![]()
في 26 يناير/ كانون الثاني 1978، دخل الاتحاد العام التونسي للشغل في مواجهة مباشرة مع السلطة، عقب فشل المفاوضات الاجتماعية وإعلان إضراب عام شلّ البلاد، وسط تحذيرات رسمية وانتشار أمني غير مسبوق في محيط شارع الحبيب بورقيبة ومقرّ المنظمة.
في تلك الفترة، واجهت قوات الأمن والجيش التحركات العمالية بالقوة، في أحداث خلّفت عشرات القتلى ومئات الجرحى، واعتقالات واسعة في صفوف القيادات النقابية.
الخميس الأسود 1978
العلاقة بين الدولة واتحاد الشغل
في شهادته للتلفزيون العربي، يقول الكاتب الصحفي كمال بن يونس إن الاتحاد العام التونسي للشغل، منذ تأسيسه سنة 1946، شكّل ولا يزال أحد المحاور الأساسية في الحياة السياسية والنقابية في تونس.
ويضيف بن يونس أنه خلال مرحلة بناء الدولة الوطنية، برزت قيادات نقابية لعبت أدوارًا مزدوجة داخل المنظمة النقابية ومؤسسات الحكم، من بينها أحمد بن صالح ومصطفى الفيلالي، حيث انتقل بعضهم من مواقع قيادية داخل الاتحاد إلى مناصب وزارية، كما هو الحال مع أحمد بن صالح.
ويوضح أن الرئيس الحبيب بورقيبة نجح في تلك المرحلة في إدماج وتعيين قيادات المنظمات الكبرى، من بينها الاتحاد العام التونسي للشغل، واتحاد رجال الأعمال، والاتحاد العام التونسي للصناعة والتجارة، إلى جانب ما عُرف بالمنظمات الوطنية، مثل اتحاد المرأة واتحاد الطلبة، ضمن منظومة الحزب الحاكم.
ويشير إلى أن العلاقة بين السلطة والاتحاد شهدت خلال ستينيات القرن الماضي حالة من المدّ والجزر، قبل أن تبدأ ملامح التمرّد في الظهور خلال السبعينيات، حيث برزت منذ مطلع ذلك العقد دعوات متكررة إلى استقلالية العمل النقابي عن السلطة السياسية.
علاقة “الجسد الواحد”: نقابيون في السلطة
من جهته، يرى النقابي والسجين السابق بدر السماوي أن العلاقة بين الاتحاد العام التونسي للشغل والسلطة السياسية في مرحلة ما بعد الاستقلال لا يمكن اختزالها في مفهوم التحالف فقط، لكنها بلغت حدّ التداخل الكامل (كانا جسدًا واحدًا)، حيث كانت القيادات النقابية والسياسية في كثير من الأحيان جزءًا من المنظومة نفسها.
ويشير السماوي في حديثه للتلفزيون العربي، إلى أن هذا التداخل لم يقتصر على أحمد بن صالح، بل شمل شخصيات نقابية بارزة، من بينها الحبيب عاشور، المعروف بتاريخه داخل الاتحاد، والذي شغل في الوقت نفسه مسؤوليات داخل الحزب الدستوري، إلى جانب أحمد التليلي، الذي جمع بين مواقع قيادية في الحزب واتحاد الشغل.
ويؤكد أن هؤلاء القادة ساهموا، بدرجات متفاوتة، في بناء الدولة الوطنية خلال سنواتها الأولى، في إطار خيار سياسي واقتصادي تبنّته السلطة آنذاك.
ويضيف أن تلك السياسات لم تمرّ دون اعتراض، إذ برزت تحفظات من بعض رؤوس الأموال، التي اعتبرت أن التوجّه المتبع، خاصة في ما يتعلّق بالتعاضد، يتعارض مع مصالحها وطموحاتها الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يذكّر بإقالة أحمد بن صالح وتعيين الهادي نويرة رئيسًا للحكومة، قبل أن يعلن الرئيس الحبيب بورقيبة، في خطابه الشهير يوم 8 يونيو/ حزيران 1970، التخلّي عن تجربة التعاضد.
يلتفّ الشعب حول الدولة عندما يشعر بهيبتها، وبهيبة موظف الدولة والمسؤول فيها. الإنسان لا يحترم الدولة إلا إذا كان هذا المسؤول نظيفًا، كفؤًا، قادرًا، ومتفانيًا في خدمة الشعب
“مستعمرات 72” وبداية الصراع على خلافة بورقيبة
وفي شهادتها عن تلك الفترة، تذكر النقابية السابقة زينة الهمامي أن الحكومة التونسية في عهد الهادي نويرة اتّبعت توجّهًا ليبراليًا، مع انفتاح أكبر على المستثمرين الأجانب.
وتشير إلى أن قانون أفريل (أبريل/ نيسان) 1972 وقانون أفريل 1974 سمحا للمستثمرين الأجانب من جميع الجنسيات بالعمل في تونس وفتح مؤسسات وتشغيل العمال التونسيين، وهو ما ساهم جزئيًا في تصاعد الصراع بين الاتحاد والحكومة.
وتضيف للتلفزيون العربي أنها كانت من بين العاملات اللواتي اشتغلن في إحدى مؤسسات أفريل 72، والتي أطلق عليها بين العاملات اسم “مستعمرات 72″، نظرًا لساعات العمل الإضافية غير المدفوعة وظروف الاستغلال الواضحة.
من جهته، يلفت كمال بن يونس إلى أنّ بداية السبعينيات شهدت مناخًا جديدًا للصراع على خلافة بورقيبة، خاصة بعد مرضه أواخر 1969، حيث أصبح التنافس على قيادة الدولة حاضرًا في جميع المجالات، لا سيما بين الحزب الحاكم والنقابات.
ويضيف أن زوجة الرئيس، وسيلة بورقيبة، اتّبعت أسلوبًا يقوم على التقارب مع قيادات نقابية، من بينهم الحبيب عاشور، بينما أصبح بعض الوزراء متحالفين مع قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل.
أمّا النقابي والسجين السابق محافظ الجراجي فيقول إن تلك المرحلة كانت تتسم بوجود أجنحة متصارعة داخل النظام حول خلافة بورقيبة.
ويضيف في حديثه إلى التلفزيون العربي أن القيادة النقابية سعت إلى الحفاظ على استقلالية المنظمة، رغم انتماء الحبيب عاشور للحزب الدستوري.
ويوضح أن القيادة النقابية قررت الانفصال عن الحزب والاكتفاء بالمسؤولية النقابية نتيجة لذلك، فيما أعلن الحبيب عاشور استقالته من اللجنة المركزية والديوان السياسي للحزب الاشتراكي الدستوري.
تتناول الحلقة المرفقة من “كنت هناك” أحداث الخميس الأسود في تونس عام 1978 حين تحول الإضراب العام الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل إلى مواجهات عنيفة مع قوات الأمن.
تحركات عمالية تسبق الإضراب العام
في روايته عن الأحداث، يذكر النقابي بدر السماوي أن بداية السبعينيات شهدت تصاعد موجة الإضرابات العمالية في تونس.
ويشير إلى أن أهم هذه الإضرابات، والتي بقيت عالقة في ذاكرته رغم كونه تلميذًا حينها، كان إضراب الشركة القومية للنقل في أكتوبر 1973، الذي شكّل نقطة فاصلة في تاريخ الحركة النقابية قبل أحداث الخميس الأسود.
من جهتها، تشير النقابية السابقة زينة الهمامي إلى أن اتحاد الشغل أمضى على اتفاقية السلم الاجتماعية، غير أن القواعد العمالية رفضت الالتزام بها، ما أدّى إلى كسر الاتفاقية على أرض الواقع.
وتضيف أن هذا الرفض تزامن مع تصاعد حدّة التوتر الاجتماعي، حيث “تأجّجت الأوضاع في أواخر 1977 وبداية 1978″، في سياق مهّد مباشرة لانفجار المواجهة بين الاتحاد والسلطة.
وعن ذلك، يروي السماوي أن بداية يناير/ كانون الثاني 1978 شهدت انعقاد مجلس وطني للاتحاد العام التونسي للشغل، في مناخ اتّسم بالتوتّر نتيجة تزايد الإضرابات.
ويضيف أن المجلس قرّر حينها إعلان الإضراب العام من حيث المبدأ، دون تحديد موعد لتنفيذه.
من جانبه، يتحدث كمال بن يونس عن الأسابيع التي سبقت أحداث 26 يناير 1978، موضحًا أنه كان آنذاك طالبًا يقيم قرب شارع الحبيب بورقيبة وساحة محمد علي، حيث مقر القيادة النقابية، وأن تلك الفترة شهدت تجمعات عمالية شبه يومية، كان يحضر بعضها من خلال الاجتماعات والمظاهرات.
ويضيف بن يونس أنه في خضمّ تلك التحركات، لوحظ تحوّل في التعامل الأمني، إذ لم تعد قوات الأمن المعروفة بـ”البوب” تكتفي بحمل العصي، بل بدأت تحمل السلاح، وهو ما أثار تساؤلات واسعة في الشارع آنذاك حول احتمال لجوء الشرطة إلى إطلاق النار.
يوم الإضراب العام والمواجهة مع الأمن
يشرح النقابي بدر السماوي أن السلطة، قبيل يوم الإضراب العام، وجّهت تحذيرات للعمال من المشاركة فيه، واعتمدت في الوقت نفسه على مجموعات محسوبة على الحزب الحاكم (ميليشيات)، نُسبت إلى محمد الصياح، قامت بالاعتداء على عدد من النقابيين في محاولة لثنيهم عن التحرك، حسب قوله.
من جهته، يروي النقابي والسجين السابق محافظ الجراجي أنه يوم الإضراب العام كان منتميًا إلى تنظيم سياسي سري، وأنهم عملوا على توزيع مناضلين لتأطير النقابات ودعمها.
ويضيف أن الموقف داخل الهياكل النقابية لم يكن موحّدًا، إذ صمدت بعض النقابات إلى جانب القيادة الشرعية للاتحاد، في حين انصاعت أخرى لقيادات نُصّبت تحت التهديد من قبل السلطة.
وفي مدينة صفاقس، التي تعد العاصمة الاقتصادية للبلاد، يروي عبد القادر ناصر، وهو نقابي وسجين سابق للتلفزيون العربي تفاصيل الإضراب، ويقول:
في صفاقس، لم يكن الإضراب يومًا واحدًا. أضربنا ثلاثة أيام: 24 جانفي (يناير) بسبب إيقاف الكاتب العام الجهوي عبد الرزاق غربال، و25 جانفي إضراب في قطاع الفلاحة، و26 جانفي الإضراب العام.
عن يوم 26 يناير (يوم الإضراب العام)، يقول الكاتب الصحفي كمال بن يونس:
في صباح 26 جانفي، كانت الأمور تسير ظاهريًا بشكل عادي، مع تعبئة إعلامية ونقابية. فجأة بدأت التحركات، ثم تطورت إلى مواجهات بالحجارة والعصي، ثم بإطلاق الرصاص. وتفرّق أغلب الناس.
لكن النقابي بدر السماوي يشرح أن المواجهات في بدايتها كانت مع قوات الشرطة، قبل أن يتدخّل الجيش لاحقًا، وتُعلن حالة الطوارئ. ويشير إلى أن الأمر المتعلّق بالطوارئ الصادر يوم 28 يناير 1978 استُخدم للمرة الأولى آنذاك، وهو الإطار القانوني الذي لا يزال معمولًا به في تونس إلى اليوم.
ويضيف أن تلك الفترة شهدت مواجهات مباشرة ورشقًا بالحجارة ضد عناصر الأمن، كما يتذكّر أن بعض النقابيين القادمين من الجهات في اتجاه العاصمة جرى اعتراضهم ومنعهم من الوصول، حيث وُجّهت إليهم عبارات من قبيل: “عوض أن تواجهونا، اذهبوا إلى فلسطين لمواجهة الصهاينة”.
أما النقابية السابقة زينة الهمامي فتروي أنه في صباح 26 يناير، خرج العمال مشيًا على الأقدام من المؤسسة في نعسان في اتجاه جبل الجلود، حيث كان الانتشار الأمني والوجود العسكري كثيفًا.
وتضيف أنه قرابة الساعة العاشرة صباحًا، عادوا إلى منطقة بن عروس ليجدوا المدينة مطوّقة بآليات الجيش، في مشهد عكس حجم الاستنفار الذي رافق ذلك اليوم.
كما تشير إلى مقتل أحد زملائهم، عبد الله بوزيان، العامل بمعمل بير القصعة للنسيج، بعد إصابته بالرصاص أمام مقرّ المؤسسة، في واحدة من أبرز الحوادث التي بقيت عالقة في الذاكرة.
إطلاق نار كثيف وقمع غير مسبوق
يروي محافظ الجراجي، النقابي والسجين السابق في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، أن إطلاق النار طال متظاهرين خرجوا من ساحة محمد علي (البطحاء)، حيث مقر اتحاد الشغل، ما أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا.
ويضيف أن أكثر ما أثّر فيه آنذاك كان مقتل ماسح أحذية، لم يكن على دراية بما يجري أو بالإضراب، قبل أن تصيبه رصاصة أودت بحياته، في مشهد اختزل عشوائية العنف الذي شهده ذلك اليوم.
ويصف الجراجي تلك المرحلة بالقول إن تونس كانت “على فوهة بركان”، حيث ساد القمع وتوقّفت الحياة تقريبًا في مختلف أنحاء البلاد، من الشمال إلى الجنوب، في واحدة من أكثر الفترات قتامة في تاريخها الاجتماعي والسياسي.
المواجهات والتداعيات
-
اندلعت المواجهات بين العمال والأمن في شوارع عدد من المدن، وكانت أعنفها في العاصمة تونس.
-
تباينت الروايات حول حصيلة الضحايا:
-
السلطات: 80 قتيلًا.
-
الأوساط النقابية: 300-400 قتيل، إضافة إلى نحو 3000 معتقل.
-
من جهته، يوضح النقابي بدر السماوي أن المواجهات بين العمال والأمن اندلعت في شوارع عدد من المدن، وكانت حدّتها الأكبر في العاصمة تونس.
ويشير إلى تباين الروايات حول حصيلة الضحايا، إذ أفادت السلطات بسقوط 80 قتيلًا، في حين قدّرت الأوساط النقابية العدد بما يتراوح بين 300 و400 قتيل، إضافة إلى نحو 3000 معتقل في أعقاب الأحداث.
من جانبه، يروي الصحفي كمال بن يونس أنه في خضمّ أحداث 26 يناير، تبادلت السلطة والنقابات الاتهامات، إذ حمّلت النقابات ميليشيات محسوبة على الحزب الحاكم مسؤولية افتعال أعمال نهب وحرق بهدف تشويه صورة الحركة النقابية، بينما اتهمت السلطة النقابيين بمحاولة “حرق البلاد”.
ويشير إلى أن هذه الاتهامات المتبادلة عكست حدّة الخطاب السياسي وعمق القطيعة بين الاتحاد والسلطة في تلك المرحلة، دون وجود أدلة مؤكدة على التصريحات التي نُسبت لبعض القيادات النقابية آنذاك.
الاعتقالات والتعذيب في السجون
في شهادته للتلفزيون العربي، ينقل النقابي عبد القادر ناصري أن جثث المضروبين بالكرتوش (بالرصاص) كانت ممددة في ساحة البطحاء، قرب باب الخضراء، في مشهد صادم ترك أثرًا بالغًا في ذاكرته.
ويضيف أن تلك كانت أول مرة يُصدر فيها الرئيس الحبيب بورقيبة تعليماته للجيش بالنزول إلى الشارع وإطلاق النار على المواطنين.
من جانبه، يشير الكاتب الصحفي كمال بن يونس إلى أن زين العابدين بن علي كان يشغل منصب مدير عام للأمن الوطني في تلك الفترة، وأن تصاعد الخلاف بين بورقيبة والحبيب عاشور شهد انحياز كل من الهادي نويرة ومحمد الصياح ضد القيادة النقابية.
ويضيف أن وزراء كانوا يدعون للحوار قد أُقيلوا، فيما عُيّن بن علي مديرًا عامًا للأمن الوطني في ديسمبر 1977، قبيل أسابيع من أحداث الخميس الأسود.
ويؤكد أنه في 26 يناير، سيطر بن علي على الوضع خلال ساعات، حيث تم قمع المظاهرات واعتقال القيادات النقابية، وتعرض العديد منهم للتعذيب.
وعن الاعتقالات والتعذيب في تلك الفترة، يروي النقابي بدر السماوي أنه بعد اعتقال أحد رفاقه، اضطر للاختفاء والانتقال إلى صفاقس حيث اختبأ في منزل، قبل أن يُعتقل لاحقًا.
ويضيف أنه كان من أوائل أعضاء قيادة التنظيم الذي تعرّض للاعتقال، وأنه خضع، مثل غيره، لأساليب التعذيب المعروفة في تلك الفترة، بما في ذلك ما كان يُسمّى “الدجاج المُصلي”، أي التعليق على كرسي مع التعرض للضرب والإهانات الجسدية والمعنوية.
أما محافظ الجراجي فيروي أن التعذيب الممنهج استمر ضده في وزارة الداخلية، حيث عُلّق وتعرّض للضرب والإهانات الجسدية والمعنوية، وهو ما زال يحمل آثاره حتى اليوم.
ويضيف للتلفزيون العربي أن “من كان معه في الزنزانة الشهيد الرفيق حمادي زلوز، الذي استشهد تحت التعذيب”، واصفًا إياه بأنه شاب يافع وزعيم طلابي حقيقي، في واحدة من أكثر اللحظات المأساوية التي بقيت عالقة في ذاكرة تلك الأحداث.
المحاكمات والحوار المشروط مع اتحاد الشغل
وعن واحدة من تبعات أحداث الخميس الأسود التي استهدفت قيادات الحركة النقابية، يروي السجين السابق بدر السماوي أنه في نهاية ديسمبر/ كانون الأول، نُقل مع رفاقه إلى السجن المدني في شارع 9 أفريل بتونس (الذي تم هدمه لاحقًا)، وبقوا هناك دون محاكمة.
ويضيف أنهم اضطرّوا إلى تنظيم إضرابات عن الطعام داخل السجن للمطالبة بالإسراع في محاكمتهم، قبل أن تُجرى المحاكمات أخيرًا في أغسطس/ آب 1979، حيث صدرت أحكام بالسجن تتراوح بين سنتين وثلاث سنوات.
العلاقة بين السلطة والاتحاد بعد الخميس الأسود
-
شهدت العلاقة مدًّا وجزرًا من 1987 حتى 2011، مما يعكس استمرار تأثير أحداث الخميس الأسود على المشهد النقابي والسياسي.
-
عند عودة زين العابدين بن علي إلى قيادة الأمن عام 1984، بدأ تخفيف قوة الاتحاد العام التونسي للشغل بالتوازي مع بورقيبة.
-
بعد توليه الحكم، افتتح حوارًا مشروطًا مع الاتحاد، مستبعدًا المتطرفين مثل الحبيب عاشور، لتصبح العلاقة مفاوضات دورية كل ثلاث سنوات حول زيادة الأجور مقابل الامتناع عن الإضرابات والمظاهرات.
وعن ذلك، يوضح الكاتب الصحفي كمال بن يونس أنه في تلك المحاكمات التي تلت أحداث الخميس الأسود، اتهمت المعارضة والصحافة السلطة بإجراء “محاكمات ظالمة”، وطالبت النيابة أحيانًا بتطبيق أقصى العقوبات على القيادات النقابية، ولا سيما أعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد والحبيب عاشور، الذي صدر ضده حكم بالسجن لمدة 10 سنوات.
ويقول السماوي إن العلاقة بين السلطة واتحاد الشغل شهدت مدًّا وجزرًا بعد أحداث الخميس الأسود، خصوصًا خلال الفترة الممتدة من 1987 حتى 2011، مما يعكس استمرار تأثير تلك الأحداث على المشهد النقابي والسياسي في تونس لعقود لاحقة.
ويلفت بن يونس أنه عند عودة زين العابدين بن علي إلى قيادة الأمن عام 1984، قبل توليه الحكم، بدأ تخفيف قوة الاتحاد العام التونسي للشغل بالتوازي مع بورقيبة.
ويضيف أنه بعد استلامه الحكم، افتتح حوارًا مشروطًا مع الاتحاد، مستبعدًا ما وصفهم بالمتطرفين، ومن بينهم الحبيب عاشور، لتصبح العلاقة مع الاتحاد مفاوضات دورية كل ثلاث سنوات حول زيادة الأجور مقابل الامتناع عن الإضرابات والمظاهرات أو أي تحركات تُعد معادية للسلطة.
ويشير إلى أن هذه الاستراتيجية نجحت مع بن علي لمدة 20 عامًا، ما أعطى السلطة قدرة على ضبط المشهد النقابي والسياسي.
تونس ما بعد الثورة
وبعد 14 يناير 2011 وسقوط نظام زين العابدين بن علي الذي حكم البلاد لأكثر من 23 عامًا، يشير الكاتب الصحفي كمال بن يونس إلى أنه بعد الثورة، عُقدت جلسات استماع لهيئة الحقيقة والكرامة، حيث قدّمت العديد من الشهادات التي وثّقت التعذيب والقتل والانتهاكات التي ارتكبت بحق النقابيين والمواطنين خلال فترات المواجهة مع السلطة، بما في ذلك أحداث الخميس الأسود.
وعن ذلك، يلفت النقابي والسجين السابق بدر السماوي إلى أنه قدّم شهادته إلى هيئة الحقيقة والكرامة للمشاركة في لجنة مكلفة بالبحث عن الحقيقة في أحداث يناير 1978، باعتباره ضحية ومسؤولًا سياسيًا في حركة النضال الوطني، التي ترى أنها أسهمت في عودة الاتحاد العام التونسي للشغل إلى وضعه الطبيعي بعد الضربة التي تعرّض لها في 1978.
ويخلص كمال بن يونس إلى أنّ الاتحاد العام التونسي للشغل لعب دورًا وطنيًا في مكافحة الاستعمار، واجتماعيًا في الدفاع عن حقوق العمال، لكنه كان دائمًا محط توجّس السلطة، ما يعكس استمرار العلاقة المعقدة بين الحركة النقابية والسلطة على مرّ التاريخ.
أما النقابي والسجين السابق محافظ الجراجي فيضيف: اليوم، بعد 25 جويلية، هناك فجوة وبرود كامل بين الاتحاد ورئيس الدولة، رغم أن الاتحاد فتح ذراعيه للحوار الوطني، إلا أن المشروع لم يُقبل، ما يعكس استمرار تحديات العلاقة بين الحركة النقابية والسلطة في تونس المعاصرة.
.jpg)