجود هذه المكاتب يبرر العملية العسكرية.

لكن القصف لم يتوقف عند المكاتب. أصابت الغارات أبنية سكنية متعددة الطبقات، ودمرت مباني كاملة وألحقت أضرارًا واسعة بالشوارع المحيطة. وتحدث تقرير أممي لاحق عن تدمير مبانٍ مرتفعة في قطاع الفاكهاني الواقع داخل قلب بيروت.

كشفت المجزرة مشكلة ستتكرر في حروب لاحقة: كيف يجري التعامل مع حي مدني كامل عندما توجد داخله مكاتب أو منشآت لفصيل مسلح؟ وهل يكفي وجود هدف معلن في مبنى لتبرير ضرب المنطقة المحيطة به بالقوة نفسها؟

في الفاكهاني، لم تكن الإجابة نظرية. سقطت الأبنية فوق ساكنيها، وتحولت أعمال الإنقاذ إلى سباق مع الوقت وسط الدخان وانقطاع الطرق واكتظاظ المستشفيات.

كم بلغ عدد الضحايا؟

لا يوجد رقم واحد متفق عليه لحصيلة قصف الفاكهاني، لكن تشير بعض التوثيقات الفلسطينية إلى مقتل أكثر من 300 مدني، فيما أوردت تقديرات أخرى أرقامًا أقل، مع اتفاق على سقوط مئات القتلى والجرحى في بيروت ومناطق أخرى استهدفتها الغارات الإسرائيلية في اليوم نفسه.

يعكس اختلاف الأرقام طبيعة تلك المرحلة: حرب أهلية، مؤسسات دولة ضعيفة، مستشفيات تستقبل الضحايا من أكثر من منطقة، ومفقودون بقوا تحت الأنقاض قبل انتشالهم.

لكن تفاوت الحصيلة لا يغير طبيعة الحدث. كانت المنطقة مأهولة، وكان عدد كبير من الضحايا مدنيين، وكانت قوة القصف أكبر من أن تبقى محصورة في المكاتب التي أعلنت إسرائيل استهدافها.

هدنة أخّرت الحرب ولم تمنعها

بعد أسبوع من التصعيد، نجح المبعوث الأميركي فيليب حبيب في التوصل إلى وقف فعلي لإطلاق النار بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في 24 يوليو 1981.

أوقفت الهدنة المواجهة المباشرة عدة أشهر، لكنها لم تعالج الأسباب التي دفعت إلى الانفجار. بقي الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، واستمرت إسرائيل في النظر إليه بوصفه تهديدًا، فيما بقي لبنان ساحة مفتوحة أمام تدخلات إقليمية ودولية متشابكة.

بعد أقل من عام، اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان في يونيو/ حزيران 1982، ووصلت إلى بيروت وحاصرتها. بذلك بدت غارات يوليو 1981 لاحقًا مقدمة لاختبار قدرة إسرائيل على نقل الحرب من الحدود إلى العاصمة، وضرب المراكز الفلسطينية وسط المناطق المدنية.

ذاكرة حي لا رقم في سجل الحرب

ربما تراجعت مجزرة الفاكهاني في الذاكرة العامة أمام اجتياح 1982 وحصار بيروت ومجزرة صبرا وشاتيلا، إلا أن ما جرى في 17 يوليو بقي حاضرًا لدى سكان المنطقة وعائلات الضحايا.

لا تختصر المأساة في عدد المباني أو القنابل أو الضحايا. تكمن دلالتها في الطريقة التي عومل بها حي كامل باعتباره امتدادًا لهدف عسكري، وفي انتقال الحرب خلال دقائق من الصراع بين قوتين مسلحتين إلى غرف النوم والشرفات والمحلات.

بعد 45 عامًا، يعيد الفاكهاني طرح السؤال نفسه الذي رافق حروبًا كثيرة: ماذا يبقى من حماية المدنيين عندما تصبح المدينة نفسها ساحة للقتال؟