إسرائيل وأرض الصومال.. ما وراء خطوة الاعتراف والتقارب؟

إسرائيل وأرض الصومال.. ما وراء خطوة الاعتراف والتقارب؟

Loading

ليس بعيدًا عن مساعي إسرائيل الرامية إلى إرباك المنطقة بأكثر من مسار وأسلوب، يعتزم رئيس ما يسمى “أرض الصومال” عبد الرحمن عرو، زيارة إسرائيل خلال الشهر الحالي، وتحديدًا خلال الأسبوعين القادمين.

وقالت هيئة البث الإسرائيلية التي كشفت عن الخطوة، إنها تهدف إلى الانضمام رسميًا إلى اتفاقيات التطبيع، بعد أن اعترفت إسرائيل قبل أيام بهذا الإقليم، “دولة مستقلة ذات سيادة”.

رفض إقليمي واسع للخطوة الإسرائيلية

وسيوقع عرو مجموعة من الاتفاقيات الثنائية في مجالات الزراعة والتعدين والنفط والأمن والبنية التحتية والسياحة وغيرها، وفق الهيئة الإسرائيلية التي نوهت بأنه سبق لرئيس الإقليم الانفصالي أن زار تل أبيب سرًا.

فهذه الزيارة وما سبقها من خطوة اعتراف إسرائيل بـ”أرض الصومال دولةً مستقلة”، لاقت توجسًا ورفضًا إقليميًا واسعًا، باعتبار أن الخطوة غير قانونية وتشكل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين.

كما أكدت مقديشو التزامها المطلق وغير القابل للتفاوض بسيادة ووحدة أراضيها، معلنة رفضها القاطع للاعتراف الإسرائيلي غير القانوني باستقلال منطقة شمال الصومال.

والحالُ أنّ إسرائيل هي الوحيدة في العالم التي اعترفت باستقلال “أرض الصومال”، إذ يتعامل المجتمع الدولي بحذر وحساسية مع مسألة الاعتراف بهذا الإقليم الذي أعلن انفصاله من جانب واحد مطلع تسعينيات القرن الماضي، وسط عجز الحكومة المركزية عن بسط سيطرتها عليه.

أمّا الولايات المتحدة، فرغم تأكيدها أن سياستها لم تتغير بشأن عدم اعترافها بأرض الصومال، فإنها لم تقم بإدانة الخطوة الإسرائيلية، بل انتقدت عقد جلسة لمجلس الأمن لنقاش الأمر، بدعوى أن تل أبيب لها الحق في إقامة علاقات دبلوماسية مع أي جهة كانت، حسب تعبير المندوبة الأميركية.

التطبيع وتهديد الجغرافية العربية

ولا يُنظر إلى الزيارة المرتقبة لرئيس أرض الصومال، على أساس أنها مجاملة، وإنما في سياق تطبيق شروط لإسرائيل مقابل اعترافها بها كدولة مستقلة، بحسب ما صرّح به الرئيس الصومالي في وقت سابق.

وتشدد دول عربية وإقليمية على أن المسألة لا تتعلق بإقليم أرض الصومال الانفصالي، وإنما بالخطوة الإسرائيلية التي تنطوي على بُعدين رئيسيين، هما التطبيع وتهديد جغرافية المنطقة العربية بالتفتيت والتجزئة إلى دويلات، وهو ما دفعها إلى دق ناقوس خطر هذا الاعتراف الإسرائيلي.

وأكدت جامعة الدول العربية أن الخطوة تعبر عن طمع تل أبيب في تحقيق أجندات سياسية وأمنية واقتصادية مرفوضة رفضًا قاطعًا.

“زيارة عرو تهدف إلى تلميع صورة إسرائيل”

وفي هذا الإطار، يؤكد محمد جوري، مدير معهد الدبلوماسية والدراسات التابع لوزارة الخارجية الصومالية، أن موقف الحكومة في مقديشو كان “واضحًا ورافضًا رفضًا باتًا” للاعتراف الإسرائيلي.

ويشير، في حديث للتلفزيون العربي من مقديشو، إلى أن الحكومة تعتبر اعتراف إسرائيل بـ”أرض الصومال” غير شرعي وغير قانوني، ويتعارض مع القوانين الدولية.

ويقول جوري إن زيارة عرو إلى تل أبيب تأتي “ضمن حملة لتلميع صورة إسرائيل، ولا سيما صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أصبح منبوذًا عالميًا”.

ويضيف أن الحكومة اليمينية، التي لا تحظى بشعبية حتى داخل إسرائيل، “تبحث عن لحظة انتصار، وتسعى إلى بيع الوهم للشعب الإسرائيلي، بالإيحاء بأنها حققت نوعًا من الاختراق في الصومال”.

ويشدد على أن تحقيق أي “اختراق” في الصومال يُعد “وهمًا كبيرًا”، باعتبار أن “الإرادة الصومالية لا تخضع لهذه الابتزازات والتدخلات الخارجية”.

ويرى أن ما قامت به إسرائيل هو محاولة يائسة، مؤكدًا وجود مواقف دولية منددة ورافضة للاعتراف بما يسمى بـ”أرض الصومال”.

أهداف الاختراق الإسرائيلي للصومال

من جهته، يرى إبراهيم الخطيب، أستاذ إدارة النزاع في معهد الدوحة والمختص بالشأن الإسرائيلي، أن هناك ثلاثة أمور أساسية تسعى إسرائيل من خلالها إلى تحقيق اختراق في الصومال. ويأتي أولها في إطار “الهروب إلى الأمام في ملف التطبيع”، بعد فشلها في إحراز أي تقدم فيه خلال الحرب على غزة.

ويقول الخطيب، في حديثه من أستوديوهات التلفزيون العربي في لوسيل، إن الأمر الثاني يتعلق بالخطط الاستراتيجية الإسرائيلية المرتبطة بمنطقة القرن الإفريقي، إذ يمنحها الوجود في “أرض الصومال” منافذ استراتيجية على المنطقة وإفريقيا عمومًا، ولا سيما عبر ميناء بربرة.

أما الأمر الثالث، فيرتبط بالقضية الفلسطينية، ولا سيما مسألة تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، حيث جرت مفاوضات على مدى أشهر في هذا الشأن.

ويوضح أن إسرائيل كانت تتفاوض مع “أرض الصومال” على الاعتراف مقابل القبول بتهجير الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن تل أبيب أنشأت “مديرية” خاصة بالتهجير أطلقت عليها اسم “الهجرة الطوعية”، في إشارة إلى الهجرة القسرية الناتجة عن تحويل غزة إلى منطقة غير قابلة للحياة.

ويرى أنه رغم أن مسألة التهجير، التي كانت عنصرًا أساسيًا في المفاوضات مع “أرض الصومال”، قد لا تتحقق خلال الفترة المقبلة، فإنها شكّلت جزءًا محوريًا من المقايضة بين الطرفين.

“الصومال دولة تعاني من أزمات منذ جيلين”

ومن نيويورك، يقول الدبلوماسي الأميركي السابق، كاميرون هيوم، إنه طُرحت خلال الأشهر الماضية في الولايات المتحدة تساؤلات بشأن إعادة تشكيل النظام الدولي، لافتًا إلى أن عددًا من قادة “أرض الصومال” زاروا واشنطن بصورة علنية، وإن لم تكن رسمية.

وينقل هيوم، في حديثه للتلفزيون العربي، حديث هؤلاء القادة عن “الازدهار والحوكمة مقارنة بالصومال”، مشيرًا في هذا السياق إلى أن الولايات المتحدة ترى أن الصومال “دولة تعاني من أزمات منذ جيلين”، في حين تمكن إقليم “أرض الصومال” خلال هذه الفترة من إظهار وقائع مختلفة على صعيد الحوكمة والتوصل إلى اتفاقيات.

ويقول إن “تواصلًا” جرى بين الولايات المتحدة و”أرض الصومال” خلال العام الماضي، لكنه يوضح أنه “لم يكن هناك أي تحرك للمضي قدمًا”.

ويرى أن الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال” يرتبط بتوقيت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى فلوريدا ولقائه الرئيس دونالد ترمب، معتبرًا أن ذلك شكّل الدافع وراء هذه الخطوة.

غير أنه يشير إلى أن ترمب “لم يشجع” الخطوة الإسرائيلية، وكان حذرًا في التعاطي معها، ولا سيما في ظل انعدام الاستقرار في البلدان الإفريقية والعربية، حسب قوله.

ويخلص إلى أن ما يُسمّى “أرض الصومال” تحظى، وفق هذا الطرح، “بمستوى من الاستقرار والحوكمة يفوق بلدانًا أخرى، كما أنها لا تشكّل تهديدًا لإسرائيل أو الولايات المتحدة”، حسب رأيه.