صمت العارفين: حين تصبح المعرفة بلا شجاعة

صمت العارفين: حين تصبح المعرفة بلا شجاعة

Loading

في لحظات الانهيار الكبرى لا تكون الأزمة في نقص المعرفة بقدر ما تكون في غياب الشجاعة الأخلاقية فالتاريخ يعلمنا أن المجتمعات لا تسقط فقط حين يعلو صوت الجهل بل حين يصمت من يعرفون الحقيقة ويملكون القدرة على قولها وفي السياق السوداني الراهن تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحا حيث تقف قطاعات واسعة من النخب المتعلمة في منطقة رمادية تراقب المأساة بلغة تحليلية باردة دون أن تتحول معرفتها إلى موقف

لم تعد الوقائع غامضة ولا مسارات الفشل خافية فالحرب وانهيار الدولة وتفكك المؤسسات ليست ألغازا تحتاج إلى مزيد من البحث ومع ذلك يصر كثير من الأكاديميين والخبراء والإعلاميين والساسة السابقين على استخدام خطاب مطاطي يتجنب التسمية الصريحة للأشياء فيستبدل الجريمة بالأزمة والانقلاب بالتعقيد والمليشيا بالأطراف المتعددة ويقدم هذا التردد على أنه حكمة وحياد بينما هو في جوهره خوف مقنن

في التجارب المقارنة التي تتابعها الصحافة الغربية عادة لا ينظر إلى الحياد في أزمنة الجرائم بوصفه فضيلة بل باعتباره شكلا من أشكال الانحياز غير المعلن فالخطاب الذي يساوي بين الضحية والجلاد لا يحمي السلم الاجتماعي بل يفرغ العدالة من معناها ويمنح مرتكبي العنف فرصة لإعادة إنتاج أنفسهم كفاعلين سياسيين طبيعيين إن هذا النوع من اللغة الذي يتخفى خلف العقلانية يسهم في إطالة أمد الصراع لأنه يعطل البوصلة الأخلاقية للمجتمع

تعرف هذه النخب أن للكلمة ثمنا وقد يكون الثمن فقدان موقع أو شبكة علاقات أو مساحة أمان شخصية لكنها تتناسى أن الوظيفة التاريخية للنخبة ليست النجاة الفردية بل الإرشاد العام فالشجاعة هنا لا تعني الاندفاع ولا الخطاب الشعبوي بل تعني تحملا واعيا لتبعات الموقف حين يصبح الصمت مشاركة غير مباشرة في الضرر العام وحين تتحول الخبرة إلى مجرد ديكور معرفي فإنها تفقد قيمتها السياسية والأخلاقية

من منظور الدولة الحديثة كما تفهم في الأدبيات الغربية فإن النخب التي تزدهر في البيئات الهشة غالبا ما تخشى قيام مؤسسات حقيقية لأن الدولة تعني قواعد واضحة ومحاسبة ونهاية أدوار الوساطة الغامضة لذلك لا يثير الخوف فقط أولئك الذين راكموا مصالحهم في الفساد بل أيضا من اعتادوا العمل في الفراغ بين السلطة والمجتمع فالإصلاح الجاد يكشف الجميع ويطرح سؤالا بسيطا ومحرجا أين تقف

إن أي مشروع للإنقاذ أو ما يمكن تسميته بالدواء العملي لا يفشل بسبب نقص الأفكار بل بسبب مقاومة غير معلنة من قوى تعرف أن نجاحه سيجبرها على اتخاذ موقف واضح ولهذا يتم التشكيك والتأجيل وتدوير النقاش إلى ما لا نهاية فالمعرفة التي لا تتحول إلى شجاعة تصبح عبئا على المجتمع وتمنح الصمت غطاء أخلاقيا زائفا

لا يمكن لمجتمع يسعى إلى الخروج من الحرب وبناء دولة أن يعتمد على نخب ترى ولا تقول وتحلل ولا تتحمل فالشجاعة ليست قيمة مثالية مجردة بل شرط أساسي لأي انتقال سياسي ناجح وحين تستعيد النخب شجاعة الموقف يصبح للمعرفة معنى وللسياسة أفق وللتاريخ شهود.