![]()

د. عمار حسن خميس
ما أصعب أن تعيش على ذكرى وطن، وعلى أماكن تتخيلها وتمر بذاكرتك. يبدو لي الوطن وحبّه شيئاً مقدساً، لا بد أن تحبه حتى وإن كان لك فيه من المرارات؛ فالوطن كالأم لا يكرهها ابنها، بل يجري إلى حضنها وهي توبخه أو حتى تعاقبه. الوطن لا يكره أبناءه ولا يفرّق بينهم، وللأوطان دين مستحق لا بد من الإيفاء به يوماً؛ ففيه تعلمنا كيف نقرأ، وكيف نصلي، وكيف نعبد الله، وكيف نوقر الصغير ونحترم الكبير، وكيف نكون اعزاء.
الوطن، إن خدمته أو لم تخدمه، عاهد نفسه أن يوفر لك الحياة الكريمة مهما كنت ومهما كانت ظروفك. كثير من السودانيين الآن شعروا بقيمة أن يكون لك وطن. من خرج بعد الحرب وظن أنه سلم دون وطنه فهو في وهم كبير. لاحظ لنفسك مع من تتعامل وأنت في دور الهجرة، دوماً تركن لبني جلدتك وخاصتك من الناس. نسمع ونشاهد يومياُ المعاناة والآلام التي يعيشها السوداني خارج الوطن. مشكورة تلك الدول التي آوتنا وآوت أهلنا، ولكن الأمر ليس مشكلة ضيافة، بل هو أمر وطن.
إذا نظرنا لمعدل الوفيات بين السودان وأرض المهجر نجد أن عدد الوفيات مضطرد الزيادة في دور المهجر أكثر منه في السودان، رغم المسغبة وضيق العيش وأحوال الوطن غير المستقرة. وما ذلك إلا نتيجة هبوط الحالة النفسية وكسر النفس، مما يعجّل بتدهور الحالة النفسية ثم العضوية. نعم، الإنسان يحميه من الموت أجله، ولكن للموت آجال، وكلها من تخطيط الله.
أهلي في المهجر، وهنا لفظ عموم للسودانيين، اصبروا. وأعرف أنها دعوة قد يجد بعضهم ما يلومني عليها، لكنها وصية الله لكل المرسلين؛ فما من نبي مرسل إلا سأله الله أن يصبر. ودوما أقول: الحل في الرجوع إلى أرض الوطن إذا توفر الأمن، وهو مناط الناس أن يؤمّنوا حياتهم. فراغ السودان من أهله لن يوفر الأمن؛ لا بد أن يكون الناس شركاء في توفيره.
والأمن ليس كله سلامة الروح والجسد، بل هو أيضاً توفير سبل الحياة: أمنٌ في السعي لإحياء الأرض، أمنٌ في إنشاء الزرع والضرع، أمنٌ في تسيير دفة الحياة، أمنٌ في التعليم، أمنٌ في إصلاح الأرض البور، أمنٌ في دَبّ الحياة في الشوارع والأسواق، أمنٌ في فتح البيوت والتفاعل مع الجيران. والأمن لن يكون إلا بسعي الناس في شؤون حياتهم اليومية.
الأمن ليس مسؤولية نرمي بها في أعناق الحكومات فقط، بل يجب أن نشاركهم في نشره والتعاون معهم. لا تفسير ولا معنى لأناس ينهضون من النوم ثم ينامون مرة أخرى دون طائل أو عمل، إلا أنهم يظنون أنهم أكثر أمانًا، وينتظرون أن يُقال لهم: “وطنكم آمن فارجعوا إليه آمنين”. لا تكونوا كالذين قالوا لسيدنا موسى: “لن ندخلها حتى يخرجوا منها”، فكانت النتيجة أن حُرمت عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض.
ولا تجدوا لأنفسكم العذر المهلك بقولكم إنكم مبسوطون من هذه الحالة المخدّرة بعذر أنكم الآن مستضعفون أنتم ونساؤكم وأولادكم؛ فذلك مدعاة لعقاب وخيم. شاركوا وتفاعلوا مع ما بدأ ولاح في الأفق من العودة إلى تعمير دوركم، وعلّموا أولادكم، وعلّموا أنفسكم، وعودوا وعاهدوا الله ثم الوطن ألا تتثاقلوا إلى الأرض وأنتم لا دور لكم إلا الانتظار.
من كان منكم في سعي وحفنة من الرزق فلا غبار عليه، عسى الله أن يبارك له فيه. ولكن من كان متثاقلًا فقط بحجة هذا الأمن الخَدِر المنزوع الكرامة والسعي والدور الإيجابي، فهو في كرب عظيم قد لا يشعر به الآن، ولكن من الأفضل أن يفكر ويقدّر ويحسِب مآل هذا التكاسل والخذلان.
ارجعوا إلى الوطن وشاركوا فيما هو خير لكم وله. أنا لا آمر أحداً، ولكن أنصح أن ينظر المرء في حاله وما يعيشه من قلة الشأن وقلة الدور الإيجابي في هذه الحياة القصيرة. حب الوطن لن يزول بمسغبة حلت عليه و على الناس، ولن تكون نهايتنا هكذا. وهنا أعود وأقول ما قاله شاعرنا الفذ حسين بازرعة:
لا وحبك لم تكن أبداً نهاية
اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.