![]()
تركت 3 سنوات من الحرب، قطاع غزة تحت وطأة التهجير والدمار ونقص الاحتياجات الأساسية، في واقع إنساني تزداد صعوبته مع حلول كل شتاء.
حيث أن مئات الآلاف من المهجرين ما زالوا خارج منازلهم، ويعيشون في خيام ومبان مهدمة وأماكن مكتظة للغاية.
وتُشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 2,300 مبنى غير آمن يحتاج إلى الهدم، فيما لا يمثل الرجوع إلى المنازل خيارًا متاحًا للجميع، إذ إن مناطق واسعة لم تعد صالحة للسكن، بينما تحتاج منازل كثيرة إلى إصلاح أو إعادة بناء كامل.
وأصبحت المياه معركة يومية بسبب الأضرار التي لحقت بشبكات المياه والصرف الصحي، وانخفاض قدرة السكان على الوصول إلى مياه نظيفة. كما تراجعت إمدادات الكهرباء، وأصبحت البنية التحتية المتضررة تجعل الحصول على الخدمات الأساسية أكثر صعوبة.
الأطفال الأكثر تأثرًا
ويتحمّل الأطفال العبء الأكبر من هذه الأوضاع. فـ3 سنوات من عدم الاستقرار تعني بالنسبة إليهم فقدان المدرسة والتهجير المتكرر وغياب الطفولة الطبيعية. وتضررت المرافق التعليمية، وتحول بعضها إلى ملاجئ، فيما يحاول الأطفال مواصلة تعليمهم وسط ظروف النزوح.
وبحسب بيانات اليونيسيف، تضررت نحو 98% من المدارس في غزة، فيما تحتاج أكثر من 93% منها إلى ترميم كبير أو إعادة بناء كامل.
ولم تنجُ المستشفيات من الدمار؛ إذ تضررت المستشفيات الـ36 في قطاع غزة، ولا يعمل منها سوى 19 مستشفى بصورة جزئية، فيما لا يوجد مستشفى يعمل بكامل قدرته.
وتتجاوز الاحتياجات الإمكانيات المتاحة، مع تزايد الحاجة إلى العلاج والرعاية الطبية. وفي أسبوع واحد، شكّلت الأمراض المعدية نحو 19% من أكثر من 280 ألف استشارة طبية.
تغيّر تفاصيل الحياة اليومية
ويزيد الشتاء من المخاطر، إذ يعيش نحو 279 ألف شخص في مواقع نزوح معرضة للفيضانات، بينما يعيش نحو 13% من سكان قطاع غزة في أماكن غير آمنة أو غير ملائمة. ومع هطول الأمطار، تصبح الخيام والمناطق المنخفضة أكثر عرضة للخطر، في ظل محدودية قدرة البنية التحتية على تصريف المياه.
في غزة، لم تعد المشكلة تقتصر على العثور على ملجأ، بل باتت تشمل الحصول على المياه والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم ومكان آمن للنوم. و3 سنوات من الحرب غيرت تفاصيل الحياة اليومية، فيما يرتبط العودة إلى الوضع الطبيعي بقدرة السكان على ترميم منازلهم وخدماتهم وبنيتهم التحتية.
كما تركت الحرب القطاع من دون اقتصاد قادر على إنتاج ما يحتاجه السكان. فقد انكمش الاقتصاد بنسبة 83% خلال 2024، بينما تجاوز التضخم 200%. وفقد القطاع الخاص معظم قدرته على العمل، بحسب تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية.
أما الأسواق، فما زالت تعمل على نطاق محدود للغاية، مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وانهيار مصادر الدخل. وتعرض قطاعا الصناعة والزراعة لأضرار كبيرة، فيما أصبح قطاع الإنشاءات شبه متوقف تمامًا، وتوقفت مصانع كثيرة عن العمل، بينما تعمل المتاجر والأسواق بما يتوفر لديها من بضائع.
وتدخل البضائع عبر معبر واحد هو كرم أبو سالم، بعد إغلاق ما كان يعرف بمعبر زيكيم في شمال قطاع غزة. وارتفعت نسبة تفريغ شحنات المساعدات والبضائع من 52% إلى 88%، إلا أن الكميات التي تدخل القطاع لا تزال بعيدة جدًا عن احتياجاته، خصوصًا أنه يعتمد على الخارج في الغذاء والدواء والوقود ومواد البناء.
وفي سبتمبر/أيلول، تلقى أكثر من 840 ألف شخص مساعدات، فيما يعتمد آلاف السكان على المساعدات الغذائية العينية، التي كانت تغطي نحو نصف الاحتياجات الدنيا فقط.
ورغم وصول المساعدات، فإنها لا تزال غير كافية، فيما يعجز الاقتصاد عن تعويض الفجوة. كما لا تزال حركة الأشخاص محدودة عبر معبر رفح، الذي يستخدمه المرضى والعائدون. ومن أكتوبر/تشرين الأول 2023، جرى إجلاء نحو 12,400 مريض طبيًا.
تحدي إعادة الإعمار
وتبقى إعادة الإعمار التحدي الأكبر، إذ تقدر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بأكثر من 71 مليار دولار. وإعادة بناء غزة لا تعني إزالة الركام فقط، بل إعادة تشغيل المصانع والأسواق والقطاع الزراعي والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء، وخلق فرص عمل ومصادر دخل تتيح للسكان بناء حياة مستقرة بدل الاعتماد على المساعدات.
ولهذا، إذا توقفت الحرب، فإن معركة اقتصادية جديدة ستبدأ: كيف يمكن تحويل غزة من اقتصاد يعتمد على المساعدات إلى اقتصاد قادر على إنتاج مقومات الحياة؟
وهذه ليست أرقامًا مجردة، بل خريطة بشرية لحصيلة الحرب في غزة؛ إذ استشهد أكثر من 74 ألف فلسطيني خلال 3 سنوات. ومن اللافت أن أكثر من نصف الشهداء من الأطفال والنساء وكبار السن، وهي الفئات التي يفترض أن تكون فرص نجاتها أكبر. ووفقًا لبيانات وزارة الصحة في غزة، شكلت هذه الفئات أكثر من 52% من الشهداء حتى سبتمبر/أيلول 2026.
وحتى 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تقول وزارة الصحة في غزة إن 74,243 فلسطينيًا استشهدوا نتيجة العمليات العسكرية، بينهم أكثر من 1,100 طفل رضيع، فيما تجاوز عدد الجرحى 175 ألفًا.
الوضع الإنساني صعب جدًا في قطاع غزة
وفي هذا السياق، قال محمد صالح، المُنسّق العام لشبكة المنظمات غير الحكومية الفلسطينية في قطاع غزة، في حديث للتلفزيون العربي، إنّ قوات الاحتلال الإسرائيلي لا تزال مستمرة في استهداف المدنيين في غزة.
وأضاف صالح بعد 3 سنوات من حرب إبادة، يواصل الناس التنقّل قسرًا بسبب استهداف الأحياء السكنية، وأصبح السكان يعيشون في أقل من 30% من مساحة قطاع غزة، بينما تسيطر قوات الاحتلال الإسرائيلي على 70% من القطاع.
وأردف الوضع الإنساني كارثي جدًا. فالناس يتعرضون للاستهداف يوميًا، ويبحثون باستمرار عن مكان يعيشون فيه، لكنهم لا يجدون مكانًا مناسبًا، ولا تتوفر الاحتياجات الأساسية للسكان.
ولفت إلى أنّ الوضع الإنساني صعب جدًا في قطاع غزة، وإذا استمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي في فرض هذه القيود، فسيتضرر كثير من الناس وستُفقد أرواح كثيرة، ولن نتمكن من توفير استجابة إنسانية كافية لاحتياجات السكان.
ونوه إلى أن هناك فجوة كبيرة بين احتياجات الناس وما تقدمه المنظمات الإنسانية ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية التي تحاول توفير الاحتياجات، في ظل عدم السماح بإدخال ما يحتاجه السكان.
وتابع هناك أطنان من الركام داخل غزة، ولا نستطيع إزالته، كما لا توجد أماكن كافية لنصب الخيام للسكان. ونحن على أبواب الشتاء، وسنواجه كارثة حقيقية إذا لم نوفر مأوى للمواطنين.
وأشار إلى وجود تحديات كبيرة أيضًا في توفير المستلزمات للقطاع الصحي والتعليم والزراعة والمأوى وغيرها من القطاعات التي تحاول تلبية الاحتياجات الحقيقية للسكان، لكن الاستجابة لا تزال محدودة جدًا.
وفي ما يتعلق باتفاق وقف إطلاق النار، قال صالح إن الاتفاق يسمح بدخول 600 شاحنة يوميًا، في حين يحتاج القطاع إلى أكثر من 800 شاحنة.
وراح يقول لكن الاحتلال يسمح بدخول أقل من 200 شاحنة يوميًا، منها 20% مساعدات إنسانية و80% للقطاع الخاص، رغم أن 90% من سكان قطاع غزة يعتمدون على المساعدات الإنسانية. وما يدخل لا يغطي حتى 25% من الاحتياجات الحقيقية للسكان.
ومنذ ما يسمى وقف إطلاق النار، يهدد الاحتلال الإسرائيلي مباني سكنية داخل قطاع غزة ويجبر الناس على النزوح قسرًا. ومئات العائلات تبحث يوميًا عن مكان تلجأ إليه.
وتنتشر الخيام في الشوارع، وبعضها بجوار مياه الصرف الصحي، بينما تنتشر الأمراض بين السكان والمهجرين في القطاع.
كما تفرض قوات الاحتلال قيودًا على قطع الغيار والزيوت المعدنية والمرشحات اللازمة للمولدات الكهربائية وسيارات الإسعاف. وتوقفت مستشفيات كثيرة، ولا يعمل حاليًا سوى 19 مستشفى من أصل 36 بصورة جزئية، بسبب نقص الوقود والزيوت المعدنية وقطع الغيار اللازمة لتقديم الخدمات الصحية.
