![]()
في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، شهدت الدنمارك حدثًا سياسيًا لافتًا تمثّل في خسارة حزب الاشتراكيين الديمقراطيين، الذي يقود الحكومة منذ سنوات، انتخابات بلدية العاصمة كوبنهاغن لمصلحة تحالف اليسار الأحمر والأخضر الأكثر راديكالية.[1] لم تُقرأ هذه الخسارة، التي حصلت في المدينة الأكثر تنوّعًا وليبرالية في البلاد، بوصفها تبدّلًا محليًا في المزاج الانتخابي فحسب، بل باعتبارها رسالة سياسية أوسع تتجاوز حدود البلدية.
سرعان ما رُبطت هذه النتيجة بمجموعة من السياسات التي انتهجتها الحكومة خلال الأعوام الماضية، وفي مقدّمتها سياسات اللجوء والهجرة المشدّدة، التي باتت تُعرَف عالميًا بـ”النموذج الدنماركي“. وقد جاءت هذه الخسارة في توقيت بالغ الدلالة، تزامنًا مع موجة اهتمام دولي متصاعدة بهذا النموذج، خصوصًا بعدما أعلنت حكومات، من بينها حكومة المملكة المتحدة، رغبتها في استنساخه أو البناء عليه.
المفارقة أن هذا النموذج، الذي يُعدّ من بين الأكثر تشددًا في أوروبا، لم يكن نتاج صعود اليمين المتطرف وحده، بل تبلور إلى حد كبير عبر خيارات أحزاب يسارية وسطية لطالما قدّمت نفسها بوصفها حامية لدولة الرفاه والقيم الليبرالية.
ما هو “النموذج الدنماركي” في اللجوء؟
يُستخدم مصطلح “النموذج الدنماركي” للدلالة على مجموعة من السياسات والتشريعات التي اعتمدتها الدنمارك خلال السنوات الماضية بهدف تقليل عدد طالبي اللجوء والمهاجرين، وجعل البلاد أقل جاذبية مقارنةً بدول أوروبية أخرى. ويقوم هذا النموذج على منطق الردع، عبر تقليص فرص الاستقرار طويل الأمد وربط الإقامة بشروط أكثر صرامة وقابلة للمراجعة.
ولفهم السياق الذي أتاح ترسيخ هذا النهج، لا بد من العودة إلى المسار الطويل للهجرة في البلاد. فقد بدأت الهجرة بالازدياد بعد الحرب العالمية الثانية، ثم تسارعت بوتيرة أكبر في العقود الأخيرة. وبحسب معهد سياسات الهجرة (Migration Policy Institute)، ارتفعت نسبة المقيمين في الدنمارك من المهاجرين أو من أبناء مهاجرين (لديهم والدان مهاجران) أكثر من خمسة أضعاف منذ عام 1985.
من أزمة 2015 إلى سياسات “صفر لجوء”
وشكّلت أزمة اللجوء الأوروبية عام 2015 محطة مفصلية، حين وصل إلى أوروبا أكثر من مليون مهاجر، توجّه معظمهم إلى دول الشمال الغنية، ما أدخل الملف في قلب النقاش السياسي، وفتح الباب أمام إجراءات أكثر تشددًا، من بينها تشريع دنماركي يسمح بمصادرة بعض مقتنيات طالبي اللجوء الثمينة بذريعة المساهمة في تغطية تكاليف إقامتهم[3] .
سياسيًا، كان حزب الشعب الدنماركي اليميني المعادي للهجرة قد أصبح بحلول 2015 ثاني أكبر قوة في البرلمان، ما دفع الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بقيادة رئيسة الحكومة الحالية ميته فريدريكسن، إلى قطيعة علنية مع إرثه السابق الأكثر انفتاحًا على الهجرة. ومع صعود فريدريكسن داخل الحزب، تبنّى الاشتراكيون الديمقراطيون مواقف أكثر صرامة في ملف اللجوء، مع تبرير يركّز على “التماسك الاجتماعي” وحماية دولة الرفاه، والقول إن الفئات الأفقر من الدنماركيين هي الأكثر تضررًا من تداعيات الهجرة غير المضبوطة.
ورأى منتقدو فريدريكسن أن هذا التحوّل كان مناورة سياسية للبقاء في السلطة، لكن النتيجة كانت واضحة عبر انتهاج مقاربة متشددة ترسّخت تدريجيًا داخل التيار السائد. وتولّت فريدريكسن رئاسة الحكومة منذ عام 2019، بينما تراجع نفوذ حزب الشعب الدنماركي بشكل ملحوظ وصولًا إلى اكتفائه بمقعد واحد في انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة.[4]
وفي موازاة التشريعات، اعتبر محللون أن الدنمارك سعت إلى جذب الانتباه الإعلامي بقدر ما كانت تسعى إلى إحداث تغيير فعلي، عبر إجراءات ورسائل تهدف إلى خلق بيئة معادية للمهاجرين. وقد تجلّى ذلك في حملات إعلامية خارج البلاد، من بينها إعلانات في صحف لبنانية تحذّر من تشدد السياسات، ضمن مسعى معلن لـ”تقليل الحوافز” والوصول إلى سياسة “صفر لجوء“.[5]
وبدا أن النهج الدنماركي قد نجح بالفعل، إذ لم تشهد البلاد في السنوات الأخيرة الضغوط الحادة المرتبطة بالهجرة التي عرفتها دول مجاورة مثل ألمانيا والسويد وبلجيكا. ففي عام 2015، تقدّم نحو 21 ألف شخص بطلب لجوء في الدنمارك، معظمهم من سوريا وإريتريا. وقد انخفض هذا الرقم إلى قرابة 2000 طلب في العام الماضي.
بالأرقام
- 2015: نحو 21 ألف طلب لجوء
- 2024/2025: قرابة 2000 طلب
- 2018: اعتماد قانون “الغيتو/المجتمعات الموازية”
- 40%: سقف تقليص السكن الاجتماعي في المناطق المستهدفة
قانون “الغيتو” التمييزي
مع مرور الوقت، امتدّ منطق الردع نفسه إلى سياسات الاندماج داخل البلاد، حيث أصبح يُنظَر إلى الهجرة بوصفها عاملًا يُعاد تنظيم الفضاءات الحضرية والاجتماعية على أساسه.
وفي هذا السياق، أصدرت محكمة العدل الأوروبية في ديسمبر/ كانون الأول 2025 حكمًا تمهيديًا اعتبرت فيه أن أحد أعمدة السياسة الدنماركية في مجال “الاندماج”، المعروف سابقًا بـ”قانون الغيتو” ولاحقًا بـ”قانون المجتمعات الموازية“، قد يكون مخالفًا لقانون الاتحاد الأوروبي المتعلّق بالمساواة العرقية.
ورأت المحكمة أن هذه الإجراءات قد تؤدّي عمليًا إلى معاملة أقل تفضيلًا لسكان هذه المناطق على أساس الأصل العرقي، حتى وإن صيغ القانون بعبارات “محايدة”.[7]
وقد رحّبت منظمة العفو الدولية بهذا القرار، مبديةً استغرابها من أن “يكون السياسيون الدنماركيون قد تجاهلوا لفترة طويلة التحذيرات من الطابع التمييزي لقانون الغيتو، في حين هُجّر السكان في المناطق الخاضعة لهذا القانون قسرًا وهُدمت مجمّعات سكنية“. وشددت على ضرورة “تعديل هذا القانون بحيث لا يعود ينطوي على تمييز“.[8]
من استثناء إلى مرجع أوروبي
بريطانيا
في بريطانيا، أثارت حكومة حزب العمال، المنتمية إلى يسار الوسط، جدلًا واسعًا بعدما أعلنت في نوفمبر 2025 قواعد جديدة صارمة لطالبي اللجوء، تشمل إنهاء ما يُعرَف بـ”التذكرة الذهبية” التي كانت تتيح لطالبي اللجوء الحصول على إقامة دائمة خلال فترة قصيرة، واستبدالها بنظام يجعل الإقامة الدائمة أصعب، إذ رُفعت المدة المطلوبة للتقدّم بطلبها من خمس سنوات إلى نحو عشرين سنة، مع ربط تقليص هذه المدة بالعمل أو الدراسة.
كما قررت الحكومة تقليص المساعدات الاجتماعية المقدّمة لطالبي اللجوء، بما في ذلك السكن والإعانات المالية، خاصةً لمن يُعدّ قادرًا على العمل، إلى جانب خفض مستوى الحماية الممنوحة للاجئين وتعزيز سياسات الإعادة إلى بلدانهم الأصلية فور اعتبارها “آمنة”.
وتتضمن الإجراءات أيضًا توجهًا لإعادة تفسير بعض بنود الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، خصوصًا تلك المتعلقة بلمّ الشمل، بما يسهّل تنفيذ قرارات الترحيل، في مقاربة قالت الحكومة إنها تهدف إلى تقليص “عوامل الجذب” وردع الهجرة غير النظامية.[9]
ألمانيا
لا تُعدّ بريطانيا الحالة الوحيدة. ففي ألمانيا، شدد المستشار فريدريش ميرتس نبرة بلاده تجاه الهجرة غير النظامية، متعهدًا بتكثيف عمليات الإعادة على الحدود وتشديد سياسات اللجوء، في سياق مواجهة تنامي شعبية أحزاب اليمين المتطرف. وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيسة الحكومة الدنماركية في يونيو/ حزيران 2025، وصف ميرتس الدنمارك بأنها “نموذج يُحتذى به” في سياسات الهجرة، مشيرًا إلى أن حكومته سعت مرارًا إلى الاستفادة من خبرة الدنمارك في هذا المجال، مع تأكيد ضرورة عدم “إرهاق قدرة المجتمع على القبول والاندماج”.[10]
وقد تُرجم هذا التحوّل الألماني في سياسات الهجرة (Migrationswende) بسلسلة من الإجراءات، من بينها تشديد الرقابة على الحدود، وتسريع البتّ في طلبات اللجوء، وتوسيع قائمة “الدول الآمنة” بما يسهّل الرفض والترحيل، وتعزيز سياسات العودة لطالبي اللجوء المرفوضين. كما برز ميل متزايد إلى تفضيل الحماية المؤقتة على الإقامة الدائمة، وربط الاستقرار طويل الأمد بشروط أكثر صرامة تتعلّق بالاندماج.[11]
السويد
أما في شمال أوروبا، فقد امتدّ تأثير السياسات الدنماركية إلى دول مجاورة مثل السويد، حيث برز اهتمام متزايد بالنموذج الدنماركي في النقاشات الرسمية. ففي الاجتماع السنوي لوزراء الهجرة في دول الشمال الأوروبي في أغسطس/ آب 2024، تركزت المداولات على تعزيز التعاون في مجالات إعادة الإدماج وتشجيع العودة وتشديد الرقابة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.[12]
وتعمل السويد على رفع المنح النقدية لتشجيع المهاجرين على العودة إلى بلدانهم، إذ سترتفع مدفوعات “العودة” إلى 350 ألف كرونة سويدية (نحو 37 ألف دولار)، بالتوازي مع خطط لتشديد شروط الحصول على الجنسية عبر إضافة متطلبات لغوية وفترات إقامة أطول، فضلًا عن دراسة إمكانية سحب جوازات السفر السويدية من مزدوجي الجنسية المدانين بجرائم خطيرة.[13]
إشارة تحذير سياسية
في حين حقق النهج المتشدد في ملف الهجرة مكاسب سياسية واضحة للحزب الحاكم، إذ احتفظت رئيسته ميته فريدريكسن بالسلطة في وقت صعدت فيه أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا على خلفية المخاوف من الهجرة، أثارت الانتخابات البلدية الأخيرة تساؤلات عمّا إذا كانت هذه المكاسب السياسية ستستمر عندما يواجه الحزب الاشتراكي الديمقراطي انتخابات وطنية.
فقد مُني حزب فريدريكسن بهزيمة لافتة خسر فيها السيطرة على كوبنهاغن للمرة الأولى منذ أكثر من مئة عام، مع تحوّل الناخبين أكثر نحو اليسار.[14]
هل يخسر يسار الوسط قاعدته التقدمية؟
وبحسب تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز“، قال بعض الناخبين إنهم وجدوا سياسات الحكومة في الهجرة قاسية وعنصرية، في حين أثار منتقدون مخاوف من أن السياسات المصممة لجعل المهاجرين غير النظاميين يشعرون بعدم الترحيب قد انعكست أيضًا على شعور المهاجرين النظاميين. كما أدت تخفيضات الإعانات لطالبي اللجوء إلى زيادة أعداد اللاجئين الذين يعيشون في فقر، ما ساهم في ارتفاع معدلات الجريمة وتراجع النتائج التعليمية. ويقول خبراء إن هذه السياسات تخلق توترًا بين هدفين متعارضين: ردع المهاجرين عن القدوم ودمج من هم موجودون بالفعل.[15]
وفي هذا السياق، تبرز قراءة نقدية ترى في خسارة الاشتراكيين الديمقراطيين بلدية كوبنهاغن مؤشرًا على حدود “النموذج الدنماركي” سياسيًا، باعتبار أن تشديد سياسات الهجرة واللجوء، الذي تبنّته أحزاب يسار الوسط في الدنمارك خلال العقد الأخير، لم يؤدّ إلى استقطاب قواعد اليمين المتطرف بقدر ما ساهم في إضعاف العلاقة مع الناخبين التقدميين، خاصةً في المدن الكبرى المتعددة ثقافيًا.
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن تقليد خطاب اليمين المتطرف أو تبنّي بعض سياساته، ولو تحت عناوين “حماية دولة الرفاه” أو “الحفاظ على التماسك الاجتماعي“، لم يمنع استمرار حضور قوى يمينية متشددة في المشهد السياسي، بل تزامن مع صعود أحزاب خضر ويسارية بديلة استقطبت شرائح شبابية وحضرية كانت تقليديًا ضمن القاعدة الانتخابية للاشتراكيين الديمقراطيين.[16]
المراجع
