![]()
بعد تعثر تنفيذ اتفاق 10 آذار/ مارس، برز تفاهم جديد بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” لاحتواء جولة التصعيد الأخيرة والأشد سخونة بين الطرفين في حلب وحوض الفرات والجزيرة.
الاتفاق الذي أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع بحضور رسمي، في غياب قائد “قسد” مظلوم عبدي الذي وصل لاحقًا إلى دمشق، جاء بمشاركة المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك.
اتفاق جديد مع قسد
وينص الاتفاق في أبرز بنوده على إدماج قوات “قسد” والإدارة الذاتية بالدولة السورية، لكن دون توضيح آليات هذا الاندماج الذي كان قد سبقه مرسوم رئاسي حاولت دمشق من خلاله طمأنة المكون الكردي في البلاد.
وجاء الاتفاق بعد عملية عسكرية أطلقها الجيش السوري، استعاد من خلالها مناطق واسعة شرقي وشمال شرقي البلاد، إثر خروقات “قسد” المتكررة لاتفاقاته الموقعة مع الحكومة قبل 10 أشهر وتنصله من تطبيق بنودها.
وسبق أن تنصلت “قسد” من تنفيذ اتفاق مارس 2025 مع الحكومة السورية، الذي ينص على احترام المكون الكردي ضمن حقوق متساوية لجميع مكونات الشعب، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي البلاد ضمن إدارة الدولة.
لكن تبقى الأسئلة مطروحة: هل انتهت أزمة العلاقة بين دمشق و”قسد”؟ ما فرص نجاح هذا التفاهم الجديد؟ ومن يضمن عدم تكرار التجارب الماضية؟ كيف سيكون شكل اندماج “قسد” ضمن الدولة المركزية؟
دمشق: الأولوية لتمديد التهدئة وبدء الاندماج
وفي هذا السياق، أوضح مدير دائرة الشؤون الأميركية في وزارة الخارجية السورية، قتيبة إدلبي، أن هناك مباحثات مستمرة ما بين الحكومة السورية و”قسد” لمحاولة تمديد وقف إطلاق النار تمهيدًا لترتيب الأوضاع على الأرض والبدء بعملية اندماج شاملة.
وأضاف في حديث للتلفزيون العربي من دمشق، أن الأولوية بالنسبة للحكومة السورية هي حل الإشكال الراهن عبر الطرق السلمية والسياسية، والشروع بعملية اندماج فوري لتجنب أي صدام مباشر بين القوات السورية ومع ما تبقى من “قسد” وقوات حماية الشعب.
وأشار إدلبي إلى أن المحادثات تجري عبر وساطة أميركية إلى جانب تواصل مباشر مع قيادة “قسد”، مؤكّدًا أن دمشق تسعى إلى تهدئة النفوس وإقناع قيادة “قسد” بالضغط على المجموعات غير المنضبطة، ووقف المماطلة في تنفيذ خطوات الاندماج.
وحول العقبات التي تعرقل إنهاء الأزمة، قال إدلبي إن المشكلة الأساسية تكمن في تأخر “قسد” الدائم في قبول الاتفاقات، رغم التنازلات التي قدمتها الحكومة السورية للوصول إلى اندماج سلمي يتيح انتقالًا سياسيًا.
وأضاف أن الحراك المحلي في شمال شرق سوريا أضعف حضور “قسد” وقوات حماية الشعب في معظم المناطق، فيما تطالب الأخيرة باستعادة ما فقدته أمام المجتمع المحلي هناك.
وشدد إدلبي على أن الطريق الوحيد للمضي قدمًا هو القبول بالواقع القائم، والاندماج ضمن إطار الدولة السورية الموحدة، بعيدًا عن تشكيل كانتونات أو جيوش موازية.
وأكد أن على “قسد” أن تتقبل رغبة المجتمعات المحلية بالارتباط بالدولة، وأن تدرك أن هذه فرصة تاريخية نادرة للمكون الكردي ليكون جزءًا من صياغة “الجمهورية السورية الثالثة”.
وختم بالقول: “نحن في مرحلة بناء الدولة، وندعو قوات سوريا الديمقراطية لتكون جزءًا من هذا البناء، لا أن تفرض شروطًا بالسلاح لتقسيم البلاد. ما ينقص اليوم هو الإرادة والشجاعة لدى قيادة قسد، وقد راهنت الحكومة السورية طوال الأشهر الماضية على شجاعة مظلوم عبدي لتنفيذ الاتفاق”.
قراءة في الأزمة بين الحكومة السورية وقوات “قسد”
من جهته، يرى الكاتب والباحث السياسي يعرب عيسى أن اتفاق 10 آذار لم يكن فاشلًا، بل مر بمراحل طبيعية من التطور حتى وصل إلى اتفاق 18 يناير، وصولًا إلى اللحظة الراهنة. وأكد أن هذا الملف يُعد من أعقد الملفات في المشهد السوري، ولا يمكن اختزاله أو حله باتفاق مقتضب من بضعة أسطر.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من دمشق، أوضح عيسى أن الأزمة تحتاج إلى عملية تفاوض مستمرة، فهي واحدة من أزمات سوريا الكثيرة التي تتطلب الكثير من العقلانية، والهدوء، والمسؤولية، والوطنية، حتى يمكن احتواء هذا الجزء من القضية السورية العامة.
وأشار إلى وجود جوانب إيجابية في ما جرى خلال الأسبوعين الماضيين، معتبرًا أن ما حدث لم يكن مواجهة عسكرية واسعة، بل تحريك سياسي على الأرض بأقل قدر من العمليات والخسائر، بهدف دفع المسار السياسي إلى الأمام.
ومن بين النقاط الإيجابية التي رصدها، شدد العيسى على وضوح القرار الدولي الرافض لتقسيم سوريا، وهو ما يجب أن يكون مصدر ارتياح لجميع السوريين، عربًا وكردًا ومن مختلف الطوائف والأديان.
كما أضاف أن الدولة تمكنت من إعادة ضبط دور العشائر، بعد محاولات للتحريض عبر تداول فيديوهات وتسجيلات مزيفة عن مجازر وقتلى بالمئات، لم تنجح في استدراج الشارع.
وختم العيسى بالتأكيد على أن سوريا بلد متنوع يضم مكونات دينية وعرقية وسياسية متعددة، ولا يمكن معالجة هذه القضايا عبر حلول جزئية أو محلية، بل من خلال إطار وطني شامل يقوم على المواطنة، وعلى عملية سياسية حقيقية تمثل جميع السوريين.
ما هي متطلبات “قسد”؟
من جانبه، قال ممثل الإدارة الذاتية في دمشق عبد الكريم عمر: “السوريون بحاجة إلى الاستقرار والسلام، ونأمل أن نعود إلى لغة العقل لحل جميع القضايا والخلافات عبر التفاوض، حتى وإن استغرق ذلك بعض الوقت”.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من القامشلي، أوضح عمر أن الإدارة الذاتية منذ البداية كانت مع خيار التفاوض، مؤكدًا أنه لا يوجد في سوريا من يدعم فكرة التقسيم، فجميع السوريين متفقون على وحدة البلاد وسيادتها.
وتابع عمر: “كنا نتوقع بعد كل ما مرّت به سوريا، أن يجلس جميع السوريين والقوى الفاعلة حول طاولة مستديرة، للاتفاق على مبادئ أساسية مثل هوية الدولة وشكل نظام الحكم، ثم تكليف خبراء بإعداد مسودة دستور دائم تُعرض على مؤتمر وطني شامل، يعقب ذلك تشكيل حكومة جامعة تدير المرحلة الانتقالية وتُحضّر لاعتماد الدستور”.
ودعا عمر إلى التفاؤل والعمل المشترك: “لنكن متفائلين، ولنواجه الأزمات معًا كسوريين، ونتجاوز هذه المحنة لبناء وطن مشترك لكل السوريين”.
أما عن المتطلبات التي تراها الإدارة الذاتية مخرجًا سلميًا للأزمة، فأكد عمر الالتزام باتفاقية 18 يناير وتنفيذ بنودها، مشددًا على أن الحل يجب أن يكون عبر المفاوضات لا المواجهة، حتى ولو لدقائق معدودة.
وفي ما يتعلق بطلبات الإدارة الذاتية، أوضح عمر أن اتفاقية 18 آذار تنص على دمج جميع المؤسسات العسكرية والإدارية والأمنية التابعة لـ”قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية، مشيرًا إلى أن هذه العملية تحتاج إلى وقت أطول، وأن أربعة أيام غير كافية لإنجاز اندماج بهذا الحجم.
