التلفزيون العربي يرصد واقع الأمن الغذائي في غزة.. هل انتهت المجاعة؟

التلفزيون العربي يرصد واقع الأمن الغذائي في غزة.. هل انتهت المجاعة؟

Loading

استطلاع ميداني أجراه “التلفزيون العربي” على 110 مواطنين في مدينة غزة يختبر واقع الطعام اليومي، بعد وقف إطلاق النار: عدد الوجبات، مصادر الغذاء، وكفاية المساعدات.. وهل يشعر الناس بأن المجاعة انتهت فعلًا؟

لم يعد الأمن الغذائي في قطاع غزة مفهومًا نظريًا يُناقَش في تقارير المؤسسات الدولية، بل صار واقعًا يوميًا قاسيًا يعيشه أكثر من مليوني إنسان تحت القصف والحصار وسياسات تجويع ممنهجة. فالحرب الأخيرة لم تقتصر على تدمير المنازل والبنية التحتية، بل طالت بصورة مباشرة مقومات البقاء الأساسية: الغذاء والمياه وسلاسل الإمداد، والقدرة على الوصول إلى الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية.

فقد فرضت إسرائيل قيودًا مشددة على إدخال المواد الغذائية، واستهدفت الأسواق والمخازن والمخابز، إلى جانب تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في منظومة الأمن الغذائي. وفي ظل هذا الواقع، باتت الغالبية الساحقة من سكان غزة تعتمد على المساعدات الإنسانية، التي تعاني بدورها نقصًا حادًا وعدم انتظام، فضلًا عن قيود سياسية وأمنية خانقة، حوّلت التجويع إلى سلاح حرب ضد المدنيين في القطاع.

ورغم إعلان وقف إطلاق النار منذ العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2025، بقيت الأسئلة معلّقة حول ما إذا كان هذا التطور قد انعكس تحسنًا فعليًا في حياة الناس اليومية، ولا سيما في ما يتعلق بالغذاء.

وللاقتراب من إجابة ميدانية، أجرى فريق “التلفزيون العربي” استطلاعًا شمل 110 مواطنين داخل مدينة غزة، بهدف فهم واقع الأمن الغذائي بعد الحرب، ورصد أنماط الاستهلاك، وعدد الوجبات اليومية، ومصادر الغذاء، ومدى الشعور بانتهاء المجاعة من عدمه.

المنهجيّة: كيف أجري الاستطلاع؟
  • أداة القياس: استطلاع ميداني

  • مكان الاستطلاع: مدينة غزة

  • حجم العينة: 110 مشاركين

  • محاور الأسئلة: الشعور بانتهاء المجاعة، عدد الوجبات، استهلاك الدجاج والبيض، مصادر الغذاء، كفاية المساعدات

ملاحظة: النتائج تعبّر عن عينة داخل مدينة غزة وتعكس مؤشرات ميدانية على اتجاهات عامة

نتائج الاستبيان: قراءة ميدانية بعد وقف إطلاق النار

لا تقدّم نتائج هذا الاستبيان أرقامًا مجرّدة بقدر ما تعكس تجربة يومية يعيشها الناس في بيوتهم ومطابخهم وطوابير انتظارهم.

فصحيح أنّ الإجابات تعبّر عن عيّنة داخل مدينة غزة، ولا تعمَّم على كامل القطاع، إلا أنّها تعكس بوضوح ما يشعر به السكان حيال الأمان الغذائي، والاستقرار، وإمكانية التخطيط ليومٍ واحد من دون قلق الجوع.

من هنا، تُقرأ الأرقام التالية بوصفها مؤشرات على واقع معيشي هش، لا على تحسن مستدام، وتُفهم ضمن سياق الحصار وتذبذب المساعدات لا بمعزل عنه.

1) هل انتهت المجاعة؟

أظهرت النتائج أن الإحساس بالمجاعة لا يزال حاضرًا بقوة في وعي السكان: 91% من المشاركين قالوا إن المجاعة لم تنتهِ، بينما رأى 9% فقط أنها انتهت.

91% من المشاركين يؤكدون أن المجاعة لم تنتهِ بعد وقف إطلاق النار.
تكشف هذه النتيجة فجوةً عميقة بين أي حديث عن تحسن نسبي، وبين التجربة اليومية الفعلية للناس، حيث لا تزال القدرة على الحصول على غذاء كافٍ وغير منقطع أمرًا غير مضمون لدى غالبية الأسر.
2) استهلاك الدجاج: تحسن نسبي أم توفر متقطع؟

في ما يتعلق بتناول الدجاج منذ إعلان وقف إطلاق النار، قال 64% من المشاركين إنهم تناولوه ثلاث مرات أو أكثر، فيما أفاد 36% بأنهم تناولوه مرتين أو أقل، وصرّح 7% بأنهم لم يتناولوه إطلاقًا.

قد توحي هذه الأرقام بوجود تحسن نسبي في توفر أحد مصادر البروتين، إلا أن قراءتها في سياقها المعيشي تشير إلى أن هذا الاستهلاك قد يكون مرتبطًا بالمساعدات الإنسانية أو بتوفر متقطع وغير منتظم، لا باستقرار حقيقي في سلاسل الإمداد أو تحسن القدرة الشرائية للسكان.
3) البيض: هشاشة أوضح في التنوع الغذائي

أما تناول البيض، فكشف هشاشة أكبر في التنوع الغذائي: نحو ثلث العينة تناولوا البيض مرة واحدة أو أقل خلال الفترة المشمولة بالاستطلاع، ومن بينهم 12% لم يتناولوا البيض مطلقًا.

يعكس هذا التراجع في استهلاك أحد أبسط مصادر البروتين الحيواني أثرَ تقليص عدد الوجبات اليومية وضعف القدرة على تأمين غذاء متوازن.
4) عدد الوجبات: حين تصبح الوجبة الكاملة استثناء

عند سؤال المشاركين عن عدد الوجبات اليومية، بدت أزمة الأمن الغذائي أكثر وضوحًا:

  • 67% يكتفون بوجبتين يوميًا.

  • قرابة خمس العينة يكتفون بوجبة واحدة.

  • 11% قالوا إنهم يتناولون ثلاث وجبات يوميًا.

وجبتان: 67% | وجبة واحدة: نحو 20% | ثلاث وجبات: 11%

تشير هذه الأرقام إلى أن الوجبات الكاملة باتت استثناء لدى شريحة واسعة من الأسر، وأن تقليص الطعام أصبح استراتيجية بقاء مفروضة بفعل شح الغذاء، لا خيارًا مؤقتًا أو سلوكًا فرديًا.

⚠️ ماذا تعني وجبة واحدة يوميًا؟ ⚠️


  • وجبة واحدة في اليوم ليست “تقليلًا” في الطعام فقط، بل مؤشر خطر صحي، خصوصًا لدى الأطفال والحوامل وكبار السن: فهي تعني سعرات وبروتينًا أقل، ما يرفع احتمال سوء التغذية وفقر الدم وضعف المناعة وتفاقم الأمراض المزمنة.
  • ومع تكرار هذا النمط لأيام وأسابيع، تصبح تبعاته تراكمية: تراجع النمو لدى الأطفال، إرهاق الحمل، وزيادة الهشاشة الصحية لدى كبار السن.
5) من أين يأتي الطعام؟

في ما يتعلق بمصدر الغذاء الأساسي، أظهرت النتائج اعتمادًا واسعًا على المساعدات الإنسانية:

  • 48% يعتمدون على التكيات والمطابخ الخيرية مصدرًا رئيسيًا للطعام

  • 36% يعتمدون على الطهي المنزلي

  • 16% يعتمدون على الطرود الغذائية

يعكس هذا التوزيع تآكل القدرة على الاعتماد الذاتي، وتحول الغذاء من حق أساسي إلى مورد إغاثي غير مستقر، مرتبط بتدفق المساعدات وتقلباتها.
6) هل تكفي المساعدات؟

في تقييم كفاية المساعدات الإنسانية، جاءت النتائج صريحة:

  • الغالبية الساحقة ترى أن المساعدات غير كافية لتلبية الاحتياجات الأساسية،
  • مقابل 9% فقط قالوا إنها كافية.
يؤشر ذلك إلى فجوة كبيرة بين حجم الاحتياج الفعلي وبين مستوى الاستجابة الإنسانية الحالية، ويؤكد أن المساعدات، رغم أهميتها، لا تزال عاجزة عن ضمان حد أدنى مستدام من الأمن الغذائي.

الأمن الغذائي في غزة بعد وقف إطلاق النار: أرقام من الميدان

استطلاع ميداني لـ”التلفزيون العربي” – مدينة غزة (110 مشاركين)

⚠️ هل انتهت المجاعة؟ ⚠️


  • 91%: المجاعة لم تنتهِ

  • 9%: المجاعة انتهت

الدلالة: شعور الجوع ما يزال مهيمنًا رغم وقف إطلاق النار، مع فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والتجربة اليومية للسكان.

🍞 عدد الوجبات اليومية 🍞


  • 67%: وجبتان يوميًا 🍞🍞

  • نحو 20%: وجبة واحدة فقط 🍞

  • 11%: ثلاث وجبات يوميًا 🍞🍞🍞

الدلالة: الوجبة الكاملة أصبحت استثناءً، وتقليص الطعام تحوّل إلى استراتيجية بقاء لا خيارًا مؤقتًا.

🥣 مصدر الغذاء الأساسي 🥣


  • 48%: التكيات والمطابخ الخيرية

  • 36%: الطهي المنزلي

  • 16%: الطرود الغذائية

الدلالة: تآكل الاعتماد الذاتي، وتحول الغذاء من حق يومي إلى مورد إغاثي غير مستقر.

خلاصة

تكشف نتائج هذا الاستطلاع أن المجاعة في غزة لم تكن مرحلة عابرة ارتبطت بذروة الحرب فحسب، بل حالة ممتدة تتفاقم مع الحصار وتدمير البنية الاقتصادية واستمرار القيود على إدخال الغذاء.

وحتى بعد وقف إطلاق النار، لا يزال كثيرون يعيشون على حافة الجوع، في ظل غياب ضمانات حقيقية للأمن الغذائي أو أفق واضح للتعافي.

 إن الحديث عن “انتهاء المجاعة” لا يستند إلى واقع الناس على الأرض، حيث تظل لقمة الخبز معركة يومية لا تقل قسوة عن أصوات القصف التي سبقتها.