اشتباك ميداني وتقاذف اتهامات بين دمشق وقسد.. ما مصير اتفاق وقف النار؟

اشتباك ميداني وتقاذف اتهامات بين دمشق وقسد.. ما مصير اتفاق وقف النار؟

Loading

بعد يوم واحد من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في شمال شرق سوريا، لا يزال التوتر الميداني حاضرًا بقوة، وسط اشتباكات متقطعة وتبادل اتهامات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ما يثير تساؤلات جدية بشأن مستقبل الاتفاق وإمكانية صموده على الأرض.

الجيش السوري أعلن سيطرته على مدينة الشدادي وسجنها، الذي يضم عناصر من تنظيم الدولة، فيما اتهمت قسد التحالف الدولي بعدم الاستجابة لدعواتها للتدخل، مؤكدة أن قاعدة للتحالف تبعد أمتارًا قليلة عن السجن لم تتحرك.

في المقابل، حذّرت الحكومة السورية من استخدام ملف الإرهاب وسجون تنظيم الدولة كورقة ابتزاز سياسي أو أمني.

دخول السجون إلى خط المواجهة، في الحسكة وريف الرقة، رفع منسوب القلق الأمني، خصوصًا مع التحذيرات من خطر فرار آلاف المعتقلين من عناصر تنظيم الدولة، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات على أمن سوريا والمنطقة.

“ابتزاز سياسي”

تعليقًا على هذه التطورات، يقول الباحث الإستراتيجي في وزارة الخارجية السورية عبيدة غضبان، إن الإشكالية الأساسية تكمن في ما يصفه بـ”محاولات يائسة من قبل قوات سوريا الديمقراطية لفرض شروط جديدة أو ممارسة ابتزاز سياسي للتنصل من الاتفاق، عبر التصعيد الميداني أو استخدام أوراق ضغط مختلفة”.

ويؤكد غضبان في حديث إلى التلفزيون العربي من دمشق، أن “هذا السلوك ليس جديدًا، بل تكرر منذ اتفاق الأول من مارس/ آذار الماضي وما سبقه من جولات تفاوض، معتبرًا أن الاتفاق الأخير كان مخرجًا إيجابيًا واضحًا، ينص على وقف إطلاق النار والاندماج في مؤسسات الدولة، غير أن النهج ذاته ما يزال مستمرًا.

ويرى أن لدى قوات سوريا الديمقراطية “خليطًا من العنجهية والكبر وعدم فهم الواقع في الوقت ذاته”، على حد تعبيره، مشددًا على أن الواقع الميداني تغيّر جذريًا.

ويذهب إلى أن “الحكومة السورية اليوم ليست كما كانت سابقًا حين كانت قسد تحظى بدعم مباشر من الولايات المتحدة”، محذرًا من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى ضياع فرص متبقية أمام قسد للانخراط في المسار السياسي والأمني الجديد.

“ارتباك في التفسير”

من ناحيته، يربط الكاتب والباحث السياسي شورش درويش التصعيد في شمال شرقي سوريا بخلافات جوهرية بشأن تفسير بنود اتفاق وقف إطلاق النار، معتبرًا أن الاتفاقات التي جرى التوصل إليها في مسارات سابقة، من باريس إلى أربيل ثم دمشق، لم تُبنَ على حوار تفصيلي كافٍ، ما أفسح المجال أمام قراءات متناقضة للنصوص.

ويقول درويش في حديث إلى التلفزيون العربي من بريمن، إن  الغموض في الصياغة، سواء في اتفاق 10 مارس أو اتفاق 18 يناير، هو ما خلق حالة الالتباس الحالية.

ويلفت إلى أن قوات سوريا الديمقراطية تفهم الاتفاق على أنه انسحاب من مناطق مثل الرقة ودير الزور، مع الإبقاء على كوباني ومحافظة الحسكة، إلى جانب تعيين محافظين محسوبين عليها واندماج قواتها كأفراد بعد تدقيق أمني.

ويشير درويش إلى أن “ما تسعى إليه دمشق يتجاوز هذه الترتيبات، وقد يكون مدفوعًا بدعم إقليمي، لا سيما من تركيا، في اتجاه ممارسة ضغوط قاسية على قوات سوريا الديمقراطية”، على حد تعبيره، محذرًا من أن هذا المسار لن يفضي إلى حل مستدام

ويحذر درويش من أن الغموض الذي يلف موقف الولايات المتحدة وعملية “العزم الصلب” حيال مصير سجناء تنظيم الدولة، لا سيما في سجن الصناعة بالحسكة، يشكل خطرًا داهمًا، وينذر بانفجار أمني واسع قد يدفع المنطقة نحو مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.

“وضع مازال تحت السيطرة”

من جهته، يرى الكاتب والباحث السياسي يعرب العيسى، أن اتهام دمشق لقوات سوريا الديمقراطية باستخدام ملف سجون تنظيم الدولة كورقة ابتزاز ليس أمرًا طارئًا، بل يعود إلى بدايات تشكّل التحالف الدولي، حين جرى تكليف “قسد” بإدارة ملف أسر عناصر التنظيم وإنشاء السجون الخاصة بهم.

ويشير العيسى في حديثه إلى التلفزيون العربي من دمشق، إلى أن هذا الملف ظلّ طوال السنوات العشر الماضية “قنبلة موقوتة”، إذ كان يُحذَّر دائمًا من أنه سينفجر في وجه جميع الأطراف عند أي تغيير في ميزان القوى، سواء عبر اتفاق أو تصعيد عسكري أو تسوية سياسية.

ويؤكد أن ما يجري حاليًا لا يصل إلى أسوأ السيناريوهات التي كانت متوقعة، معتبرًا أن الوضع لا يزال، إلى حدّ ما، تحت السيطرة، كما لا يتفق مع اتهامات وزارة الدفاع السورية لقوات سوريا الديمقراطية بإطلاق سراح الموقوفين.

ويحذّر العيسى من خطورة الوضع في سجن الشدادي الذي يضم مقاتلين من تنظيم الدولة، مشيرًا إلى أن سجونًا أخرى، مثل سجن الرقة، لا تضم جميعها عناصر من التنظيم، بل يوجد فيها مدنيون أيضًا.

ويلفت إلى أن التحالف الدولي يجري مراجعة وتقييمًا لملفات السجناء بهدف الإفراج عن غير المنتمين للتنظيم لتسهيل السيطرة الأمنية.

وتابع العيسى أن هناك عاملًا اجتماعيًا بالغ الأهمية، يتمثل في أن عددًا من معتقلي التنظيم ينتمون إلى المناطق نفسها، ما يجعل عائلاتهم وعشائرهم تحاول استغلال أي فراغ أمني أو ارتباك ميداني، ورغم حساسية الوضع وإمكانية وقوع أخطاء، يرى العيسى أن المشهد لا يزال ضمن الحدود القابلة للاحتواء.