السيطرة على مناطق قسد.. كيف أدار الشرع المعركة وما أبرز كواليسها؟

السيطرة على مناطق قسد.. كيف أدار الشرع المعركة وما أبرز كواليسها؟

Loading

شكّل التقدّم الميداني السريع للحكومة السورية على أراضٍ في أربع محافظات سورية، كانت تسيطر عليها منذ فترة طويلة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” التي يقودها الأكراد، نقطة تحوّل جديدة في مساعي دمشق لتوحيد البلاد.

وقالت تسعة مصادر مطّلعة على اجتماعات عالية المستوى عُقدت خلف الأبواب المغلقة لوكالة “رويترز”: إن هذا التقدّم على الأرض لصالح الجيش السوري تبلور في سلسلة من الاجتماعات الحاسمة التي عُقدت في دمشق وباريس والعراق في وقت سابق من هذا الشهر.

انتصاران مهمان لدمشق

ووفقًا لوكالة “رويترز”، فقد أظهرت هذه الروايات، التي لم ترد في أي تغطية إعلامية سابقة وتم الكشف عنها شريطة عدم الإفصاح عن هوية المصادر، أن الولايات المتحدة حليفة “قسد” لسنوات، لم تقف في طريق عملية غيرت بشكل جذري موازين القوى في سوريا.

وقالت المصادر إن الاجتماعات مهدت الطريق أمام الرئيس السوري أحمد الشرع لتحقيق انتصارين كبيرين وهما، المضي قدمًا في تنفيذ تعهده بتوحيد جميع الأراضي السورية تحت قيادة واحدة، وأن يصبح الشريك السوري المفضل للإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب.

وقضى الهجوم فعليًا على منطقة الحكم الذاتي التي كانت قوات “قسد” تأمل في الحفاظ عليها بشمال شرق سوريا، في الوقت الذي مثل فيه اختبارًا لحدود دعم واشنطن للشرع الذي قاد فصائل المعارضة في عملية عسكرية تمكنت من الإطاحة بنظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024 خلال 12 يومًا.

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال التوقيع على اتفاق اندماج “قسد” في مؤسسات الدولة – غيتي 

وقال المبعوث الأميركي توم براك إن واشنطن يمكنها الآن الشراكة مع الدولة السورية ولا مصلحة لها في الحفاظ على دور منفصل لقوات سوريا الديمقراطية.

كما قال براك، الثلاثاء الماضي، في بيان على حسابه بمنصة “إكس”: إن الحاجة لوجود تنظيم “قسد” انتهت، مشيرًا إلى أن الحكومة السورية مستعدة لتولي المسؤوليات الأمنية.

وكانت الولايات المتحدة تدعم قوات سوريا الديمقراطية منذ عام 2015، عندما كان ينظر إليها على أنها قوة لطرد تنظيم “الدولة” من شمال شرق سوريا.

واستخدمت قوات “قسد” فيما بعد تلك الأراضي لإنشاء جيب يتمتع بالحكم الذاتي، مع مؤسسات مدنية وعسكرية منفصلة.

إلا أن الدولة السورية ركزت على توحيد البلاد، ونجح الرئيس أحمد الشرع في عقد اتفاق مع قائد “قسد” في العاشر من مارس/ آذار 2025 يقضي بالاندماج مع مؤسسات الدولة بحلول نهاية العام المذكور.

إلا أنه وبعد محادثات على مدى أشهر في عام 2025، انقضت مهلة مدتها عام أمام قوات سوريا الديمقراطية للاندماج مع دمشق دون أي تقدم يذكر.

سوريا اقترحت الهجوم قبل أسابيع

تنقل وكالة “رويترز”، التي عرضت تفاصيل الهجوم، عن مصدر أميركي مطلع على موقف واشنطن من سوريا قوله: “يبدو أن الشرع خبير إستراتيجي بارع”.

وفي الرابع من يناير/ كانون الثاني الجاري، أنهى وزير سوري فجأة اجتماعًا في دمشق بين مسؤولين من الحكومة السورية ومن قوات سوريا الديمقراطية بشأن الاندماج، بحسب ثلاثة مسؤولين أكراد.

في اليوم التالي، سافر وفد سوري إلى باريس لإجراء محادثات مع إسرائيل بشأن اتفاق أمني بوساطة أميركية، بحسب “رويترز”.

ويتهم مسؤولون سوريون إسرائيل بدعم قوات سوريا الديمقراطية. وقال مصدران سوريان مطلعان على الاجتماع في باريس إن المسؤولين السوريين طالبوا المسؤولين الإسرائيليين بالتوقف عن تشجيع الأكراد على تأخير الاندماج.

وقال مصدر سوري آخر مطلع على الأمر إن المسؤولين السوريين اقترحوا أثناء وجودهم هناك القيام بعملية محدودة لاستعادة بعض الأراضي التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية ولم يواجهوا أي اعتراض.

كما أن المبعوث براك حث يوم الثلاثاء، قوات سوريا الديمقراطية على الاندماج وقال إن الولايات المتحدة لا ترغب في وجود عسكري طويل الأمد في سوريا.

وضمن هذا السياق، قال يحيئيل ليتر، السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة: “بصفتي كنت حاضرًا طوال الاجتماع الثلاثي في ​​باريس، أؤكد أن إسرائيل لم تقرّ قط أي هجوم شنه الجيش السوري على الأكراد السوريين. وأي ادعاء بأننا فعلنا ذلك فهو ادعاء كاذب”.

وقال مسؤول سوري: إن حكومة دمشق تلقت رسالة منفصلة من تركيا مفادها أن واشنطن ستوافق على عملية ضد قوات سوريا الديمقراطية شريطة حماية المدنيين الأكراد.

وتدخلت تركيا مرارًا في سوريا ضد قوات سوريا الديمقراطية، متهمة إياها بالارتباط بحزب العمال الكردستاني المحظور الذي خاض تمردًا في تركيا لعقود. وقالت المسؤولة السياسية الكردية هدية يوسف: “الاتفاق في باريس أعطى الضوء الأخضر لشن هذه الحرب”، حسب قولها.

الأكراد يتهمون الولايات المتحدة بـ”الخيانة”

يؤكد دبلوماسي أميركي ومصدران سوريان أحدهما مطلع على المفاوضات أنه بعد أسبوعين من اندلاع العملية العسكرية الأخيرة للجيش السوري، بدأت واشنطن في إرسال إشارات إلى قوات سوريا الديمقراطية بأنها تسحب دعمها المستمر منذ سنوات.

وذكرت المصادر الثلاثة أن براك التقى في 17 من يناير الجاري، بقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في إقليم كردستان شمالي العراق وأبلغه بأن مصالح الولايات المتحدة مع الشرع وليس مع قوات سوريا الديمقراطية، بينما نفى مسؤول في قوات سوريا الديمقراطية هذه الرواية.

وقال مسؤول عسكري أميركي ومسؤولان كرديان إن الولايات المتحدة أعطت قوات سوريا الديمقراطية ضمانات بالحماية إذا أضر هجوم الشرع بالمدنيين الأكراد أو زعزع استقرار مراكز احتجاز تضم معتقلين من تنظيم الدولة.

إلا أن قوات قسد انسحبت قبل يومين من سجن بريف الحسكة كانت تحتجز فيه معتقلين من تنظيم “الدولة” حيث فر هؤلاء قبل أن يتمكن الجيش السوري من القبض عليهم، وأعلنت واشنطن مساء الأربعاء نقل معتقلين للتنظيم من سوريا إلى “مكان آمن” في العراق.

ومع تقدم الجيش السوري إلى ما بعد المنطقة التي اقترحت في الأصل السيطرة عليها، حثه الجيش الأميركي على وقف تقدمه وأطلقت طائرات التحالف قنابل ضوئية تحذيرية فوق بعض مناطق الاشتباك. لكن تلك الإجراءات كانت أقل بكثير من التوقعات الكردية.

وقالت هدية يوسف: “ما تقوم به قوات التحالف والمسؤولون الأميركيون غير مقبول… هل أنتم حقًا تفتقرون إلى المبادئ؟ هل أنتم مستعدون لخيانة حلفائكم إلى هذا الحد؟”.

“الشرع كاد أن يبالغ في تقدير قوته”

يشير المصدر الأميركي المطلع على موقف واشنطن ومصدران أميركيان آخران مطلعان على سياستها إلى أن الشرع كاد يبالغ في تقدير قوته خلال المرحلة الأخيرة من الهجوم، حسب قولهم.

فقد انتزع الجيش السوري السيطرة بسرعة على المحافظات ذات الأغلبية العربية من قوات سوريا الديمقراطية وواصل التقدم.

وبحلول 19 يناير/ كانون الثاني الجاري، كان الجيش السوري يطوق آخر المدن التي تسيطر عليها قوات قسد في شمال شرق سوريا، على الرغم من وقف إطلاق النار الذي أعلن في اليوم السابق.

وذكر مسؤول في البيت الأبيض لوكالة “رويترز” أن الولايات المتحدة تراقب التطورات في سوريا “بقلق بالغ”، وحث جميع الأطراف على “إعطاء الأولوية لحماية المدنيين من جميع الأقليات”.

ومع اقتراب القوات السورية من آخر معاقل الأكراد، أعلن الشرع فجأة وقفًا جديدًا لإطلاق النار يوم الثلاثاء، وقال إن قواته لن تتقدم إذا اقترحت قوات سوريا الديمقراطية خطة اندماج بحلول نهاية الأسبوع.

وبعد دقائق، أصدر براك بيانه، وقال إن الغرض الأساسي من قوات سوريا الديمقراطية كقوة قتالية ضد تنظيم الدولة “انتهى إلى حد كبير”، وإن الفرصة الأكبر للأكراد تكمن في ظل حكومة الشرع الجديدة.

ومع ذلك، واصلت قوات قسد خرق الاتفاق، حيث أكدت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، أن قسد استهدفت مواقع الجيش السوري “أكثر من 35 مرة في اليوم الأول من مهلة وقف إطلاق النار، ما أدى إلى ارتقاء 11 شهيدًا وإصابة أكثر من 25 جنديًا”، وفق ما نقلت وكالة الأنباء السورية “سانا”.