إمبراطورية عابرة للقارات.. التوسع الأميركي بين الصفقات وميادين القتال

إمبراطورية عابرة للقارات.. التوسع الأميركي بين الصفقات وميادين القتال

Loading

حين تتحوّل الخرائط إلى “بنود تفاوض”، يصبح تاريخ التوسع الأميركي مفتاحًا لفهم حاضرٍ يعود فيه منطق الصفقة إلى الواجهة.

لم تكن ولادة الولايات المتحدة الأميركية مجرد حادثة تاريخية على ضفاف الأطلسي، بل كانت انطلاقة لمسار جغرافي وسياسي غيّر وجه الخريطة العالمية. فهذه الدولة التي بدأت شريطًا ضيقًا يضم 13 مستعمرة بريطانية تكافح من أجل البقاء، تحوّلت تدريجيًا إلى قوة قارية تمتد بين محيطين، قبل أن تصبح بمثابة إمبراطورية تسيطر على أراضٍ وأقاليم نائية في أقاصي البحار.

لم يتشكّل هذا الاتساع بضربة واحدة، بل عبر مزيج متواصل من الدبلوماسية المالية، والصفقات العقارية، والمعاهدات، والحروب، وعقلية توسعية صيغت لاحقًا تحت مفهوم “القدر المحتوم”.

اليوم، يعود هذا المنطق إلى الواجهة بصيغة أكثر حدّة وبراغماتية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي أطلق في ولايته الثانية تصريحات وإشارات عن استعادة نفوذ أميركي مباشر في نقاط حساسة، من قناة بنما إلى غرينلاند، وصولًا إلى حديث متكرر عن كندا بوصفها “ولاية” محتملة، ما فتح سجالات دبلوماسية وتوترات مع حلفاء تقليديين.

بكلام آخر، ليست حكاية التوسع الأميركي قصة “ماضٍ بعيد” فقط؛
إنها تاريخ يطلّ على الحاضر، ويكشف كيف ارتبط تمدد الجغرافيا الأميركية منذ بداياته بعقلية ترى العالم ساحة مصالح قابلة للتفاوض.. أو للاقتطاع بالقوة حين تفشل الصفقات.

من تنافس الإمبراطوريات إلى “المستعمرات” الـ13


مع بدايات القرن السابع عشر، تنافست ثلاث قوى أوروبية كبرى (فرنسا وإسبانيا وبريطانيا) على السيادة في أميركا الشمالية.

ونجحت بريطانيا خلال نحو قرن ونصف في تأسيس 13 مستوطنة مزدهرة على ساحل المحيط الأطلسي، من ولاية مين إلى جورجيا، مدعومة بتدفق سكاني ورؤوس أموال وانتظام إداري.

الاستقلال عن بريطانيا

أعلنت هذه المستعمرات استقلالها في 4 يوليو/ تموز 1776 بعد صراع مع التاج البريطاني.

وبذلك تأسست الولايات المتحدة الأميركية، وضمت الولايات التالية

  1. ماساتشوستس
  2. نيو هامبشاير
  3. رود آيلاند
  4. كونيتيكت
  5. نيويورك
  6. بنسلفانيا
  7. ديلاوير
  8. نيو جيرسي
  9. ماريلاند
  10. فرجينيا
  11. كارولاينا الشمالية
  12. كارولاينا الجنوبية
  13. جورجيا

وخلال 183 عامًا، تحولت الولايات المتحدة إلى دولة قارية تضم 50 ولاية، عبر مسارات متعددة كان أبرزها الشراء، ثم التوسع بالحرب، فالمعاهدات، وصولًا إلى ضم أقاليم بعيدة.

صفقات الشراء الكبرى..
حين “تشتري” دولة قارة

حصلت الولايات المتحدة على مساحات شاسعة من خلال صفقات شراء، أبرزها صفقة لويزيانا التي أُبرمت عام 1803 مع فرنسا بقيمة 15 مليون دولار، وهي من أضخم الصفقات العقارية في التاريخ، إذ أضافت أراضي 15 ولاية حالية إلى الولايات المتحدة الأميركية.

كما اشترت الولايات المتحدة آلاسكا من الإمبراطورية الروسية بمبلغ 7.2 ملايين دولار عام 1867، وفق “مكتب المؤرخ” التابع لوزارة الخارجية الأميركية.

وفي عام 1854، أُبرمت “معاهدة غادسدن” بين الولايات المتحدة والمكسيك. ووافقت بموجبها واشنطن على دفع 10 ملايين دولار للمكسيك مقابل قطعة أرض مساحتها 29,670 ميلًا مربعًا أصبحت لاحقًا جزءًا من ولايتي أريزونا ونيو مكسيكو، وفق مكتب المؤرخ.

وقد وفرت صفقة غادسدن الأرض اللازمة لإنشاء خط سكة حديد عابر للقارات جنوبًا، وسعت إلى حل نزاعات استمرت بعد الحرب المكسيكية الأميركية.

التوسع بالحرب والمعاهدات..
من المكسيك إلى أوريغون

أسفرت الحرب المكسيكية الأميركية عن تحولات كبرى في الجغرافيا الأميركية. فقد انتهت عام 1848 بمعاهدة “غوادالوبي هيدالغو”، التي تنازلت بموجبها المكسيك عن كاليفورنيا ونيومكسيكو وأريزونا ونيفادا ويوتا.

كذلك انضمت تكساس بعد أن كانت جمهورية مستقلة إثر انفصالها عن المكسيك.

خارطة للولايات المتحدة تظهر الولايات الـ13 الأولى – غيتي 

وفي الشمال الغربي، وقّعت الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى “معاهدة أوريغون” في 15 يونيو/ حزيران 1846، منهيةً 28 عامًا من الاحتلال المشترك لمنطقة شمال غرب المحيط الهادئ، وحدّدت خط العرض 49 شمالًا كحدود بين البلدين.

وكان المشهد سبقته ترتيبات أخرى: ففي عام 1814، أنهت الدولتان حرب 1812 بمعاهدة غنت، وبعد أربع سنوات اتفقتا على احتلال مشترك لمدة عشر سنوات لمنطقة الشمال الغربي.

منحت معاهدة أوريغون بريطانيا جزيرة فانكوفر، وهو مكسب مهم لها وتنازل للولايات المتحدة. وفي 14 أغسطس/ آب 1848، أقرّ الكونغرس رسميًا “إقليم أوريغون”، الذي ضمّ ولايات واشنطن وأوريغون وأيداهو الحالية، وفق موقع “مجلس الطاقة والحفاظ على الشمال الغربي”.

من 48 ولاية إلى 50..
توقف طويل ثم استكمال متأخر

بعد اكتمال الـ48 ولاية، بدا التوسع متوقفًا لعقود حتى عام 1959، إذ انضمت ولاية آلاسكا في يناير/ كانون الثاني من ذلك العام وولاية هاواي في أغسطس/ آب من العام نفسه، ليصبح العدد 50 ولاية.


الأقاليم الأميركية.. “علم واحد” وحقوق متفاوتة


إلى جانب الولايات الخمسين وواشنطن العاصمة، تمتلك الولايات المتحدة خمسة أقاليم مأهولة بالسكان بشكل دائم، بالإضافة إلى عدد متناثر من الجزر النائية التي تُعد موطنًا للحياة البرية.

ورغم عدم قدرة سكان هذه الأقاليم على انتخاب رئيس البلاد أو التمثيل الكامل في الكونغرس، إلا أن نحو 3.6 ملايين نسمة منهم يعيشون تحت العلم الأميركي، ويحتفلون بعيد الاستقلال في 4 يوليو/ تموز، ويحق لهم الخدمة في الجيش.


ومع امتداد البلاد عبر القارة بفعل مفهوم “القدر المحتوم”، بدأت عمليات الاستحواذ على مناطق خارجية في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ. ومن أبرز هذه المناطق:

1- بورتوريكو (1898-حتى الآن)

بعد غزو كوبا وبورتوريكو خلال الحرب الإسبانية الأميركية عام 1898، سيطرت الولايات المتحدة رسميًا على الجزيرتين بموجب “معاهدة باريس” التي أنهت الحكم الاستعماري الإسباني في الأميركتين، وأطلقت الولايات المتحدة كقوة إمبريالية. ورغم انسحابها من كوبا عام 1902، بقيت بورتوريكو أكثر الأراضي الأميركية اكتظاظًا بالسكان، ويُقدّر عدد سكانها بنحو 3.2 ملايين نسمة.

ووفق “مجلس العلاقات الخارجية“، حصل البورتوريكيون على الجنسية الأميركية عام 1917، وجعل دستور عام 1952 الجزيرة إقليمًا تابعًا للولايات المتحدة يتمتع بالحكم الذاتي. وفي استفتاء غير ملزم عام 2020، أيدت أغلبية الانضمام كولاية، لكن الانقسام ما زال قائمًا بين خيار الولاية والاستقلال أو الإبقاء على الوضع القائم أو توسيع الحكم الذاتي.

قاعدة عسكرية أميركية في بورتوريكو – غيتي 

2- غوام (1898-حتى الآن)

وصلت أنباء الحرب الإسبانية الأميركية إلى الحامية الإسبانية المعزولة في غوام ببطء شديد، حتى ظن سكان الجزيرة أن إطلاق النار من السفينة الأميركية “يو إس إس تشارلستون” في يونيو/ حزيران 1898 كان تحية احتفالية، وفق موقع “هيستوري.

وبعد استسلام الحاكم الإسباني فورًا، انتهى قرنان من الاستعمار. وأصبحت الجزيرة تحت سيطرة البحرية الأميركية، ثم تعرضت لهجوم اليابان بعد ساعات من ضرب بيرل هاربر.

وبعد أكثر من عامين من الاحتلال الياباني، استعادت الولايات المتحدة الجزيرة في 21 يوليو/ تموز 1944. ومثل سكان بورتوريكو، مُنح سكان غوام الجنسية الأميركية عام 1950.


3- الفلبين (1898-1946)

بعد أسبوع تقريبًا من اندلاع الحرب الإسبانية الأميركية، دمّر أسطول العميد البحري الأميركي جورج ديوي الأسطول الإسباني في خليج مانيلا، ما أشعل من جديد ثورة ضد الاستعمار الإسباني الذي دام ثلاثة قرون. ورغم تعهدات شفهية بدعم الاستقلال، ضمت الولايات المتحدة الفلبين مقابل 20 مليون دولار.

وخاض الثوار حربًا دموية استمرت ثلاث سنوات ضد “الاستعمار الجديد”، حصدت خلالها أرواحًا أميركية أكثر بعشر مرات من تلك التي حصدتها الحرب مع إسبانيا. ونقلًا عن دانيال إيمروار، مؤلف كتاب “كيفية إخفاء إمبراطورية: تاريخ الولايات المتحدة الكبرى“، فإن السيطرة على الفلبين تحولت إلى اختبار لهيبة القوة الصاعدة.

واحتفظت أميركا بالسيطرة حتى 4 يوليو/ تموز 1946، عندما أوفت بتعهد الرئيس فرانكلين د. روزفلت عام 1943 بمنح الاستقلال بعد الاحتلال الياباني خلال الحرب العالمية الثانية، وفق “هيستوري”.


4- ساموا الأميركية (1900-حتى الآن)

تختلف هذه المجموعة من الجزر البولينيزية السبع عن دولة ساموا المستقلة، وتُعد أقصى الأراضي الأميركية جنوبًا.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، مثّلت جزر ساموا محطة حيوية لتزويد السفن التجارية والبحرية الأميركية بالفحم في جنوب المحيط الهادئ. وتعاظمت أهميتها بعد استحواذ أميركا على الفلبين، إذ بدا منطقيًا استراتيجيًا امتلاك أراضٍ أخرى في المحيط الهادئ ضمن شبكة نفوذ أوسع.

وبعد تقسيم السيطرة على الجزر مع ألمانيا عام 1899، طالبت الولايات المتحدة بتوتويلا والجزر المجاورة شرقًا، حيث تنازل زعماء ساموا رسميًا عن الأرض بين عامي 1900 و1904.

ويبلغ عدد سكانها اليوم نحو 44 ألف نسمة، وهم من مواطني الولايات المتحدة، لكنهم ليسوا مواطنين أميركيين.


5- منطقة قناة بنما (1903-1979)

بعد رفض كولومبيا معاهدة مع الولايات المتحدة لبناء ممر مائي عبر برزخ بنما، اعترف الرئيس ثيودور روزفلت بحركة استقلال بنما عام 1903، التي منحت واشنطن حقوقًا حصرية لبناء قناة بنما. ورغم أنها لم تكن “تملك الأرض” بالمعنى التقليدي، فقد حصلت الولايات المتحدة “إلى الأبد” على “جميع الحقوق والسلطات والنفوذ” داخل منطقة قناة بنما (بعرض 10 أميال وطول 50 ميلًا) مقابل دفعة واحدة بقيمة 10 ملايين دولار ومعاش سنوي قدره 250 ألف دولار، وفق موقع “المؤرخ التابع لوزارة الخارجية الأميركية.

تسبب الوجود العسكري الأميركي والإدارة ذات الطابع الاستعماري في توترات واحتجاجات عنيفة، بينها أعمال شغب عام 1964 التي أسفرت عن مقتل 22 طالبًا بنميًا وأربعة جنود أميركيين، ما دفع بنما إلى قطع العلاقات الدبلوماسية لفترة وجيزة. ثم وقّع الرئيس جيمي كارتر معاهدات أنهت وضع “منطقة القناة” عام 1979 وأعادت السيطرة الكاملة على الممر المائي إلى بنما عام 1999، مع احتفاظ الولايات المتحدة بالحق في استخدام القوة العسكرية لإبقاء القناة مفتوحة.

 تحتفظ الولايات المتحدة بالحق في استخدام القوة العسكرية لإبقاء قناة بنما مفتوحة – غيتي

6- جزر العذراء الأميركية (1917-حتى الآن)

كان الاستحواذ على جزر العذراء الأميركية صفقة استغرقت خمسين عامًا من التخطيط. ففي عام 1867، تفاوض وزير الخارجية الأميركي ويليام سيوارد على شراء جزر الكاريبي التي كانت تُعرف باسم “جزر الهند الغربية الدنماركية” من الدنمارك، لكن مجلس الشيوخ الأميركي رفض العرض، ثم عرقل البرلمان الدنماركي الصفقة عام 1902.

ومع تصاعد المخاوف من أن تستفيد ألمانيا من الجزر خلال الحرب العالمية الأولى، عاد العرض مجددًا، ولوّحت واشنطن بإمكان الاستيلاء إذا رُفض المقترح مرة أخرى. وفي عام 1916، وافقت الدنمارك على بيع الجزر مقابل 25 مليون دولار، مع اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الدنماركية على غرينلاند ضمن الترتيب.

وانضمت سانت كروا وسانت جون وسانت توماس وعشرات الجزر الصغيرة رسميًا إلى الولايات المتحدة عام 1917، وأصبح سكانها مواطنين أميركيين بعد 10 سنوات.

فيديو – مراسل التلفزيون يستعرض تاريخ محاولات الولايات المتحدة لضمّ جزيرة غرينلاند

7- جزر ماريانا الشمالية (1986-حتى الآن)

تشمل الأراضي التي استولت عليها الولايات المتحدة سايبان و13 جزيرة مجاورة شمال شرق غوام. فبعد الاستيلاء على جزر ميكرونيزيا من اليابان خلال الحرب العالمية الثانية، تولت الولايات المتحدة إدارة وصاية استراتيجية تحت سيادة الأمم المتحدة.

وبعد مسار استفتاءات وترتيبات سياسية، وافق الكونغرس الأميركي على تأسيس جزر ماريانا الشمالية كإقليم تابع للولايات المتحدة عام 1976. وبعد أن بلغ عدد سكانها نحو 51 ألف نسمة، أصبحت رسميًا إقليمًا أميركيًا عقب إنهاء الأمم المتحدة وصايتها بعد عقد من الزمن، وحصل السكان على الجنسية الأميركية.


قانون جزر الغوانو.. توسع زراعي على طريقة القرن التاسع عشر


لم يقتصر الدافع التوسعي على السياسة والحرب، بل امتد إلى الاقتصاد والزراعة. ففي 18 أغسطس/ آب 1856، أصدرت الولايات المتحدة “قانون جزر الغوانو“، الذي يسمح لمواطنيها بالاستيلاء على أي جزيرة غير مأهولة تحتوي على “الغوانو” (زبل الطيور) لاستخدامه سمادًا. في ذلك الوقت، كان الغوانو من أغنى الموارد الطبيعية بالفوسفات والنيتروجين اللازمين لرفع إنتاجية المحاصيل.

أضاف هذا القانون عشرات الجزر الصغيرة في المحيط الهادئ والكاريبي إلى السيادة الأميركية، وبعضها لا يزال تابعًا حتى اليوم. وتُصنف معظم هذه الجزر ضمن ما يسمى “جزر الولايات المتحدة الصغيرة النائية”، وهي غير مأهولة بالسكان الدائمين، وتُدار غالبًا كمحميات طبيعية من قبل الهيئة الأميركية للأسماك والحياة البرية، لكنها تظل أرضًا أميركية رسميًا.


يتضح، في النهاية، أن جغرافيا الولايات المتحدة الأميركية لم تكن يومًا حدودًا ثابتة رسمتها الطبيعة، بل كيانًا نما وتمدد على مدى قرنين ونصف من الزمن. فمنذ عبور المستوطنين الأوائل جبال الأبالاش، وصولًا إلى رفع العلم الأميركي فوق جزر نائية في المحيط الهادئ، كانت القوة الدافعة مزيجًا من الطموح الاقتصادي، والضرورة العسكرية، وعقلية “الصفقات” التي ترى في الجغرافيا مساحة قابلة لإعادة الترتيب. وربما لهذا السبب تحديدًا، يعود تاريخ التوسع الأميركي اليوم كمرآة تشرح حاضرًا يحاول، مرة أخرى، أن يختبر حدود الممكن.