![]()
يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران (1934- 2023)، الذي كان مديرًا لجهاز المخابرات الأردني خلال أحداث عام 1970، أن فصيلًا فلسطينيًا اختطف أحد أبرز رجالاته آنذاك، أحمد عبيدات، الذي كان الرجل الثالث في الجهاز، قبل أن يُفرج عنه خلال تلك الأحداث التي تحوّلت إلى اشتباكات دامية وغير مسبوقة بين الجيش الأردني وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية.
كان عبيدات، ضابط المخابرات الشاب آنذاك، طويل القامة، بملامح هادئة وبشرة وجهٍ ضاربة إلى البياض. كان يقطن في أحد جبال عمّان الشرقية (جبل التاج)، قبل أن تختطفه “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين“، وتتحفّظ عليه في مكانٍ سري داخل مخيم الوحدات، على طرف العاصمة عمّان.
ورغم أن عبيدات، الذي أصبح مديرًا لجهاز المخابرات وهو في السادسة والثلاثين من عمره فقط، ورئيسًا للوزراء لاحقًا، تخلّى عن شخصيته المتحفّظة والمتكتّمة بعدما ترك وظائفه الحكومية وصار مادة مغرية لوسائل الإعلام، فإنه تجنّب تمامًا أي حديثٍ علني عن تجربة اختطافه تلك.
أحمد عبيدات.. المعارضة من داخل السلطة
شكّل عبيدات الحكومة الأردنية الـ73 في عهد العاهل الأردني الراحل الملك حسين، في الفترة ما بين يناير/ كانون الثاني 1984 وأبريل/ نيسان 1985.
وبعد فترةٍ لم تطل كثيرًا من الصمت أعقبت خروجه من الحكومة، عاد عبيدات إلى المشهد السياسي من باب المعارضة، ولا سيما بعد توقيع معاهدة وادي عربة للسلام بين بلاده وإسرائيل عام 1994؛ إذ كان من الشخصيات الرسمية النادرة التي أعلنت رفضها لها.
ولم يكتفِ عبيدات، الذي ينتمي إلى إحدى عشائر شمالي الأردن، بذلك؛ بل حمل أيضًا لواء المعارضة الداخلية، وأصبح من أبرز دعاة الإصلاح وإطلاق الحريات في البلاد.
ولمراقبٍ خارجي يطالع سيرة عبيدات للمرة الأولى، من دون التمعّن في تفاصيل مواقفه وتحوّلاته، قد يبدو الرجل واحدًا من أركان النظام وأبنائه المخلصين، وقد يتراءى له أنّ معارضته ليست سوى تعبيرٍ عن حرصه على بقائه واستمراره.
لكن مسيرة الرجل أثبتت، لدى كثيرين، انسجامًا لافتًا بين مواقفه في الموالاة والمعارضة، ما أكسبه احترامًا واسعًا في بلاده: من السلطات التي ينتقدها، ومن المعارضة التي كثيرًا ما تبنّت مواقفه ودافعت عنها.
وكثيرًا ما شارك الرجل الثمانيني، بملامحه الهادئة وأناقته اللافتة، في مسيرات شعبية داعية إلى الإصلاح، أو مطالِبة بالإفراج عن معتقلين، أو متضامنة مع قطاع غزة كلما تعرّض لعدوان إسرائيلي.
أحمد عبيدات.. سيرة في سطور
- ولد أحمد عبيدات عام 1938 في قرية “حرثا” بمحافظة إربد شمالي الأردن.
- حصل على البكالوريوس في القانون من جامعة بغداد، وعمل قبل ذلك مدرسًا في إحدى المدارس الحكومية ما بين عامي 1956 و1957.
- التحق عبيدات عقب تخرّجه بمديرية الأمن العام الأردني بين عامي 1961 و1964، قبل أن يلتحق بجهاز المخابرات سنة 1964.
- بعد نحو عشر سنوات في جهاز المخابرات، أصبح مديرًا له حتى عام 1982.
- في عام 1982 أصبح وزيرًا للداخلية، قبل أن يتولى رئاسة الوزراء عام 1984 حتى 1985.
عندما اختطفت “الجبهة الشعبية” عبيدات
خلال عمله في جهاز المخابرات، تعرّض عبيدات للاختطاف، كما يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران في كتابه “القرار”. وكان بدران في تلك الفترة رئيسًا للجهاز بين عامي 1968 و1970.
يقول بدران:
كان عبيدات يسكن في جبل التاج، وكانت منطقة سكنه تعج بالفدائيين. سمعت بخبر اختطافه فصُعقت، فقد كان ضابطًا مهمًا في دائرة المخابرات، وكان الرجل الثالث في الجهاز، بعد مساعد مدير المخابرات أديب طهبوب.
بعد التحريات، عرفنا أن الجبهة الشعبية هي من اختطفته، واستطعنا تحديد مكان وجوده في مخيم الوحدات. مباشرةً، ذهبت إلى قيادة الجيش، وكان مشهور حديثة قائدًا للجيش، وقلت له إن الفدائيين يختطفون أحد ضباطي، وأنه بالنسبة لي أهم من مشهور نفسه، وأنتم كجيش مسؤولون عن تأمين عودته وبالسرعة الممكنة.
عدت إلى مكتبي ولم أعد أحتمل، فقد انهارت أعصابي فعلًا، لأن الأمر كان بالنسبة لي جريمة كبرى. اتصلت بسرية الحراسات وطلبت منها تجهيز ست سيارات من الدائرة، في كل منها أربعة عناصر مسلحة، وقلت لهم: وظيفتنا تحرير أحمد عبيدات، وسأكون في مقدمة المهمة.
أبلغني قائد السرية بأن ليس من اختصاصي الخروج معهم في مثل هذه العمليات، وأن قائد العملية فقط يجب أن يكون فيها، وليس مدير المخابرات. وذهب ليبلغ نذير رشيد بالأمر، فجاءني مسرعًا وقال إنه سيقود العملية لأنه عسكري أصلًا، وأنا لم أخدم في الجيش كمقاتل، وأنه لا يقبل بأن يكون مدير المخابرات قائدًا لعملية ميدانية؛ ففي الأمر إساءة لكوادر الدائرة.
تجادلت أنا ونذير رشيد، ولم أوافق على طرحه، ثم قطع حديثنا اتصال من قيادة الجيش، وكان مشهور حديثة الجازي على الهاتف، يبلغني بأنه تم إطلاق سراح عبيدات، وأنه عرف بنيتي الخروج إلى الوحدات، وأنني بفعلتي تلك كنت سأتسبّب بمعركة كبيرة، لا أحد يستطيع تقدير نتائجها الوخيمة.
عبيدات يعترض على لقاء مبارك-بيريز
بعد تجربته مع الاختطاف وتدرّجه في العمل الأمني وتوليه منصبي وزارة الداخلية ورئاسة الوزراء، عيّنه العاهل الأردني الراحل الملك حسين، عام 1985، عضوًا في مجلس الأعيان.
ويمثّل الأخير إحدى غرفتي مجلس الأمة الأردني، إلى جانب مجلس النواب الذي يُنتخب أعضاؤه، على خلاف مجلس الأعيان الذي يعيّن الملك أعضاءه، وعددهم نصف عدد النواب.
لكنّ المقام لم يطل طويلًا بعبيدات في مجلس الأعيان، الذي يوصف في الأردن بـ”مجلس الملك”، ويضم كبار المسؤولين السابقين في السلطة التنفيذية والجيش والأجهزة الأمنية، إضافة إلى شخصيات عشائرية وأخرى بارزة في مجالاتها.
ففي عام 1986 وجّه عبيدات، وشخصيات أردنية أخرى، رسالة إلى الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، يحتجون فيها على قمة عقدها مع رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز في مدينة الإسكندرية الساحلية. فما كان من الملك حسين إلا أن طلب منه الاستقالة من مجلس الأعيان.
لكن العاهل الأردني الراحل، الذي عُرف بحلمه مع معارضيه وقدرته الكبيرة على استيعابهم داخل نظامه، سرعان ما أعاد عبيدات إلى مجلس الأعيان بعد إقالته بنحو عامين.
وظل عبيدات عضوًا فيه من عام 1988 إلى عام 1994، حين طُلب منه الاستقالة مجددًا بعد اعتراضه على توقيع معاهدة السلام الأردنية–الإسرائيلية (اتفاقية وادي عربة) في العام نفسه.
لماذا عارض عبيدات “وادي عربة”؟
- السبب الأول: اعتقاده أن الوفد الأردني المفاوض فرّط بحقوق بلاده المائية، إذ قال: “الإسرائيليون أخذوا بموجب الاتفاقية حصة الأردن من مياه الشتاء، بحيث يقومون بتخزينها عندهم مقابل إعطاء الأردن مياهًا مكررة من موقع الدياجنة”.
- السبب الثاني: ما وصفه بتفريطٍ بالسيادة على القدس والمقدسات، والاكتفاء بالوصاية التي لا تمنع “الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى وغيره في القدس“.
- السبب الثالث: ملف اللاجئين؛ إذ شدّد على أن التمسك بحق العودة من ثوابت السياسة الأردنية، لكنه عولج من الناحية الإنسانية فقط في الاتفاقية، بما يعني توطينهم.
المزيد عن أسباب رفضه لاتفاقية وادي عربة في الحلقة المرفقة من “وفي رواية أخرى“:
من مجلس الأعيان إلى المركز الوطني لحقوق الإنسان
يكشف عبيدات أنه بعد معارضته للاتفاقية ألقى محاضرة في الجامعة الأردنية ضد المعاهدة، فجاءه طلب لمقابلة الأمير حسن، شقيق العاهل الأردني الراحل وولي عهده آنذاك.
وعندما قابله، بحضور رئيس مجلس الأعيان أحمد اللوزي، أبلغه أنه مكلّف بطلب استقالته من الأعيان لموقفه المعارض للاتفاقية، التي وافقت عليها جميع مؤسسات الدولة، ما يجعل من الصعب بقاء أحد في المجلس وهو ضدها.
وأوضح عبيدات أنه ردّ بأن موقفه سيبقى كما هو، قائلًا:
“اللوزي طلب أن أقدم استقالتي بسرعة، فقدمتها وصدرت الإرادة الملكية في اليوم نفسه بإعفائي من مجلس الأعيان، وقُبلت استقالتي”.
بعد وفاة الملك حسين وتسلّم الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية، عُهد إلى عبيدات عام 2003 بإنشاء المركز الوطني لحقوق الإنسان، وترأس مجلس أمنائه لعدة سنوات قبل أن يُطلب منه الاستقالة عام 2009، بعد إصدار بيان وقّعته شخصيات سياسية أخرى تضمن انتقادات مباشرة للحكومة وأسلوب إدارة الدولة.
وكان المركز أصدر خلال ترؤس عبيدات مجلس أمنائه عدة تقارير جريئة انتقدت أداء المؤسسات الرسمية، منها تقرير اعتبر أن الانتخابات النيابية التي أُجريت عام 2007 قد شابها التزوير.
تحالف مع الإسلاميين في “جبهة الإصلاح”
شهد ذلك العام انطلاق ما سميت ثورات الربيع العربي، التي هبّت رياحها على الأردن أيضًا، ما يفسّر سعي عبيدات ومطالباته بإصلاح النظام لتجنيب بلاده مصيرًا مشابهًا لبعض دول المنطقة.
وفي مايو/ أيار من العام نفسه، أعلن عبيدات إنشاء “الجبهة الوطنية للإصلاح“، التي ضمت حزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسية للإخوان المسلمين آنذاك، إضافة إلى ممثلين للنقابات المهنية وأحزاب معارضة وحركات شبابية وشخصيات سياسية مستقلة.
وقال إن الإصلاح يهدف إلى ضمان “استمرار الشرعية الدستورية للحكم في المملكة الأردنية الهاشمية، والحفاظ على استقرار وطننا وكرامة شعبنا وسلامة نسيجه الوطني“.
وحدّد عبيدات ما يشبه خريطة طريق تتضمن عدة إجراءات للحفاظ على النظام والاستقرار في البلاد، منها:
-
إجراء إصلاح دستوري يقوم على أن الشعب مصدر السلطات في الدولة، وتأكيد إرادة الشعب الأردني الحرة في اختيار ممثليه وفق نظام انتخابي يضمن قيام سلطة تشريعية فاعلة، من خلال قانون انتخاب ديمقراطي عادل ونزيه يعزز الوحدة الوطنية.
-
وضع إستراتيجية متكاملة لمحاربة الفساد والحد من استشرائه في الحياة السياسية والبنى الاقتصادية والاجتماعية والإدارية للدولة، وإصلاح المؤسسة الأمنية بجميع أجهزتها بما يضمن التزامها بالمهمات والواجبات التي حددتها قوانينها، والمتمثلة في حماية أمن الوطن والمواطن.
-
الاعتراف بالمعارضة السياسية باعتبارها جزءًا من النسيج السياسي للدولة والمجتمع، وشريكًا أصيلًا في صناعة القرار، وعاملًا مهمًا من عوامل استقرار الحياة السياسية.
وتزامنت مطالبات عبيدات هذه مع احتجاجات شعبية بدأت منذ يناير/ كانون الثاني 2011، دعت إلى إصلاحات اقتصادية وسياسية ومكافحة الفساد، كما طالبت بوضع قانون انتخاب جديد وإجراء انتخابات مبكرة، وتعديلات دستورية تسمح للغالبية النيابية بتشكيل الحكومة بدلًا من أن يعيّن الملك رئيس الوزراء.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2011 شارك أكثر من ثلاثة آلاف شخص في أول مظاهرة نظمتها “الجبهة الوطنية للإصلاح“، وخاطب عبيدات المتظاهرين قائلًا:
نريد إصلاحًا يكشف بؤر الفساد ويعيد للخزينة الأموال التي نُهبت. نريد إصلاحًا يحرّرنا من سيطرة السماسرة والشركات الأجنبية. نريد دولة قانون ومؤسسات، دولةً لجميع مواطنيها، وإصلاحًا يقطع دابر الفساد ويسترد ما سُرق من موارد الخزينة ويعيد للدولة هيبتها.
لكن ذلك لم يمر دون رد فعل ممن توصف في الأردن بـ”قوى الشد العكسي“. فبعد أيام من تلك المسيرة وكلمة عبيدات فيها، تعرّض مشاركون في مؤتمر يدعو للإصلاح، نظمه أفراد من عشائر قبيلتي بني صخر وبني حسن في بلدة “سلحوب” (شمالي عمّان)، لإلقاء حجارة وإطلاق أعيرة نارية من قبل مجهولين، ما أدى إلى إصابة بعض المشاركين.
وكان من بين الحضور أحمد عبيدات وزكي بني إرشيد، رئيس المكتب السياسي لحزب جبهة العمل الإسلامي، اللذان جرى إخلاؤهما من المكان.
معارضة لا قطيعة مع النظام
لم يكن ذلك الهجوم الأخير من نوعه في حينه، لكنه حدث بالتوازي مع مساعٍ حكومية للالتقاء مع المعارضة في منطقة وسطى. فقد التقى رئيس الوزراء عون الخصاونة وفدًا من “الجبهة الوطنية للإصلاح” ضم عبيدات وقادة في حزب جبهة العمل الإسلامي.
ونُقل عن وزير الدولة لشؤون الإعلام راكان المجالي، الذي حضر اللقاء، قوله إن الهدف هو “توحيد الجهود، وتكاتف الحكومة مع جميع القوى والفعاليات الشعبية للخروج من عنق الزجاجة“.
غير أن تعديلًا أقره مجلس النواب الأردني في يوليو/ تموز 2012 فاقم الأزمة بدلًا من إخراجها من عنق الزجاجة، ولا سيما أن التعديل لم يحظَ برضا المعارضة التي رأت أنه “لا يصلح كبداية لإصلاح حقيقي“.
إثر ذلك، دعت “الجبهة الوطنية للإصلاح” بقيادة عبيدات “جميع أبناء الشعب الأردني إلى مقاطعة الانتخابات ترشيحًا وانتخابًا“، مؤكدة رفضها قانون الانتخاب “كونه يشكل عقبة حقيقية أمام مسيرة الإصلاح برمتها”.
وفي يناير/ كانون الثاني 2013، أُجريت الانتخابات النيابية وفق ذلك القانون، وفاز موالون للدولة بمعظم مقاعد مجلس النواب الـ150، بينما قاطعتها الحركة الإسلامية و”الجبهة الوطنية للإصلاح”.
ومنذ ذلك الوقت، واصل عبيدات انتقاداته للسياسات الحكومية ولإدارة الدولة، لكن من دون أن يقطع مع النظام الذي كان أحد أركانه. ويرى كثيرون من مناصريه أن “الباشا”، وهو لقب يُطلق في الأردن على مديري جهاز المخابرات وكبار ضباط الجيش والأجهزة الأمنية، تحوّل إلى رمز للمسؤول النزيه، المستعد لخسارة امتيازاتٍ عدة بسبب آرائه وحرصه على استقرار بلاده.
وفي مقابلة مع التلفزيون العربي ضمن برنامج “وفي رواية أخرى”، تحدث عبيدات مطولًا عن تجربته السياسية، مشيرًا في نهايات المقابلة إلى أنه يتقاضى راتبًا تقاعديًا لا يتجاوز ألفي دينار أردني (نحو 3 آلاف دولار)، ما اضطره للعمل في المحاماة لتأمين دخل مناسب له ولأسرته.
أحمد عبيدات و”شعرة معاوية”
