![]()
تصعيد ميداني معقّد يفتح باب الاستنزاف في كردفان ودارفور
تقرير تحليلي يرصد مآلات العمليات العسكرية وتوازنات القوة على الأرض
متابعات – السودان الآن – تشهد محاور القتال في ولايتي كردفان ودارفور حالة من التعقيد الميداني المتزايد، في ظل عمليات عسكرية غير مستقرة، وتوازن دقيق في القوة يمنع تحقيق حسم واضح لأي من الأطراف. المعطيات الميدانية تشير إلى أن العملية العسكرية الأخيرة للجيش لفك حصار مدينة الدلنج وربطها بكادوقلي اعتمدت على اندفاع تكتيكي سريع دون تحضير كافٍ لمرحلة تثبيت الأرض، ما جعل الاختراقات المحققة هشة وسريعة الانهيار، خاصة مع ضعف الإمداد، وهشاشة خطوط التأمين، وغياب قوة احتياط قادرة على مسك الأرض بعد التقدم، الأمر الذي انتهى بعودة القوات إلى مواقعها السابقة.
ووفقاً للتقديرات الميدانية، فإن الهدف الأساسي للعملية، والمتمثل في فك الحصار وإيصال العتاد، لم يتحقق حتى الآن، كما أن الخسائر التي لحقت بقوات الدعم السريع جاءت في إطار تكتيكي محدود، دون تأثير ملموس على ميزان السيطرة، ما يعكس غياب رؤية عملياتية طويلة النفس، والاعتماد على عنصر الصدمة بدلاً من إدارة معركة متعددة المراحل.
وفي محوري كازقيل وهبيلا، كشف الأداء الميداني عن صعوبة إدارة أكثر من محور قتالي فعّال في توقيت واحد، حيث فُتحت المحاور دون تأمين العمق أو السيطرة على عقد الطرق، ما أتاح لقوات الدعم السريع امتصاص الضربة الأولى وقطع خطوط الإمداد، وإجبار القوات المتقدمة على التراجع.
أما محور كادوقلي، فقد تحول إلى ساحة ضغط مستمر دون حسم، مع بقاء بعض الدفاعات متماسكة في مناطق حاكمة، غير أن فقدان نقاط خنق استراتيجية حال دون تحقيق أي انفراج عملياتي، ليتحول القتال إلى تبادل نيران يعتمد على المسيّرات والقصف عن بعد، في ظل غياب هجوم بري واسع.
وتشير القراءة العسكرية إلى أن قوات الدعم السريع والحركة الشعبية تتبعان حالياً تكتيكاً يقوم على المنع والاستنزاف بدلاً من التوسع، عبر تعطيل محاولات فك الحصار، وكسب الزمن، وإدارة الضغط بالنيران والمسيّرات، مع تجنب الاشتباكات الحاسمة إلا في نطاق محدود.
وفي شمال دارفور، يخفي الهدوء النسبي إعادة تموضع محسوبة، حيث تتحرك القوات بمجموعات خفيفة لتفادي الضغط الجوي، مقابل تركيز القوات المشتركة على قطع المسارات ومنع إعادة الانتشار، ما يضع المحور في مرحلة إنهاك بطيء بدلاً من مواجهة مفتوحة. وفي مدينة نيالا، برزت المدينة كعقدة لوجستية حساسة، مع استمرار عمل المطار رغم القصف، وهو ما يشير إلى حسابات عملياتية أو قيود مرحلية تحول دون التعامل معه كهدف حاسم في الوقت الراهن.
وفي الأبيض، يغلب الطابع النفسي والإعلامي على مجريات المعركة، حيث يهدف التصعيد إلى تثبيت القوات داخل المدينة ومنعها من التحرك نحو محاور جنوب كردفان، دون مؤشرات لهجوم بري وشيك. وفي المقابل، تشهد محاور أخرى في الصحراء والنيل الأزرق والولاية الشمالية هدوءاً مقصوداً، مع بقائها ضمن خيارات التشتيت أو إعادة تفعيل المبادرة.
وتخلص التقديرات إلى أن المشهد العسكري الحالي يعكس مرحلة استنزاف مفتوحة، لا الجيش فيها قادر على فك الحصار في المدى القريب، ولا قوات الدعم السريع قادرة على تحقيق حسم دون كلفة عالية، بينما يظل المواطن هو الطرف الأكثر تضرراً من استمرار العمليات العسكرية