الفساد في العراق.. لماذا فشلت الحكومات المتعاقبة في معالجته؟

الفساد في العراق.. لماذا فشلت الحكومات المتعاقبة في معالجته؟

Loading

يمر العراق بمرحلة حساسة تتزامن مع أزمة مالية وتشكيل حكومة جديدة، فيما يضع ملف الفساد نفسه مجددًا في صدارة المشهد السياسي.

وقبل زيارته المرتقبة إلى العراق، كتب مارك سافيا، مبعوث الرئيس الأميركي إلى بغداد، على حسابه في منصة “إكس”: “لإصلاح العراق لا بد من مواجهة الفساد أولًا وبحزم، أعرف بالتفصيل كيف تحول الأموال غير المشروعة، فهي تمر عبر طبقات من الفاعلين الأدنى رتبة كأفراد العائلة، للمسؤولين والأصدقاء والحراس والسائقين والوسطاء”.

لكن حديث سافيا لم يحمل جديدًا بالنسبة للعراقيين، فالجميع يعترف بعمق الفساد، من رئيس الوزراء وصولًا إلى أصغر موظف.

والجديد هو أن البلاد تمر بأزمة مالية خانقة وفي مرحلة تشكيل حكومة جديدة، ما يفرض إعادة فتح ملف مكافحة الفساد مجددًا.

ويطرح هذا المشهد أسئلة جوهرية: إلى أي مدى تجذّر الفساد في مؤسسات الدولة؟ لماذا فشلت الحكومات المتعاقبة في معالجته؟ ولماذا دخل المبعوث الأميركي على خط القضية؟ وهل تستطيع الدولة مواجهة الفساد المرتبط بالأبعاد السياسية؟

أزمة “الفساد” في العراق

وفي هذا السياق، أوضح الباحث في الشأن السياسي العراقي، حيدر البرزنجي، أن الرسائل التي حملتها تصريحات سافيا حول الفساد ليست جديدة على العراقيين، فالجميع يدرك أن الفساد آفة حقيقية لا تقتصر على الحكومة وحدها، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الثقافة السائدة في المجتمع، تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية وجهود مجتمعية وفكرية واسعة للحد منه.

وفي حديثه للتلفزيون العربي من بغداد، أوضح البرزنجي أن تصريحات المبعوث الأميركي حول الفساد لم تُحدث أثرًا ملموسًا أو تغييرًا كبيرًا في الواقع العراقي، مشيرًا إلى أن سافيا تحدث عن امتلاكه مجموعة من الإجراءات وخزانة عقوبات.

وأكد البرزنجي أن إنهاء الفساد في العراق لن يكون ممكنًا إلا إذا توفرت إرادة سياسية حقيقية.

أما بشأن وضع الفساد تحت المجهر الأميركي، يرى البرزنجي أن ما يحدث اليوم هو نتيجة تراكم طويل من الفساد عبر الإدارات المختلفة، بما فيها السياسات الأميركية المرتبطة بالعراق، فمنذ أكثر من 23 عامًا على التغيير السياسي، لم تقدّم الولايات المتحدة دعمًا حقيقيًا لإنهاء مظاهر الفساد مثل تهريب الأموال، وتبييضها، وغسيلها، وتهريب العملة.

وأشار البرزنجي إلى أن الحكومة الحالية نجحت نسبيًا في الحد من تهريب العملة وغسيل الأموال عبر التعاون مع شركات عالمية، وهو ما أكده البنك الدولي والخزانة الأميركية. لكنه شدد على أن الفساد غير المرئي ما زال يستنزف موارد الدولة عبر استغلال الوزارات والإمكانات العامة.

مع ذلك، يعتقد أن الحكومة الحالية استطاعت إلى حد كبير، عبر التعاون مع شركات عالمية، أن تحد من تهريب العملة وتخفف من عمليات غسيل الأموال، وهو ما تؤكده تقارير البنك الدولي ووزارة الخزانة الأميركية. لكن يبقى الفساد غير المنظور، ذلك المستتر الذي يستغل مؤسسات الدولة ومواردها، ويستنزفها بشكل ممنهج.

إستراتيجية أميركية جديدة

من جهته، قال محمد رحيم، رئيس مؤسسة “النهرين لدعم الشفافية والنزاهة”، إن تصريحات المبعوث الأميركي مارك سافيا تعكس إستراتيجية أميركية جديدة، تقوم على التعامل مع أموال الفساد كما لو كانت أموالًا مرتبطة بالإرهاب إلى أن يثبت العكس، ما يعني تجميد الكثير من الأصول المالية ودفع منظومة الفساد، خصوصًا في العراق، نحو التقييد والانكماش.

وفي حديثه للتلفزيون العربي من بغداد، أوضح رحيم أن العراق لا يعمل حتى الآن وفق مؤشر نزاهة وطني، إذ لا يزال هذا المؤشر قيد الإعداد في عهد الحكومة الحالية.

رحيم شدد على أن المشكلة الجوهرية تكمن في تغلغل الفساد داخل المنظومة المصرفية، التي وصف أداءها بأنه “صفر وبائس جدًا”، مشيرًا إلى أن 78% من العملة المحلية مكتنزة خارج النظام المصرفي والسوق، بينما تتكدس كميات كبيرة من الدولار داخل المصارف الحكومية.

وهذا الخلل، بحسبه، يفتح الباب أمام تدخل دولي لفرض تجارب جديدة تستهدف القضاء على الفساد.

كما دعا إلى تحديث المنظومة التشريعية بشكل كامل، وتفعيل الدور الرقابي لمجلس النواب، لافتًا إلى أن العديد من القوانين المتعلقة بالفساد لا تجرّم الأفعال بشكل واضح، ما يجعلها غير رادعة ولا تحقق الهدف المطلوب في مكافحة هذه الآفة.

كيف يمكن مكافحة الفساد في العراق؟

من جانبه، أوضح علي جبار، المختص بإدارة مؤسسات الدولة في الأزمات، أن الفساد بالفعل يُعد واحدة من أكبر المشكلات التي يعاني منها العراق، لكنه للأسف لم يبقَ مجرد ظاهرة في بعض مفاصل الدولة، بل تحوّل إلى ملف تتعامل معه الدولة اليوم بطريقة بالغة الخطورة.

وفي حديثه للتلفزيون العربي من بغداد، أوضح جبار أن نجاح أي مسعى لمكافحة الفساد يعتمد على عدة عوامل، أبرزها حجم الضغط الأميركي، ومدى قدرة القوى العراقية على التعامل مع هذا الملف، إضافة إلى الموقف السياسي الذي يحدد النهج المتبع.

وعن مسؤولية الحكومة وحدودها في مواجهة هذه الظاهرة، أكد جبار أنه لا يمكن للحكومة أن تضع سقفًا أو حدودًا في محاربة الفساد، لكنه انتقد طبيعة تشكيل الحكومات في العراق، معتبرًا أن اعتمادها على أسس سياسية خاطئة يجعلها عاجزة عن أداء دورها التنفيذي.

وأضاف أن الحل يكمن في تشكيل حكومة استثنائية ذات مستوى عالٍ، تستلهم تجارب دولية ناجحة، لأن الحكومة التي تُبنى على أساس مصالح حزبية أو شخصية وتتعامل مع المناصب كغنائم، لا يمكنها أن تحارب الفساد بجدية.

وعن الحكومة المرتقب تشكيلها، تساءل جبار إن كانت قادرة على جعل مكافحة الفساد أولوية، مشيرًا إلى أن الحكم على ذلك يتوقف على شكلها وطبيعة تكوينها. فإذا جاءت بنفس النهج الذي اتبعت الحكومات السابقة، فإن العراق سيواجه وضعًا صعبًا للغاية، خاصة مع هشاشة البنية الاقتصادية، وتعقيدات إقليمية، وضغوط أميركية متزايدة.

وختم بالقول إن التحديات المقبلة غير عادية، ما يستدعي حكومة غير تقليدية وأفضل مما سبق، وإلا فإن العراق سيجد نفسه أمام مواجهة خاسرة مرة أخرى.